Menu

كلام في السياسة.. قضايا ورجال: وجهات نظر (من بدايات القرن الواحد والعشرين) الحلقة الخامسة والأخيرة

غازي الصوراني

كلام في السياسة.. قضايا ورجال.jpg

خاص بوابة الهدف

(القُرَّاء الأعزاء: تنشر بوابة الهدف الإخبارية وعلى حلقات متتابعة، تلخيص مكثف مفيد لكتاب: كلام في السياسة.. قضايا ورجال: وجهات نظر (مع بدايات القرن الواحد والعشرين)، لمؤلفه الكاتب الكبير الراحل محمد حسنين هيكل، الصادر عن دار المصرية للنشر في طبعته الأولى، فبراير 2000، حيث قام مشكورًا الباحث والمفكر الفلسطيني غازي الصوراني بتلخيصه والتقديم له). 

 

كلام في السياسة.. قضايا ورجال: وجهات نظر (من بدايات القرن الواحد والعشرين)

الحلقة الخامسة والأخيرة

قصة ارتباط حسين ملك الأردن، والحسن ملك المغرب

بأجهزة المخابرات الأمريكية والصهيونية

مفكرات في ملفات ملكية

المعلوم والمكتوم في دور الملك الحسن وسياساته

(3)

ولم يكن هناك شك في "زمانه" و "أوانه" أن هناك معلومات خطيرة عن أوضاع العالم العربي وأمنه القومي بالتحديد تخرج من المغرب وتصل إلى إسرائيل، ولقد نّشَرْتُ في كتاب "الانفجار 1967" – الذي نُشِرَ سنة 1990 – واقعة هامة بدت في وقتها خطيرة – لكن خطورتها تأخذ الآن بُعْداً مختلفاً بالكامل!

كانت الواقعة كما نَشَرْتُها – في كتاب "الانفجار 1967" – بداية من الصفحة رقم 212 حتى 214 – ثم اكتملت تفاصيلها بعد ذلك بداية من الصفحة 314 حتى 316- تتلخص في أن "مؤتمر القمة العربي الذي انعقد في الدار البيضاء في سبتمبر 1965 – بحث مشروعاً سورياً (قدمه رئيس الدولة حينئذ اللواء "أمين الحافظ") يطلب قراراً عربياً على مستوى القمة يطالب بـ"التصميم على خوض معركة تحرير فلسطين معتمدين بعد الله على مقدراتنا وإمكانياتنا مهما كلفنا ذلك ومهما كانت النتيجة" – ثم إن هذا المشروع السوري مضى بعد ذلك إلى تحديد للقوات العسكرية القادرة على تنفيذ هذه المهمة.

والذي حصل وقتها أن مؤتمر القمة العربي وقد استمع إلى عرض سوري للخطة واطلع على أوراقها وجداولها ورسومها لم يصدر بشأنها قراراً، ولعله وجدها بالغة الصعوبة وإقليمياً ودولياً، واهم من ذلك عملياً- ومن ثم ظلت المناقشة مفتوحة ومُعَلًّقة في الهواء.

ولكن المهم أن هذا الموضوع عُرِض فعلاً ونوقِش في اجتماع على مستوى القمة العربية في الدار البيضاء في سبتمبر 1965.

ثم كان الاهم بعد قرابة سنة من اجتماع الدار البيضاء – أن لقاء جرى بين "جوزيب بروزتيتو" زعيم يوجوسلافيا ورئيسها في ذلك الوقت، وبين الرئيس "جمال عبد الناصر" وفوجئ "جمال عبد الناصر" بصديقه اليوجوسلافي يقول له بالحرف (كما رويت على أنه "عرف بمسألة أراد أن يكون الرئيس جمال عبد الناصر على علم بها"، ثم قطع "تيتو" كلامه وتوجه بسؤال مباشر إلى "جمال عبد الناصر" قائلاً له: "هل صحيح أنكم وضعتم خطة عسكرية للقضاء على إسرائيل أثناء انعقاد مؤتمر القمة العربي في الدار البيضاء في العام الماضي؟".

ودُهِش "جمال عبد الناصر" من السؤال وبدت دهشته واضحة أمام صديقه الذي واصل حديثه قائلاً: "منذ عدة شهور ألح جولدمان ("ناحوم جولدمان" رئيس الوكالة اليهودية أيامها) علىّ بطلب مقابلة معي ولم أستجب لطلبه متصوراً أنه يريد أن يسمعني وأحداً من "مونولوجاته الشهيرة" عن السلام طالباً وساطتي معك كما فعل مرات من قبل.

لكن جولدمان بعث إلىّ يقول أن لديه موضوعاً عاجلاً من الضروري اطلاعي عليه، وهو موضوع جديد تماماً، وحددت له موعداً وقابلته بالفعل قبل عشرة أيام في دوبروفنيك، وعندما لقيته فإنه لم ينتظر حتى المجاملات التقليدية، وإنما بدأ على الفور بما يشغله قائلاً لي : "إن رؤساء الدول العربية الذين اجتمعوا في الدار البيضاء وضعوا خطة للقضاء على إسرائيل، وأن هذه الخطة وصلت من ثلاثة مصادر إلى إسرائيل، وقد دعاني رئيس الوزراء ليفي أشكول بطريقة عاجلة إلى مقابلته في القدس وأطلعني على هذه الخطة، وقال لي "إذا كنت تتصور أننا فبركناها لإقناعك بما نقول فلك أن تسأل أصدقاءك في البيت الأبيض أو وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في واشنطن، فقد وصلت إليهم الخطة كما وصلت إلينا، وقد اطلع عليها الرئيس جونسون بنفسه وقرر بعدها زيادة المساعدات العسكرية لإسرائيل بطريقة تخطت كل الحدود التي عرفناها من قبل".

وحاول "جمال عبد الناصر" أن يسيطر على مشاعره وحتى تعبيرات وجهه، وكان يريد أن يسمع أكثر، وكان لدى الرئيس "تيتو" ما يضيفه، فاستطرد قائلاً أن "جولدمان قال لي بعد ذلك أن رئيس وزراء إسرائيل ليفي أشكول أخبره بأنه الآن لا يستطيع ان يقبل أنصاف حلول، فإسرائيل في خطر لم يتعرض له اليهود منذ أيام هتلر والهولوكوست، وبالعكس فإن الخطر هذه المرة أفدح، فاليهود الذين اختفوا تحت حكم النازي كانوا في المنفى، واما الآن فإن 2.5 مليون يهودي معرضون للإبادة في عقر وطنهم بعد أن استطاعوا تحقيق حلم إنشاء الدولة.

وكان طلب أشكول بعد ذلك من جولدمان أنه يريد من الحركة اليهودية أن تدبر له مبلغاً كبيراً من المال لاستكمال احتياجات إسرائيل من السلاح، فهي لا تريد أن تعتمد فقط على المصادر الامريكية للسلاح رغم كرمها، لأن اعمتاد إسرائيل بالكامل على السلاح الأمريكي وحده من شأنه أن يعطي لواشطن نوعاً من حق الاعتراض – الفيتو- على تحقيق أية أهداف إسرائيلية لا تريدها الولايات المتحدة وتريدها إسرائيل.

ثم قام أشكول بدعوة الجنرال رابين رئيس أركان الحرب لكي يشرح لجولدمان الموقف الصعب الذي يمكن أن تجد إسرائيل نفسها فيه لو أن الخطة العربية للدار البيضاء وُضِعَت موضع التنفيذ، وتحدث رابين فقال أنه لا يشك في صحة الوثيقة ولا يشك في النوايا التي تتضمنها، والسؤال الوحيد الباقي أمامه هو "متى"؟ - أي انها مسألة توقيت وإسرائيل لا يمكن أن تقبل توقيتاً عربياً يُفْرَض عليها".

وواصل الرئيس "تيتو" حديثه فقال: "عندما سمعت هذا الكلام من جولدمان كان تعليقي عليه أنني لا أصدق، وعلى فرض أن العرب لديهم مثل هذه النوايا فلست أظن أنهم يضعونها على ورق، وحتى إذا وضعوها على ورق، فمن المؤكد أنهم سوف يحتاطون كي لا تصل إلى إسرائيل وإلى الولايات المتحدة أخبارهم من ثلاثة مصادر أو أربعة.

ورَدَّ على جولدمان بأن ذلك كان انطباعه الأولى وهو يسمع أشكول، لكنه بعد أن رأى الأوراق وتأكد أن البيت الأبيض والمخابرات المركزية لديهما علم بحقيقة الموضوع فإنه كان مضطراً أن يصدق".

 

(4)

إن "جمال عبد الناصر" الذي فوجئ بما سمع من "تيتو" استطاع على الفور أن يُدرِك مدى صحة المعلومات التي وصلت لإسرائيل، وقد قدر خطورتها.

ومن الغريب أن شكوكه – وقتها – اتجهت إلى الجنرال "محمد أوفقير" وزير المَلِك "الحسن" القوى والنافذ خصوصاً في مجال المخابرات – كلنه لم يرد على باله، ولا حتى كهاجس أو كابوس- أن المشكلة فوق "أوفقير" وأعلى منه، وأن الموساد – كما يظهر الآن من شهادات الساسة ووسائل الإعلام الإسرائيلية في مناسبة رحيل المَلِك "الحسن" – كان لها مركز تَنَصُّف وتَسَمُّع على كل كلمة تجري في اجتماعات ومداولات ملوك العرب ورؤسائهم في الرباط.

والأغرب – والأشد مدعاة للتأمل الآن – هو أن "جمال عبد الناصر" رأى أن يصارح المَلِك "الحسن" أثناء مؤتمر القمة العربي في الرباط سنة 1969 بأن هناك أخباراً تتسرب من المغرب إلى إسرائيل، والأكثر في المفارقة أن "جمال عبد الناصر" أفضى إلى المَلِك "الحسن" بشكوكه في وزيره القوى "محمد أوفقير".

وربما أنه الآن فقط يمكن لأي متابع مهتم بالشأن العربي أن يسمح لنفسه بالتساؤل على الأقل -  على أسباب الحرص الزائد للمَلِك "الحسن" على استضافة أكبر عدد من مؤتمرات القمة العربية والإسلامية التي تتعرض مناقشاتها بالضرورة للصراع العربي الإسرائيلي في ذلك الوقت – ثم يُلْحَق بذلك ما يُقال الآن صراحة وعلى لسان أكبر المسئولين وأكثر المعلقين في إسرائيل أن جهاز الموساد كانت لديه في قاعات اجتماع القِمَم العربية والإسلامية وسائل تَنَصُّت وتَسَمُّع، أي جهاز الموساد كان طَرَفاً حاضراً في هذه الاجتماعات وإن لم يكن مَرْئياً – مُشاركاً فيها وإن لم يفتح فمه بكلمة، وهذه مصيبة بأي معيار!

وعلى سبيل الحصر فإن المَلِك "الحسن" استضاف سبعة مؤتمرات قمة عربية، وهذا عدد قياسي من المؤتمرات لم تستطع دولة عربية أن تتحمل بتكاليفه أو بمسئولياته:

  • مؤتمر القمة العربية في الدار البيضاء في سبتمبر 1965.
  • مؤتمر القمة العربية في الرباط في ديسمبر 1969.
  • مؤتمر القمة العربية في الرباط في أكتوبر 1974.
  • مؤتمر القمة العربية في فاس في نوفمبر 1981 (وهي قمة اجتمعت وانفضت دون جلسات رسمية بسبب خلافات استحال التوفيق بينها حول مشروع قدمته السعودية باسم المَلِك "فهد").
  • مؤتمر القمة العربية في فاس في سبتمبر 1982 (وقد نوقش فيها وصدر عنها مشروع المَلِك "فهد).
  • مؤتمر القمة العربية الطارئة في الدار البيضاء في أغسطس 1985.
  • مؤتمر القمة العربية الطارئة في الدار البيضاء في مايو 1989.

وعلى سبيل الحصر أيضاً فقد استضاف المَلِك الحسن" ثلاث قمم إسلامية كان أولها وأخطرها مؤتمر القمة الإسلامية الذي انعقد في سبتمبر 1969 بعد حريق المسجد الأقصى، والذي كان بين قراراته تشكيل لجنة إسلامية يرأسها المَلِك "الحسن" نفسه واعتبارها مسئولة عن إنقاذ القدس!

ثم تلى مؤتمران على مستوى القمة الإسلامية: يناير 1982، وديسمبر 1994 في الدار البيضاء.

وبرغم ذلك فإنه قبل الذهاب بالوقائع والأفكار والتأملات بعيداً وواسعاً فلا بد أن نستدرك جميعاً لنَتَنَبَّه إلى أن هناك مطلباً ضرورياً قبل كل شيء وبعد كل شيء، وهو مطلب الفهم قبل الحكم – في حالة المَلِك "الحسن" كما كان أيضاً في حالة المَلِك "حسين".

وفي مطلق الأحوال فإن البشر لا يملكون أهلية الحكم على البشر في السياسة، وإنما يملكون أهلية التقدير والتقييم بعد إطالة النظر في الوجوه المتعددة للحقيقة لأن الأداء السياسي لا تضبطه مواد من قوانين مُحَدَّدة ومُحْكَمة.

إن التاريخ يستطيع أن يحكم بعد أن يستوفي مطالبه.