Menu

تحديات جو بايدن الصعبة

د. محمد السعيد إدريس

تركة هائلة من التحديات الصعبة سوف يورثها الرئيس الأمريكى المنتهية ولايته، دونالد ترامب، للرئيس المنتخب جو بايدن، على صعيد السياسة الخارجية، أبرزها التصعيد غير المسبوق مع الصين الذي حذر منه منذ أيام، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، هنري كيسنجر، بقوله إن «العالم سينزلق نحو كارثة مماثلة للحرب العالمية الأولى في حال استمرار التوتر بين واشنطن وبكين»، وكذلك التوتر الساخن مع روسيا الذي يتفاقم مع الانسحاب الأمريكي من «معاهدة الأجواء المفتوحة» مع روسيا، الذي تعمد وزير الخارجية مايك بومبيو، أن يقدمه «هدية ملغومة» إلى الإدارة الجديدة للرئيس جو بايدن، فضلاً عن الأزمة الساخنة مع إيران التي وصلت إلى مستوى إرسال واشنطن منذ أيام القاذفة الاستراتيجية B-52 إلى الشرق الأوسط «في مهمة طويلة»، مع تأكيدات بومبيو أن «جميع الاحتمالات مطروحة على الطاولة في الملف الإيراني»، ما اعتبره الكثيرون إشارة إلى جدية عزم إدارة ترامب على توجيه ضربات تدميرية للمنشآت النووية الإيرانية خلال الأسابيع القليلة المتبقية لهذه الإدارة، في خطوة هدفها إرباك خطة بايدن للتعامل مع الملف الإيراني، كل هذا، إضافة إلى ملفات أخرى لا تقل أهمية تأتي على رأس  أولويات السياسة الخارجية للرئيس المنتخب، مثل العلاقة مع الحلفاء الأوروبيين، والعلاقة مع المنظمات الدولية المتخصصة التي انسحبت أمريكا منها، واتفاقية المناخ الدولية، وغيرها. لكن رغم هذا كله، فإن تحديات الداخل تفوق عشرات المرات التحديات الخارجية، وتفرض نفسها بقوة على الإدارة الجديدة.

وإذا كان بايدن أعطى أولوية للتعامل مع قضيتين شديدتي الإلحاح، هما مواجهة جائحة كورونا، وإيجاد حلول عاجلة وناجعة للتدهور الاقتصادي الأمريكي، إلا أن هناك أربعة تحديات محورية، أو فلنقل أنها ترقى إلى مستوى أن تكون «استراتيجية»، ستكون هي المحدد الأساسي لتمكين إدارة جو بايدن من إنجاز برنامجها الرئاسي، من عدمه، هي:

أولاً، استعادة المكانة المتداعية للديمقراطية الأمريكية التي هي أبرز دعائم النظام السياسي الأمريكي الذي أضحى مهدداً، وثانياً، استعادة وحدة المجتمع الأمريكي الذي أضحى مجتمعاً مهدداً بالانقسام ليس السياسي فقط بين الحزبين الكبيرين الجمهوري والديمقراطي، ولكنه أيضاً انقسام عرقي، واجتماعي، واقتصادي، وثقافي، وثالثاً، محاصرة ظاهرة «الترامبوية»، إن جازت التسمية، التي أخذت تستفحل داخل المجتمع.

ورابعاً، تحقيق التوازن داخل الحزب الديمقراطي بين أجنحته المتنافسة التي قد تهدد وحدته، على غرار ما يتهدد الحزب الجمهوري من انقسامات، وأبرز ما يميز هذه الأزمات، أو التحديات الأربعة، أنها تحديات ممتدة، أي لا يمكن القضاء عليها نهائياً بإجراءات محددة، ولكنها في حاجة إلى معالجات طويلة المدى مقرونة بإجراءات سريعة على الأقل لتسكين تداعياتها، وإعاقتها للإدارة الجديدة في مواجهة الملفين الرئيسيين اللذين يحظيان بالأولوية، ويستلزمان سرعة التحرك، وهما مواجهة جائحة كورونا، ومعالجة الأزمة الاقتصادية المستفحلة.

هذه التحديات الأربعة التي من المحتمل أن تتفاقم في ظل تأكيدات الرئيس ترامب وعوده بعدم الاستسلام، فإنه وإن كان قد أعطى، مضطراً، الإذن لرئيسة إدارة الخدمات العامة، إميلي ميرفي، للتعاون مع فريق جو بايدن في ما يتعلق بالانتقال السلمي للسلطة، كما أعطى لإدارته الإذن ببدء التعاون مع فريق بايدن للغرض نفسه، إلا أنه، أي ترامب، استدرك فى إحدى تغريداته يوم الاثنين الماضي، وقال «قضيتنا تمشي بقوة، وسنواصل المعركة. أنا أؤمن بأننا سننتصر، لكن لمصلحة بلادنا أوصي بأن تقوم إميلي وفريقها بما يلزم عمله في ما يتعلق بالبروتوكولات الأولية، وأبلغت فريقي أن يقوم بالأمر نفسه». ففي قرارة نفسه يرى ترامب أنه الفائز، وأنه سيواصل طريق التقاضي، وإن كان لذلك مدلول فإنه يعني أن الطريق أمام إدارة جو بايدن لن تكون ميسرة، بل من المؤكد أنها ستكون ملغومة بعوائق كثيرة لإفشالها، قد تكون البداية داخل مجلس الشيوخ، إذا استطاع الجمهوريون الفوز بمقعدي ولاية جورجيا.

عرقلة إدارة جو بايدن داخل مجلس الشيوخ ابتداء من التصديق على ترشيحاته لمن سيتولون المناصب الكبرى والوزارية، وبعدها إعاقة مشروعه للقضاء على جائحة كورونا، وحل الأزمة الاقتصادية، قد تكون مجرد بدايات، لكن الأصعب هو مواصلة التمرد الشعبي في ظل انقسام المجتمع واستقطابه بشكل حاد. هذا النوع من التمرد قد يتحول إلى دموي فى ظل كثافة التسلح الفردي لدى الأمريكيين، وإدخال البلاد في حالة من الفوضى قد لا تكون أبداً «فوضى عاقلة»، عندها سوف يستفحل مشروع ترامب الذي سيبقى سيفاً مسلطاً على رقاب إدارة جو بايدن.