Menu

تحليلفي انتظار بايدن: ربما على محمد بن سلمان أن يقرأ القليل من التاريخ

بوابة الهدف - أحمد مصطفى جابر

رغم أن الجدال محتدم في الولايات المتحدة حول السلامة العقلية للرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب إلا أن الصحافة الأمريكية مهتمة أيضا بالطبيعة المنحرفة لبعض الحلفاء المقربين لإدارة ترامب، وبالخصوص محمد بن سلمان. 

ويرى بعض الخبراء، إنه قد يكون من الطبيعي أن يكون شخص محدد معتلا نفسيا، ولكن المعتاد أن هؤلاء يبحثون عن علاقات مع أشخاص أسوياء، لإحداث شيء من التوازن في طبيعته الشخصية، ولكن ليس هذا ما فعله ترامب، ببناء علاقة وثيقة مع مجرم حرب وقاتل محلي، وأشبه بمغتصب للسلطة مثل محمد بن سلمان.

والراسخ في الحديث عن محمد سلمان، إنه لايعرف التاريخ، وعندما تباهى بمعلوماته التاريخية في مقابلة شهيرة مع مجلة أمريكية، كانت جميع هذه المعلومات خاطئة، ومثيرة للشفقة، تجاه الأمير الذي رأى فيه الغرب أملا لتقريب السعودية أكثر من الغرب، وكانت خيبة الأمل أكبر في سلوك ابن سلمان وأكاذيبه التي حاكها ببراعة دون أن يرف له جفن، ولم لا ما دام حاميه دونالد ترامب خبيرا في هذا، ويبدو أن ابن سلمان كشخص ثري جدا كما وصف نفسه، كان يحتاج بالضبط إلى سمسار مبيعات كترامب لتسويق نفسه، ولكن ترامب سيذهب وعلى محمد بن سلمان أن يندم على الوقت الذي لم يقرأ فيه بعض التاريخ.

كان اجتماع أعضاء مجموعة العشرين مؤخرا بضيافة الرياض، بمثابة فرصة محدودة الفوائد لمحمد سلمان لإنقاذ نفسه، مع ضيق الوقت باقتراب دخول جون بايدن إلى البيت الأبيض وهو طبعا ليس الحليف المختار والمفضل للأمير السعودي، الذي يتحسب لتنفيذ بايدن لتهديداته ووعوده بفتح ملف اغتيال جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في استنبول.لايمكن القول أن من الممكن أن نقرأ قريبا مثلا مقالا بعنوان "صعود وسقوط محمد بن سلمان"، ولكن بالتأكيد مثل هذا المقال أفضل بكثير من غيابه تماما في غياهب النسيان ولن يسأل أحد حتى أين ذهب محمد بن سلمان بينما يتحفز معارضون بارزون في الأسرة المالكة لقدوم بايدن ويستعدون للثأر، من الشخص الذي استفاد من صداقة ترامب وتشجيعه ليصادر واقع القمع الدموي في السعودية ويحوله من ممارسة تتمتع بها الأسرة الحاكمة إلى ممارسة محتكرة لفرد واحد، لن يسلم منها حتى شركاءه السابقون في القمع الذين ينظر إليهم من قبل معارضي محمد بن سلمان وليبراليي واشنطن ولندن وباريس بأنهم الوضع الطبيعي الذي يجب العودة إليه!

وصف دوغ باندو وهو مساعد خاص سابق لرونالد ريغان، أن ترامب ووزير خارجيته حولا التواطؤ الوحشي مع ابن سلمان إلى شكل من أشكال الفن، حيث تم الترحيب به في البيت الأبيض بشكل غير مسبوق وقامت الإدارة بحمايته من المساءلة وسلحته بشكل فعال مطلقة مخالبه داخليا وضد الشعب اليمني.

ونقد المملكة، ظاهرة جديدة تماما في الولايات المتحدة، عدا بعض الأصوات التحررية اليسارية من حين لآخر، ورغم أن النظام السعودي يخالف جملة وتفصيلا معايير المجتمع والممارسة المدنية والسياسية في الولايات المتحدة، إلا أن السعودية كانت محط إعجاب الطموح الناهب في الرأسمالية الأمريكية، كبلد غني جدا بالنفط، المتاح دائما للأصدقاء الغربيين، ولا يهدد إسرائيل، ويمكن التماس فقط مع السعوديين الأثرياء خصوصا الأمراء والأميرات الباحثين عن منتجع فاخر في الغرب بعيدا عن رقابة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي كانت سوط النظام لقمع المجتمع وقمع كل متذمر، وهكذا أغمضت حكومات الغرب وخاصة الولايات المتحدة أيعنها برضا وسعادة عن توحش المملكة الداخلي ورجعيتها.

ولكن حدث شيء آخر عام 2015، شيء هدد استقرار القمع الذي احتفى به الغرب، عندما خالف سلمان التقاليد العريقة وعين ابنه وليا للعهد، وسرعان ما شن هذ الأمير المتعجل هجوما ضد باقي أفراد العائلة ليكرس استيلاءه على السلطة، ويبدأ أعضاء العائلة المالكة بالإختفاء تدريجيا تحت أنف وبصر الغرب، الذي تحول إلى القلق، ليس على الديمقراطية السعودية غير المطروحة للنقاش أصلا، بل على استقرار المملكة، وبالتالي ضياع هذا الكنز الاسراتيجي النفطي الرجعي التابع.

رغم ذبك لم يتردد بومبيو في الخدمة الحثيثة لمحمد بن سلمان، ولكنها خدمة للغرب أيضا، فيسعى بومبيو لتثبيت سلطة الأمير الشام، وحثه على تطبيع العلاقة مع الكيان الصهيوني، وإعادة الحياة إلى الحرب المتهالكة على اليمن، عبر مزيد من التسليح وعبر هدية جديدة لامعنى لها يقدمها بومبيو بتصنيف جماعة الحوثي كجماعة إرهابية، وهو تصنيف أثار في الواقع نوبات من الضحك في عواصم العالم وربما في الرياض نفسها.

ابن سلمان بدوره يعرف ما قدمه له ترامب من حماية، وهذا الأخير قال حرفيا "لقد أنقذت مؤخرته"، عن قضية خاشقجي، التي جعلت بالأساس سمعة الرياض في الحضيض لدرجة أنها كانت الدولة المرشحة الوحيدة التي تم رفض عضويتها في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في الجولة الأخيرة من التصويت، حيث كانت قضية خاشقجي على ما يبدو أكثر مما يمكن أن يتحمله حمائم السلام القامعين حول العالم وحتى زملاء ابن سلمان الأكثر وحشية.

هل يجب أيضا الحديث عن حملة القمع الوحشية ضد نشطاء الداخل وخصوصا النساء الداعيات إلى الإصلاح، ولسخرية القدر أن تستضيف الرياض في ذات الوقت الذي تتعرض فيه ليجن الهذلول للقمع والتعذيب الوحشي، اجتماع عمل ركز بشكل خاص على "خلق مستقبل أكثر إنصافًا للمرأة في عالم الأعمال"!

ورغم ذلك تبقى جريمة محمد ابن سلمان وحلفائه في اليمن هي الأكثر وحشية وإثارة للغضب، وكانت الرياض عند بدء حملتها الوحشية قد قالت إن الحرب هي ثمن زهيد لإعادة الاستقرار إلى اليمن، الاستقرار يعني هنا إعادة نظام علي عبد الله صالح في حينه، أو تنصيب نظام دمية الآن. ولكن ما لم تتوقع السعودية ولا البيت الأبيض ولا الإمارات ولا الحلفاء الأقل شأنا في هذا العدوان أن الحملة الصغيرة التي كانت ستستمر فقط عدة أسابيع تستمر لخمس سنوات دون أن تظهر نهايتها ، بعد أن تمكن الخصم أي المقاومة اليمنية من رد الصاع صاعين للمملكة، ولم تجرؤ السفيرة السعودية في واشنطن الأميرة ريما على إنكار إن القصف اليمين للسعودية جاء في الواقع بعد عام كامل من قصف التحالف للمدنيين في اليمن. وكل هذا بدعم تسليحي كامل من الغرب الديمقراطي على الأقل الولايات المتحدة، وبريطانية وفرنسا، وتغطية دبلوماسية وإعلامية كاملة للجرائم في اليمن. وها غيض من فيض ما فعله محمد بن سلمان، سواء اقتحام البحرين وارتكاب الفظائع فيها لحماية النظام الملكي، أو اختطاف رجال الأعمال وابتزازهم ماديا ومن ضمنهم رئيس وزراء لبنان في حينه سعد الحريري وغيرها الكثير.

لذلك كله على محمد ابن سلمان أن ينتظر راعيه الجديد، ويقيس بحذر مدى الحماية ونوع الغطاء الذي سيقدمه له، وإذا كان بايدن صادقا، وقادرا على وضع مبادئه في وجه كارتيلات السلاح الأمريكية، فربما على محمد بن سلمان تحسس رأسه، وحان الوقت أن يفكر جديا أنه لايختلف بشيء عن الشاه أو عن باتيستا أو غيرهما من الطغاة الذين استهلكوا ورمتهم الولايات الزتحدة في سلة المهملات الخاصة بالحكام المخلوعين، ربما على محمد بن سلمان أن يقرأ التاريخ، القليل من التاريخ، وإن كان هذا لن يفيده على كل حال.