Menu

الأسطورة والإمبراطورية والدولة اليهودية الحلقة الأولى

غازي الصوراني

الأسطورة والإمبراطورية والدولة اليهودية.jpeg

خاص بوابة الهدف الاخبارية

(القُرَّاء الأعزاء: تنشر بوابة الهدف الإخبارية وعلى حلقات متتابعة، تلخيص مكثف مفيد لكتاب: الأسطورة والإمبراطورية والدولة اليهودية، لمؤلفه الكاتب الكبير الراحل محمد حسنين هيكل، الصادر عن دار المصرية للنشر في طبعته الأولى، فبراير 2000، حيث قام مشكورًا الباحث والمفكر الفلسطيني غازي الصوراني بتلخيصه والتقديم له). 

 

تقديم:

في هذا الكتاب من سلسلة كتب الإعلامي الكبير الراحل محمد حسنين هيكل، المعنون بـ: "المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل: الأسطورة والإمبراطورية والدولة اليهودية"، يسلط أ.هيكل الضوء على "مروحة" المفاوضات التي كانت متعددة ومتباعدة الأطراف، لكنها محددة الأهداف؛ فتارة جرت المفاوضات السرية بين بريطانيا والحركة الصهيونية، وفي وقت آخر بين الإمبراطورية العثمانية وبين الحركة الصهيونية، وفي وقت تالٍ كانت المفاوضات بين الهاشميين وبين الحركة الصهيونية، ثم توسعت مروحتها لتدخل فيها مصر أواخر الحكم الملكي.

ويركز الراحل "هيكل" في هذا الجزء من الكتاب، في سؤال: لماذا كانت الحرب قريبة وظل السلام بعيدًا طوال قرن من الزمان؟ ولماذا جاء السلام – إذا كان ما جاء سلامًا- في هذه الظروف وبهذا الشكل وبهذه الطريقة؟ ولماذا كان يجب أن تكون المحاولات من أجل السلام في الخفاء وتحت ساتر الظلام، في حين أن السلام بالطبيعة أمل يتمناه الناس؟

المهم كي نفهم ما يجري علينا، كمهتمين ومشغولين بالسياسة فكرًا أو عملاً - من بوابة مركزية قضيتنا الوطنية الفلسطينية-  قراءة التاريخ أولاً؛ فكما يقول هيكل: "لأن الذين لا يعرفون ما حدث قبل أن يولدوا، محكوم عليهم أن يظلوا أطفالاً طول عمرهم!، ذلك ان هذه القراءة ستعزز – دون أدنى شك رؤيتنا التي طالما أكدنا عليها التي تتلخص في أن الصراع مع العدو هو صراع عربي – صهيوني بالدرجة الأولى يكون الفلسطيني في طليعته.

 

غازي الصوراني

 

 

 

 

 

الأسطورة والإمبراطورية والدولة اليهودية

 

إن الفصول الأولى من الكتاب هي بالفعل أشبه ما تكون بـ «تختة الرمل» نموذج مجسم «ماكيت» للميادين التي جرت عليها «قصة المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل».

ثم إن نفس هذه الفصول تتعرض أيضاً لنقطة مهمة، إذ تجيب عن سؤال كامن في عنوان الكتاب ذاته، وهو: «لماذا كان مطلوباً أن تجرى أية اتصالات أو مفاوضات بين العرب وإسرائيل من وراء حجب وأستار؟».

في وقت من الأوقات كانت المفاوضات السرية بين بريطانيا وبين الحركة الصهيونية، وفي وقت آخر كان التفاوض بين الإمبراطورية العثمانية وبين الحركة الصهيونية. وفي وقت تالٍ كانت المفاوضات بين الهاشميين وبين الحركة الصهيونية، ثم اتسعت الدائرة فدخلت فيها مصر مع المرحلة الأخيرة من العصر الملكي.

ثم جاء وقت فيه المسئولية – أو معظمها- على مصر، وكان ذلك بالدرجة الأولى في أعقاب ثورة 1952، وكانت هذه المرحلة المصرية حقبتين، حقبة قادها "جمال عبد الناصر"، وأثناءها جرت محاولات لكن الاتصالات والمفاوضات السرية استحالت لأن مصر في ذلك الوقت كان لها دورها في قيادة حركة قومية عامة شملت قضية فلسطين، وغيرها من قضايا العمل القومي العام.

وفي هذه الحقبة لم يكن في استطاعة مصر أن تتصل أو تتفاوض لأسباب كثيرة أولها موقف مبدئي يرى التناقض التاريخي بين المطالب المتصارعة، ويحاول جاهداً أن يلائم حركة موازين القوة لصالحه، وثانيها أن الحركة القومية العامة فرضت أحلامها وطموحاتها، وهي أحلام وطموحات كان من الصعب على مصر حيالها أن تقدم على شيء من وراء ظهر جماهير عريضة تُعَبِّر مصر عنها وتقودها من حيث هي تعبر عنها. وثالثها أن هذه الحركة القومية العامة دخلت في نزاع مع القوى الإمبراطورية، وكان هذا الصراع شاملاً وعنيفاً، وكانت إسرائيل موجودة في خطوط الجانب الإمبراطوري من النزاع وطرفاً في عملياته، وبالتالي فإن الخطوط كانت متقاطعة.

كان هناك التزام مبدئي، وكان تأييد الجماهير الواسعة من المحيط إلى الخليج ضامناً إضافياً لهذا الالتزام.

ولقد تلت ذلك حقبة مصرية قادها الرئيس "أنور السادات"، وقد تصرف، ومعه آخرون، بِظَن أو وَهَم أنه "سلام"، وبظن أو وهم أنه "صالح القضية المركزية لكل العرب"، وبظن أو وهم أن "زعامة مصر للعالم العربي" تعطيه الحق في أن يتصرف.

والحاصل – في هذا الشأن- أنه عندما تكون سياسة مصر أن تقود العالم العربي إلى صلح كيفما كان وكيفما اتفق مع إسرائيل – فإن سطوة الولايات المتحدة تستطيع أن تسوق الدول العربية إلى هذه السياسة بطريقة أسرع وأكفأ لا تحتاج إلى مصر دوراً أو زعامة!

وعندما مشت مصر على طريق الاتصالات والمفاوضات السرية مع إسرائيل، وتوصلت إلى ما توصلت إليه، فإن العالم العربي الذي انفك جامعه، لم يترك للفلسطينيين خياراً غير أن يجربوا بأنفسهم وفي أسوأ الظروف. وجربوا فعلاً ووصلوا إلى أوسلو وتوابعها في القاهرة وواشنطن مروراً بهزات وقعت لهم على مساحات شاسعة في المنطقة ما بين بيروت وتونس ، وطهران والجزائر، واستكهولم وجنيف، وغيرها!

والسؤال الذي يتعرض هذا الكتاب لمحاولة الرد عليه هو: لماذا كانت الحرب قريبة وظل السلام بعيداً طوال قرن من الزمان؟ .. ولماذا جاء السلام – إذا كان ما جاء سلاما- في هذه الظروف وبهذا الشكل وبهذه الوسائل؟.. ولماذا كان يجب أن تكون المحاولات من أجل السلام في الخفاء، وتحت ساتر الظلام، في حين أن السلام بالطبيعة أمل يتمناه الناس، والأمل بالطبيعة نور وضياء؟.

الاهتمام بالسياسة فكراً أو عملاً يقتضي قراءة التاريخ أولاً – لأن الذين لا يعرفون ما حدث قبل أن يولدوا، محكوم عليهم أن يظلوا أطفالاً طول عمرهم!

تضحيات الشعبيين الفلسطيني والمصري بالأرقام:

ما بين بداية المقاومة على أرض فلسطين ذاتها، وهي البؤرة الساخنة للمواجهة، وحتى سنة 1993، قدم الشعب الفلسطيني:

261,000 شهيد

186,000 جريح

161,000 معوق

أما الشعب المصري، فقد قدم :

39,000 شهيد

73,000 جريح

61,000 معوق

إن المعايير اختلفت ابتداء من سنة 1974، وعندما جاءت سنة 1994 كانت العجلة قد دارت دورة كاملة. سقطت موانع التحريم، كما زالت دواعي القداسة.

ومن المفارقات أن "الآخر" (الصهيوني) كان أكثر وعياً وعلماً، فقد ظل في مكانه على أرض التاريخ الإنساني – بل والأسطوري غالباً- وبقي ثابتاً على "مقدساته" وعلى "محرماته".

إن بذور "المقدسات: المحرمات" العربية تجاه الصهيونية وإسرائيل تعود في بداياتها وأصولها إلى القرن التاسع عشر، وهو –من أوله إلى منتهاه- واحد من أهم قرون التاريخ سطوة ونفوذاً على العصور الحديثة اللاحقة له.

وطوال القرن التاسع عشر – هذا القرن الأكبر والأخطر من كل ما سبقه في التاريخ – كان العالم مشغولاً – (إلى جانب الاختراقات الكبرى في العلوم الطبيعية والإنسانية)- بأربع قضايا محددة استحوذت على اهتمامه وتنازعته فيما بينها:

  1. ظاهرة الوطنية وقد برزت نتيجة للثورة الفرنسية ودفعت شعوب الأرض جميعها إلى البحث عن هويتها، وحقها في تقرير مصيرها، وطلب الحرية والنهوض الاجتماعي.
  2. ظاهرة التسابق إلى المستعمرات والتنافس عليها بين القوى الأوروبية.
  3. المسألة الشرقية، وقد تمثلت بالدرجة الأولى في عملية التربص بإرث الخلافة العثمانية.
  4. المسألة اليهودية، وهي قضية ديانة توزع أتباعها في أنحاء الأرض. ثم إنهم كانوا هدف عداء استفحل خصوصاً حول مواضع كثافة التواجد اليهودي في شرق أوروبا وروسيا، ووقتها كان 90% من يهود العالم (وعددهم الإجمالي 12 مليوناً) يعيشون على تخوم ما بين روسيا وبولندا، ويتعرضون بين الحين والآخر لغارات دموية تولدها احتكاكات دينية واجتماعية وفكرية اشتهرت باسم الـ Pogrom، وهي كلمة روسية الأصل تعني "التدمير المنظم لطبقة أو لجماعة".

وكان "نابليون بونابرت" – نجم ذلك الزمن من التاريخ العالمي وأزمان بعده طويلة – هو المبادر والسَّبَّاق إلى الربط والتوليف بين: الوطنية، والسِبَاق الاستعماري، والمسألة الشرقية، والمسألة اليهودية، مجتمعة كلها معا في خدمة استراتيجية سياسية واحدة.

قبل "نابليون" كان يهود العالم – ومنذ مأساة الخروج مع المسلمين من الأندلس – موزعين بين أوروبا وشمال أفريقيا، وفي تلك الأيام كان الكلام عن العودة إلى فلسطين نداء يتردد على لسان أحد الحاخامات بين حقبة وأخرى، وربما مرة كل ثلاثين أو أربعين سنة، ولم يكن هناك من يأخذ هذا النداء جدياً، أو يعلق عليه بأكثر من أنه حنين يجتر الوهم، لأن العودة خلط متعسف للأسطورة بالتاريخ، ثم إنها حتى في الأساطير مرهونة بإشارات وعلامات لم تظهر بعد على أي أفق.

وفي كل الأحوال فإن "نداء الأسطورة" كان قضية مختلفة عن "المسألة اليهودية". فالنداء الأسطوري كان في حيز الأشواق. أما المسألة اليهودية فكانت في حيز الواقعين الاقتصادي والاجتماعي، لأن المسألة اليهودية كانت في صميمها ذلك الاضطهاد الواقع على اليهود في أوروبا، سواء هؤلاء الذين استقروا في الغرب من قديم، أو هؤلاء الذين تدفع بهم موجات الهجرة بين وقت وآخر هاربين من الشرق لاجئين إلى الغرب.

وكانت موجات الهجرة من الشرق هي النقطة الحرجة في المسألة اليهودية، لأن أحداً لم يكن يريد هؤلاء اليهود القادمين هاربين لاجئين من الشرق إلى الغرب.

وكانت فكرة نابليون (وهي فكرة استعمارية) في ربط وتوليف واستغلال الظواهر البادية مع مقدمات القرن التاسع عشر تتمثل في عدة خطوات:

  1. استعمال ظاهرة الوطنية في إيقاظ وعي يهودي يلتقط فكرة حق تقرير المصير، ويطالب بوطن قومي لليهود ينقذهم من الشتات ويريحهم – ويريح أوروبا أكثر- من عبء موجات الهجرة المتدفقة من يهود الشرق.
  2. اللعب على الوتر الديني اليهودي، وأساطيره، لتكون فلسطين – وهي وقتئذ من أملاك الخلافة العثمانية التي يتسابق الكل على إرثها – وطن اليهود الموعود والمختار.
  3. فإذا نشأت دولة يهودية برعاية فرنسا في فلسطين، فتلك إذن نقطة بداية مهمة لخططها الإمبراطورية في قلب أملاك الخلافة العثمانية.
  4. وإذا نجحت هذه التوجهات فإن فرنسا تكون قد بدأت عملية إرث الخلافة، وتكون حصلت على النصيب الأكبر من التركة قبل أن تتنبه القوى الأخرى وتتحرك.

كان نداء "نابليون" إلى يهود العالم على النحو التالي:

"من نابليون بونابرت القائد الأعلى للقوات المسلحة للجمهورية الفرنسية في أفريقيا وآسيا إلى ورثة فلسطين الشرعيين.

أيها الإسرائيليون، أيها الشعب الفريد، الذي لم تستطع قوى الفتح والطغيان أن تسلبه نسبه ووجوده القومي، وان كانت قد سلبته أرض الأجداد فقط.

انهضوا بقوة أيها المشردون في التيه، إن أمامكم حربا مهولة يخوضها شعبكم بعد أن اعتبر أعداؤه أن أرضه التي ورثها عن الأجداد غنيمة تقسم بينهم حسب أهوائهم.. لابد من نسيان ذلك العار الذي أوقعكم تحت نير العبودية، وذلك الخزي الذي شل إرادتكم لألفي سنة. إن الظروف لم تكن تسمح بإعلان مطالبكم أو التعبير عنها، بل إن هذه الظروف أرغمتكم بالقسر على التخلي عن حقكم، ولهذا فإن فرنسا تقدم لكم يدها الآن حاملة إرث إسرائيل، وهي تفعل ذلك في هذا الوقت بالذات، وبالرغم من شواهد اليأس والعجز.

يا ورثة فلسطين الشرعيين.. إن الأمة الفرنسية التي لا تتاجر بالرجال والأوطان كما فعل غيرها، تدعوكم إلى إرثكم بضمانها وتأييدها ضد كل الدخلاء.

سارعوا! إن هذه هي اللحظة المناسبة – التي قد لا تتكرر لآلاف السنين – للمطالبة باستعادة حقوقكم ومكانتكم بين شعوب العالم، تلك الحقوق التي سلبت منكم لآلاف السنين وهي وجودكم السياسي كأُمة بين الأمم، وحقكم الطبيعي المطلق في عبادة إلهكم يهواه، طبقا لعقيدتكم، وافعلوا ذلك في العلن وافعلوه إلى الأبد.

"بونابرت"

اليهود في فلسطين ذلك الوقت لم يزد عددهم على ألفين، وبالتحديد وطبقاً لتقرير مرفوع إلى "نابليون" نفسه من مجموعة ضباط استكشاف سبقت جيشه إلى فلسطين، هو 1800 (منهم 135 في مدينة القدس ).

أن هذه الورقة كانت "رؤية". وهي لم تكن "رؤية نبي"، وإنما كانت رؤية إمبراطور يملك حساً استراتيجيا نابهاً وبعيداً.

"نابليون" لم يكن ينظر إلى مصر وحدها، وإنما كان يراها في اتصال غير قابل للانفصال مع السهل السوري الذي يشكل معها زاوية قائمة تحيط بالشاطئ الشرقي – الجنوبي للبحر الأبيض.

ومن هذه الحقائق الجغرافية والتاريخية تبلورت الرؤية الاستراتيجية لـ "نابليون بونابارت"، وتجلت من خلالها "الورقة اليهودية".

وبذلك فإن أحلام "نابليون" في غزو العالم تبدت في أول خطوة لها على النحو التالي:

  1. عليه أن يسيطر على الضلع الجنوبي لزاوية البحر الأبيض الشرقية – وهو مصر-.
  2. وعليه أن يُؤمن سوريا لتكون زاوية جنوب شرق البحر الأبيض تحت سلطته.
  3. ولكي يضمن عدم التقاء الضلعين عربياً وإسلامياً، فإنه يزرع عند نقطة التقائهما، أي عند مركز الزاوية، شيئاً آخر لا هو عربي ولا هو إسلامي، لكن هذا الزرع لا يمكن خلقه من العدم، وإنما يحتاج خلقه إلى بذور حتى وإن كانت من جينات حفريات الأنثروبولوجيا بحيث يمكن غرسها في التربة.

وهكذا تجئ ورقة "نابليون" اليهودية تصوراً للمستقبل ورؤية – ربما لا تتحقق بسرعة- لكنها قابلة للتحقيق في مستقبل الأيام.. وبها فقد ينشأ وطن يهودي يكون ضماناً إضافياً إذا أمكن، ويكون عازلاً إذا اقتضت الضرورات.

وعندما أصبح "نابليون" إمبراطوراً لفرنسا، فإن مصر كانت لا تزال في حساباته أهم بلد في العالم، وكانت فكرة الوطن اليهودي العازل بعدها مستولية عليه، وهكذا فإنه دعا سنة 1807 إلى عقد مجمع يهودي "سانهردان" يحضره كل يهود أوروبا ممثلين في رؤساء طوائفهم، إلى جانب مشاهير حاخاماتهم، ليلم "شمل الأمة اليهودية" على حد قوله، ثم كان ملفتاً أن يكون القرار الذي يحمل رقم 3 من قرارات المجمع، قراراً يتحدث بالنص عن:

- "ضرورة إيقاظ وعي اليهود إلى حاجتهم للتدريب العسكري لكي يتمكنوا من أداء واجبهم المقدس الذي يحتاج إليه دينهم.

بريطانيا:

لقد أخذ رئيس وزراء بريطانيا اللورد "بالمرستون" عن إمبراطور فرنسا "نابليون" وتعلم منه.

كانت البرتغال هي السابقة على الطرق البحرية بين القارات، وجَرَتْ بريطانيا وراءها ولحقتها وسبقتها، وكانت أسبانيا هي السابقة إلى استعمار العالم الجديد في أمريكا، وجَرَتْ بريطانيا وراءها ولحقتها وسبقتها، وكانت فرنسا – "نابليون"- هي السابقة نحو مصر والواعية –في العصر الاستعماري- بأهمية الزاوية الاستراتيجية التي تجمعها مع سوريا، وجَرَتْ بريطانيا وراءها ولحقتها وسبقتها!

ويمكن القول إن "بالمرستون" تبنى بالكامل رؤى "نابليون"، وأمسك أكثر بإمكانياتها، وراح يمهد الأرض لتحقيقها.

وإذا كانت هذه الدعاوى التبشيرية قد وصلت إلى سمع "بالمرستون"، فليس مؤكدا أنها وصلت إلى عقله. وكانت تلك هي المهمة التي يجب أن يتولاها أحد، وبالفعل تولاها اللورد "شافتسبري".

كان اللورد "شافتسبري" صهراً قريباً لـ "بالمرستون"، وفي الوقت ذاته صديقاً مقرباً من اللورد "روتشيلد" وعائلته – وهم بين أكثر يهود الغرب الأغنياء والمأزومين من موجات هجرة يهود الشرق إلى غرب أوروبا، وأشدهم حماسة في العمل على "تصدير الفائض" منهم إلى فلسطين –وقد بدأ "شافتسبري" محاولاته لإقناع "بالمرستون" بالدعاوي المقدسة، ثم وجد أن الأساطير القديمة عاجزة، فبدأ يضيف إليها ذرائع سياسية يستطيع رئيس وزراء بريطانيا أن يتفهمها ويستوعبها.

وكتب "شافتسبري" في يومياته – 14 يونيو 1838- ما نصه:

"أمس تناولت العشاء مع بالمرستون، ورحت بعد العشاء أحدثه عن مأساة اليهود وعذابهم، وكان يستمع إلى وعيناه نصف مغمضتان، وعندما تركت حديث المأساة اليهودية ورحت أحدثه عن المصالح والمزايا التجارية والمالية التي تنتظر بريطانيا في الشرق، لمعت عيناه وتبدى اهتمامه وترك كأس البراندي على المائدة بجانبه وراح يسمعني".

إن الوثائق البريطانية في تلك الفترة حافلة بالشواهد على تطور فكر رئيس وزراء بريطانيا حتى وصل إلى تحديد ثلاثة أهداف للسياسة البريطانية في الشرق الأوسط:

  1. إخراج "محمد علي" من سوريا لفك ضلعي الزاوية المصرية – السورية.
  2. حصر "محمد علي" داخل الحدود المصرية وراء صحراء سيناء، وتحويل هذه الصحراء إلى نوع من "سدادة الفلين" تقفل عنق الزجاجة المصرية التي يمثلها وادي النيل (والتشبيه من خطاب لـ"روتشيلد" موجه إلى "بالمرستون" بتاريخ 21 مايو 1839).
  3. قبول وجهة النظر القائلة بفتح أبواب فلسطين لهجرة اليهود إليها وتشجيعهم على إنشاء شبكة من المستعمرات الاستيطانية فيها ليكون منها ذات يوم عازل يحجز مصر عن سوريا، ويمنع لقاءهما في الزاوية الاستراتيجية الحاكمة!

وكان الشعب الفلسطيني في الموقف الصعب. فأرض الصراع أرضه، وقد أعطى قصارى ما عنده في ثورته التي استمرت من سنة 1936 إلى قيام الحرب العالمية الثانية ونهايتها. وقد رأى أن قوى الصراع أكبر من طاقته.

رئيس الوزراء "إسماعيل صدقي" باشا عقد في صيف 1946 أهم لقاءاته مع ممثلين عن الوكالة اليهودية في فلسطين. فقد وصل إلى مصر سراً في هذه الفترة "إلياهو ساسون"، وأجرى "صدقى" باشا معه مجموعة لقاءات في بيت "رينيه موصيري" شارك الحاخام "حاييم ناحوم" أفندي في واحد منها على الأقل، كان "صدقى " باشا يحاول في هذه اللقاءات أن يحصل على تأييد اليهود له في موقفه مع الانجليز، وفي مقابل ذلك، فقد كان على استعداد لإغماض العين عن هجرة يهودية معقولة إلى فلسطين.

وكان الرقم الذي عرض "صدقى" باشا استعداده للتسامح فيه هو خمسين ألف مهاجر إلى فلسطين.

وربما كان الأكثر مدعاة للاهتمام أن "الياهو ساسون" نقل عن "صدقى" باشا أنه أثناء هذا اللقاء أبدى استعداد "الحكومة المصرية" لقبول تقسيم فلسطين.