Menu

واقع المشهد الثقافي والأدبي في المغرب العربي

حكيمة الشاوي

حكيمة الشاوي.jpg

نُشر هذا المقال في العدد 20 من مجلة الهدف الرقمية

إن معالجة موضوع المشهد الثقافي والادبي في المغرب العربي، يقتضي التذكير بمفهوم الثقافة في علاقتها الجدلية بالمجتمع، وأيضًا التعرف على الواقع السياسي والاقتصادي لبلدان المغرب العربي، لأن المشهد الثقافي والأدبي هو نتاج موضوعي له، كما يقتضي الموضوع إطلالة سريعة على واقع المشهد الثقافي في العالم العربي عمومًا، لأنه امتداد له وجزء لا يتجزأ منه، نظرًا للواقع التاريخي والثقافي والديني واللغوي الواحد للأمة العربية، والمصير المشترك لها.. فالثقافة هي ذلك النسيج المجتمعي الكلي المادي والفكري والروحي الذي يميز مجتمعا ما، أو فئة اجتماعية، وهي خلاصة تجارب ذلك المجتمع من العادات والمعارف العلمية والعملية التي فرضتها وتفرضها إمكانيات وحاجات الافراد الروحية والمادية..

والثقافة بهذا المعنى هي شأن مجتمعي، لا يمكن فصلها عن طبيعة وظروف وشروط المجتمع، لأنها نتاج لواقعه والاقتصادي والسياسي، كما أن دورها مهم وخطير، لأنها سلاح ذو حدين، فأما أن تصبح أداة لتبرير الواقع وتكريسه، أو أداة لتغييره، حسب النظام السياسي، ودور ووعي الفاعل الثقافي..  

أولاً: جدلية الهيمنة الاقتصادية والهيمنة الثقافية

 مع بداية القرن الحالي أحكمت الرأسمالية وحليفتها الإمبريالية، هيمنتها على الاقتصاد العالمي من خلال الشركات المتعددة الجنسيات والعابرة للقارات، والمؤسسات المالية الكبرى التي استهدفت نهب خيرات البلدان والشعوب المستضعفة، بعضها بتحالف سافر مع أنظمة تلك البلدان الاستبدادية والرجعية التي ظلت تخدم مصالح الاستعمار القديم/الجديد، وبعضها عن طريق التدخل السافر وفرض الحصار الاقتصادي وتجويع الشعوب، وافتعال الحروب، وتوظيف قوى دينية أو اثنية أو طائفية..

 وبالموازاة مع تلك الهيمنة الاقتصادية والمالية، وعن طريق التقدم الهائل لوسائل الاتصال والإعلام، وتدفق الأفكار والقناعات والمعلومات والانتاجات الثقافية والادبية والفنية، سيطرت الأوليغارشية العالمية بثقافتها الاستهلاكية على أغلب دول العالم، وخاصة الدول والشعوب المستضعفة، والمهيمن عليها اقتصاديًا وسياسيًا، ومنها الدول العربية المستهدفة بالمخطط الامبريالي والصهيوني للهيمنة على ثرواتها الاقتصادية، وعلى خصوصياتها الثقافية، وقيمها الروحية والوجدانية الذاتية.

إن القوى العالمية المسيطرة تنظر إلى العالم على أنه ضيعة صغيرة مملوكة لها، تنهب خيراتها دون رقيب أو حسيب، وتحقق من خلالها أهدافها ومصالحها، وتبسط هيمنتها الشاملة على الاقتصاد والسياسة، ثم على الثقافة والفكر والوجدان، من أجل خلق الإنسان المتحكم فيه على المقاس، فهي تصل إلى ثقافة الشعوب وهوياتها القومية والوطنية، وتهدد خصوصياتها ومصالحها ونهضتها وتحررها، وتحاول طمس الهوية وهدم تلك الثقافة العريقة كما تفعل منذ سنين طويلة في فلسطين، عن طريق خلق كيان اسرائيلي منذ تصريح بلفور المشؤوم، وكما فعلت الإمبريالية الأمريكية أثناء اجتياح العراق، وتدمير مقوماته الثقافية والحضارية.. وغيرهما؛ تلك هي الليبرالية المتوحشة الفكرية والثقافية التي تحاول مصادرة المبادئ والقيم والضمائر والتفكير والحرية التي هي أسس الابداع الأدبي والفني، لتزرع مكانها ’’نموذج’’ من السلوك ونمط العيش ومنظومات من القيم وطرق التفكير تقوم على الأنانية وكره الآخر والهيمنة والتفسخ والاستهلاك.. الخ.. وهي قيم مختلفة تمامًا عن القيم الإنسانية المتعارف عليها التي كافحت وناضلت من أجلها البشرية، وقدمت التضحيات الجسام، وهي قيم العدالة والمساواة والتضامن والتحرر من الاستبداد والظلم والعبودية..

ثانيًا: الواقع السياسي والثقافي والأدبي في المنطقة المغاربية

في البداية لا بد من القاء نظرة خاطفة على طبيعة المنطقة وخصوصياتها الجغرافية والتاريخية والسياسية والثقافية.. فمنطقة المغرب العربي تمتد من ليبيا شرقًا، إلى تونس والجزائر والمغرب، وصولًا إلى موريتانيا غربًا، وهي جزء لا يتجزأ من العالم العربي الكبير الذي تجمعه نفس الحضارة والتاريخ واللغة والدين والمصير المشترك. وقد تعرضت أغلب دول هذه المنطقة لنفس الاستعمار الفرنسي، وفي نفس الفترة، ولا زالت اللغة الفرنسية تحظى بأهمية خاصة رسميًا، رغم إن اللغة العربية هي الأولى دستوريًا، ونالت استقلاليات شكلية بموجب معاهدات لا زالت سارية المفعول، ولا زال الاستعمار القديم / الجديد، بتحالف مع أنظمتها الاستبدادية، يفسح المجال لنهب خيرات وثروات المنطقة، وللتحكم في سياساتها وتشريعاتها وقراراتها، مما يمس بمبدأ سيادتها الوطنية والشعبية، ويجعل شعوب المنطقة تعاني من التبعية وعدم استكمال التحرير وبناء الديمقراطية، وتعميق الفوارق الطبقية، وازدياد نسب الفقر والامية  والبطالة، مع بعض التفاوتات بين بلدان المنطقة. 

وقد شكل الموقع الاستراتيجي لهذه البلدان؛ المطلة على أوربا، والمنتمية للقارة الافريقية؛ محط اهتمام وأطماع الدول الأوربية الكبرى، وخاصة فرنسا والدول الامبريالية المتحالفة معها، والكيان الإسرائيلي الذي يحاول اختراق المنطقة عن طريق التواصل عبر الأنشطة الثقافية والفنية، والتطبيع خلسة مع الكتاب والمفكرين والصحفيين والفنانين.. فالمنطقة تتعرض لتهديدات عديدة ومتنوعة، إضافة الى عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي الداخلي، مما يجعل الأمن الثقافي والفكري والأدبي مهددًا أيضًا لدى شعوب هذه المنطقة.

إن التضييق على الحقوق والحريات في هذه البلدان، وخاصة حرية الرأي والتعبير والصحافة، جعل البعض من المثقفين والكتاب والصحفيين يفضلون الهجرة إلى الخارج، والبعض الآخر اختار ثقافة الريع، والارتماء في أحضان السلطة، ودعم أنظمة الاستبداد والتصفيق لها، والبعض الآخر اختار التحدي في سبيل تمرير أفكاره المعبرة عن معاناة المجتمع، وعن الانحياز للقيم الإنسانية، وللقضايا العادلة للطبقة المستضعفة، على ضوء هذه الأوضاع يمكن تلخيص أهم سمات المشهد الثقافي والأدبي كما يلي:

* استمرار هيمنة الفكر الغربي الاستعماري، بثقافته وآدابه ولغته، وتشجيع الدول له، وفي المقابل يتم محاصرة كل إنتاج فكري وأدبي وفني وطني تحرري ينتقد السلطة، والأوضاع الاجتماعية، ويعبر عن معاناة شعوب المنطقة وطموحاتها.

*ضعف اهتمام الدولة بقطاع الثقافة، من حيث الميزانية المخصصة لها، والنظرة الرسمية الدونية للثقافة، واعتبارها فولكلورا، وترفًا وترفيها فقط، ومواجهة المثقفين والمبدعين، إما بشرائهم، أو بإدماجهم في منظومتها السياسية والثقافية، وإما بإسكات أصواتهم المعارضة والحد من حريتهم الفكرية والتعبيرية.

* غزارة الإنتاج الثقافي والأدبي والفني، خاصة مع تواجد وسائل التواصل الاجتماعي، لكن أغلبه يظل دون مضمون هادف أو قيمة فكرية، ويسقط في الرداءة، والإسفاف.

*غياب الأسئلة الفلسفية الكبرى والهامة لدى المفكرين والكتاب عامة، حيث تحولت المتعة الفكرية والعقلية إلى السطحية في تحليل الظواهر وتفسيرها.

*ضعف القيم والأخلاق المرادفة للفعل الثقافي الجاد، وانتشار النفاق الثقافي، وحب الظهور، وتحويل المنتوج الثقافي والأدبي والفني الى سلعة للاستهلاك، غرضها الحصول على تأشيرة السلطة، وحصد الجوائز والاكراميات..

*تشجيع الدولة للثقافة التي تمارس النرجسية والعنصرية والتعصب الفكري والتطرف الديني، وتخدم الأهداف الرجعية والإمبريالية والصهيونية.

*تحول الفن إلى سلعة للاستهلاك، ومخدر لممارسة سياسة الإلهاء عن القضايا الأساسية لنهضة الشعوب وتحررها.

*تراجع كبير في مجال النقد، أمام الإنتاج الهائل الأدبي، في القصة والرواية والشعر والمسرح والسينما الذي يبقى دون حركة نقدية، تساهم في تطوره لكي يكون نوعيًا وجادًا وهادفًا ومؤثرًا في المجتمع.

*وجود مقاومة من طرف القوى التقليدية المحافظة، لكل جديد تثويري وتنويري في الفكر والوعي والإبداع، وشن حملات التشهير والتكفير على المثقفين التقدميين. ورغم الواقع الاقتصادي والسياسي المأزوم والعنيد أمام الثقافة والمثقفين وتحديات التغيير في المنطقة المغاربية، فهناك كتابات وابداعات فكرية وأدبية وفنية رغم نذرتها، لكنها حطمت الكثير من التابوهات، وشكلت خطوة نوعية أكثر جرأة في طرح قضايا المجتمع، وانتقاد السلطة، وقد شجع على ذلك وسائل التواصل الاجتماعي، والمجتمع المدني بمختلف أطيافه، مثل مراكز البحث والجمعيات الحقوقية والهيئات والاتحادات الثقافية والأدبية، رغم محاولات إضعافها، وافراغها من محتواها الجاد.

 من هنا يعتبر دور المثقف والأديب والفنان مهم وأساسي في تحرير الفكر والوجدان للإنسان العربي، وهو دور مكمل لدور السياسي، بل هما وجهان لعملة واحدة لا يمكن الفصل بينهما، وأحيانا يكون دور المثقف أساسيًا وضروريًا لتحقيق تلك النقلة النوعية على مستوى الوعي والتفكير، فيسبق دور السياسي ويكمله، لأن الوعي الثقافي المجتمعي يصبح ضروريًا في مراحل الركود السياسي وهو بمثابة شعلة النار التي سرقها بروميتيوس من المعبد، وقدمها لأبناء مدينته أثينا، فأصبحت المعرفة والثقافة والوعي أداة لكفاح الشعوب، ولخلاصها من العبودية والظلم والاستبداد، كما أنها بمثابة مشعل للحرائر والأحرار، ينير طريق الأمل في التغيير، لأن غدًا آخر أجمل ممكن، لمجتمعاتنا العربية، ولكل البشرية.