Menu

عواصف الحرب وعواصف السلام الحلقة الثانية

غازي الصوراني

المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل.jpg

خاص بوابة الهدف الاخبارية

(القُرَّاء الأعزاء: تنشر بوابة الهدف الإخبارية وعلى حلقات متتابعة، تلخيص مكثف مفيد لكتاب: "المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل: عواصف الحرب وعواصف السلام"، لمؤلفه الكاتب الكبير الراحل محمد حسنين هيكل، الصادر عن دار المصرية للنشر في طبعته الأولى، فبراير 2000، حيث قام مشكورًا الباحث والمفكر الفلسطيني غازي الصوراني بتلخيصه والتقديم له).

استطاعت إسرائيل عسكرياً أن تفرض حربها، ولكنها عجزت سياسياً عن فرض سلامها، والعرب من جانبهم خسروا الحرب، لكن الحجم الجغرافي والسكاني والموارد الاستراتيجية والاقتصادية المتاحة لهم لا تجعل من أي هزيمة واجهوها في ميدان القتال نهاية للتاريخ، وقد تحفزهم على تعبئة قواهم بطريقة أفضل، والعودة مرة أخرى إلى ميادين الصراع عَلَّهُمْ ينجحون مرة ثانية فيما فشلوا فيه مرة أولى، وبالتالي فإن الأوضاع في المنطقة مليئة بأسباب القلق والتحفز.

الرياح تحولت إلى عواصف عندما وقف "جمال عبد الناصر" ليعلن بعد ظهر يوم 27 سبتمبر 1955 أن مصر عقدت صفقة أسلحة سوفيتية الصنع، إن حجم الصفقة طبقاً لمصادر موثوقة هو:

200    طائرة نفاثة، يجرى تسليم 100 منها قبل ديسمبر 1955، ويكون ضمن هذه المائة طائرة الأولى سبع وثلاثون قاذفة متوسطة، وبقية المائة من طراز ميج 15

6      طائرات تدريب.

100   دبابة ثقيلة

6      قوارب طوربيد

2      غواصة

تكاليف الصفقة حسب ما وردنا من معلومات 30 مليون جنيه استرليني تدفع في مقابل صادرات مصرية.

تؤكد معلوماتنا أن الشحنة الأولى غادرت ميناء أوديسا فعلا، وكانت هناك بعثة عسكرية مصرية تابعت عملية الشحن، هناك ما يشير إلى أن مجموعة خبراء سوفيت سوف يصلون إلى مصر ويقيمون فيها لمدة ثلاثة شهور للقيام بمهام تركيب بعض المعدات، والتدريب".

وتشير أوراق "دالاس" (وزير خارجية أمريكا آنذاك) الخاصة المودعة في جامعة "برنستون" إلى أن تفكيره أيام أزمة الأسلحة كان موزعا بين اتجاهات شتى:

  • في لحظة من اللحظات خطر له توجيه إنذار إلى "جمال عبد الناصر" يشترك معه فيه وزير الخارجية البريطاني، أو يكون الإنذار بخطاب مشترك من "أيزنهاور" و "إيدن" يقولان فيه "إنه لا يمكن قبول الصفقة.
  • وفي لحظة تالية كان تفكيره يتجه إلى أن الصفقة تعني أن الحرب وشيكة في الشرق الأوسط.
  • وفي لحظة أخيرة كان "دالاس" يغالب حدة مشاعره ويحاول إقناع نفسه أن الحل الوحيد لتجنب الحرب بين مصر وإسرائيل إذا: وعدت مصر بأنها صفقة واحدة غير قابلة للتكرار، وإذا حصلت إسرائيل على بعض التعويض من حلف الأطلطني عن طريق فرنسا أو إنجلترا، وإذا أمكن إغراء ناصر بتمويل السد العالي.

لكن "دالاس" كان يعود دائماً إلى العقبة المستعصية في رأيه، وهي إصرار ناصر على وجود صلة بين مصر والعالم العربي عن طريق أن تكون منطقة النقب عربية.

كانت صفقة الأسلحة –نقطة تحول خطيرة بالنسبة "للمقدسات: المحرمات" التي تراكمت طبقات فوق طبقات على الصراع العربي – الإسرائيلي طوال نصف قرن من الزمان تقريباً.

وكان هناك إحساس عارم في كل عاصمة عربية بأن الشهور القادمة – اللازمة حتى تتمكن مصر من تسلم الصفقة واستيعابها – شهور حاسمة تفرض على كل إنسان عربي أن يهرع إلى حماية مصر حتى يستطيع درع الفولاذ الذي اكتسبته أن يؤدي دوره.

وكتب القائم بالأعمال الأمريكي تقريراً إلى "دالاس" بتاريخ 23 ديسمبر 1955 يقول في البند السادس منه:

"إن بن جوريون عقد اجتماعاً مع هيئة أركان حرب الجيش الاسرائيلي، وقال لكبار الضباط الاسرائيليين إن أمامهم "شهرين أو ثلاثة" – وطبقاً لرواية أخرى "ثلاثة شهور أو أربعة" – من الصبر، وبعدها فإن إسرائيل سوف تقرر لنفسها ما يقتضيه أمنها".

وسافر "أندرسون" من القاهرة إلى قبرص، ومنها إلى إسرائيل، وعن طريق السفارة الأمريكية في إسرائيل تلقى من وزير الخارجية "جون فوستر دالاس" رسالة يقول فيها: " إن شرط ناصر بشأن تخلي إسرائيل عن النقب خط الظاهرية غزة تستحيل مناقشته من الأساس".

وقال شاريت "إنه يخشى أن يكون هدف ناصر من الإصرار على اتصال جغرافي مع العالم العربي عن طريق النقب هو في الواقع منع إسرائيل من الإطلال على البحر الأحمر وخنق إيلات" وقد طلب منى أن أستوثق من هذه النقطة في لقائي المقبل مع ناصر وأن أسأله صراحة عنها".

إن قراءة دقيقة لكل محاضر اجتماعات "أندرسون" في القاهرة و القدس تؤدي إلى استنتاج رئيسي هو أن الولايات المتحدة كانت بالفعل تريد "المجيء بناصر إلى موقف يمكن أن تقبله إسرائيل".

يوم 31 يوليو 1956 كان هناك اجتماع في البيت الأبيض لمجلس الأمن القومي رأسه "دوايت أيزنهاور" بنفسه، وتؤدي قراءة محضر الاجتماع، إلى الصورة العامة التالية:

  1. إن الإجراء الذي قامت به مصر (تأميم شركة قناة السويس) لا يمكن قبوله، وتتحتم مقاومته بكل الوسائل المتاحة بما فيها القوة شرط توفير الأجواء السياسية التي تجعل استخدام القوة فاعلا وحاسماً. وإذا ترك هذا الإجراء المصري ينجح فإن ذلك سوف يهدد مصالح البترول والأهمية المتعددة الجوانب للشرق الأوسط، كما أنه خطر داهم على إسرائيل.
  2. إن المؤسسات العسكرية الأمريكية هي الأشد حماسة لأسلوب التصدي، وقد عبر الأميرال "بيرك" عن رأيها حين جاء دوره للكلام، فقال بالحرف: "إن "ناصر" يجب كسره" (Nasser must be broken).
  3. ومن ناحية أخرى فإن "آلن دالاس" مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وزع على الحاضرين تقريراً جاء فيه: "إن قيام الرئيس ناصر بتأميم قناة السويس أضاف قوة عظيمة إلى مركزه، ليس فقط كزعيم لمصر، وإنما كرمز القومية العربية في الشرق الأوسط".
  4. وكان تقدير "أيزنهاور" أنه في هذه الحالة فإن "التعرض لـ"جمال عبد الناصر" بالقوة يمكن أن يؤدي إلى عواقب وخيمة في العالم العربي، وكان رأى "أيزنهاور" أن "استعمال القوة يجئ دوره بعد تهيئة للمسرح تجعل استعمال القوة في النهاية جراحة لاستئصال ورم بعد السيطرة على كل عوامل الالتهاب المحيطة به"، وكان رأى "دالاس" أن "أخطر نقط الالتهاب هي سوريا التي تتعامل مع ما حدث في مصر بحيوية وفوران، ناشرة عدواها في العالم العربي"! 
  5. وكانت كل الإشارات في اجتماع مجلس الأمن القومي ووثائقه الملحقة واضحة في أن المجتمعين يعرفون تماماً ما يتناقشون فيه، فلم يكن شاغلهم هو تأميم شركة، لكنه كان إعادة ترتيب منطقة بأسرها من العالم.

إن "دافيد بن جوريون" كان يعرف في قرارة نفسه، أنه اتخذ قراراً استراتيجياً، في أعقاب فشل الحملة الثلاثية على مصر في السويس سنة 1956، مؤداه أن إسرائيل لم تعد تستطيع أن تعتمد في أمنها النهائي على أسلحة تقليدية ولا على تحالف دولي، وإنما يتعين أن تكون لديها قدرة نووية مستقلة تستطيع التلويح بها ردعاً واستعمالها فعلاً إذا أحست أن المخاطر المحيطة بها توشك أن تهدد وجودها.

وتسجل محاضر لجنة الأمن القومي في إسرائيل في جلسة حضرها الدكتور "أرنست برجمان" رئيس لجنة الطاقة الذرية بتاريخ يناير سنة 1957 قول "بن جوريون":

"إنني لا أعرف إلى أين يمكن أن نصل ببرنامجنا النووي، ولكنى أتطلع إلى اليوم الذي تستطيع فيه إسرائيل أن ترغم أعداءها على توقيع اتفاقية سلام على أساس الأوضاع القائمة على الأرض وقتها، ثم لا يكون في مقدور هؤلاء الاعداء مناقشة شروط إسرائيل لأنهم يعرفون ما يمكن أن ينتظرهم".

جونسون:

عندما اغتيل الرئيس الأمريكي "جون كنيدي" – في 22 نوفمبر 1963 – حل محله نائب الرئيس "ليندون جونسون"، وعندما دخل "ليندون جونسون" إلى البيت الأبيض لم يكن دور صانع السلام في الشرق الأوسط ضمن نياته أو خططه، ولا كان هذا الدور أصلا من طبائعه.

كانت لإسرائيل في معركة يونيو 1967 ثلاثة أهداف محددة:

  1. كسر الدرع الفولاذي الذي احتمت به "المقدسات: المحرمات" العربية في موقف الرفض الذي اتخذته إزاء الدولة اليهودية.
  2. الإمساك بأكبر مساحة من الأراضي العربية واستعمالها رهينة لإرغام العرب على التفاوض من أجل صلح معها، تطبيقاً عملياً لنظرية "بن جوريون" في "فرض السلام".
  3. احتلال القدس كاملة لتكون عاصمة موحدة لإسرائيل.

فكر "جمال عبد الناصر" وتقديراته بعد هزيمة حزيران:

  • تقديره الأول: "أن الأمة العربية – في معركة يونيو 1967 – أصيبت بنكسة خطيرة، ولا بد من الاعتراف بذلك وتحمل المسئوليات التي تنجم عنه، ورسم الخطط التي تكفل مواجهته".
  • وتقديره الثاني: "أن المطالب العربية الكبرى عليها أن تنزوى في الانتظار، فلم تعد هذه المرحلة مهيأة للكلام عن امتداد الاتصال الجغرافي بين أرض الأمة العربية (النقب)، ولا عن حق الشعب الفلسطيني في العودة إلى وطن له كيان وله حدود.
  • وإنما الموقف الآن يقتضي العمل على مرحلتين:
  • مرحلة أولى من أجل إزالة آثار عدوان 5 يونيو بالنسبة لأراضي مصر وسوريا والأردن.
  • وإذا تحقق ذلك فإنه قد يفتح الباب لمرحلة ثانية يصعب التخطيط لها إلا بإتمام مهام المرحلة الأولى، والمهم ألا يفرط العرب أثناء سعيهم لتحقيق مهام المرحلة الأولى في أية حقوق تتصل بالمرحلة الثانية".
  • وتقديره الثالث: "أن العمل العربي في وضع لم يسبق له أن واجهه، فالحرب صعبة في ظل هذا الوضع، والسلم مستحيل، وليس هناك حل من نوع ما حدث سنة 1956 تتولى فيه القوى الكبرى والأمم المتحدة وموازين القوى العالمية مهمة إيجاد حل للازمة".
  • وتقديره الرابع: "أنه لا حل على الإطلاق في ظل موازين القوة الحالية، وأنه لا بد من تغييرها بعمل عسكري يصبح به العمل السياسي ممكناً".
  • وتقديره الخامس: "أنه لكي يصبح العمل العسكري قادراً على التمهيد للعمل السياسي فإن موقف الاتحاد السوفيتي أساسي لأنه القوة الوحيدة التي تستطيع أن تعطي العرب ما يحتاجونه للحرب، وذلك يقتضي اشتراكهم أيضاً في العمل السياسي، فليس معقولاً أن تقبل قوة عظمى أن يقتصر دورها على الحرب، فإذا جاء الدور على عمل سياسي قيل لها إنه لم يعد لها فيه دور".
  • وتقديره السادس: "أن الولايات المتحدة الأمريكية، ومهما بلغ ضيقه بتصرفاتها المعادية مما أدى إلى معركة 1967 ومهد لها – عنصر رئيسي في احتمالات العمل العسكري والعمل السياسي على حد سواء".

ومن مجمل هذه التقديرات (للرئيس عبد الناصر) تفرعت السياسات:

  1. قبول قرار مجلس الأمن 242.
  2. إعادة ترتيب العلاقات مع الاتحاد السوفيتي والتغلب على مخاوفه في مجال إمداد العرب بالسلاح – تحسباً من مواجهة مع الولايات المتحدة- وذلك بإعطائه فرصة تجربة مباشرة في الاتصال بالولايات المتحدة، وبإسرائيل إذا أراد، وحتى يتأكد من أن ما يفكرون فيه ويخططون له لا يصلح أن يكون أساساً للسلام، وبالتالي فإنه لا يعود أمام مصر وبقية العرب إلا العمل العسكري لتحرير أراضيهم، وهو هدف مشروع تختبر فيه المبادئ والصداقات.

وبالتالي فإن الاتحاد السوفيتي مخول بان يتصل ببقية القوى الدولية المؤثرة على مستوى الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن – وحتى بإسرائيل- على أساس أن مصر على استعداد لقبول ما يتوصل اليه بشرطين اثنين لا ثالث لهما:

أولهما : ألا يطلب منها في أي مشروع حل أن تتنازل عن أراض عربية تحت ضغط الاحتلال.

وثانيهما: ألا يطلب منها التفاوض مع إسرائيل مباشرة طالما هي تحتل أرضا عربية مما دخلته بالقوة سنة 1967، وهكذا شارك الاتحاد السوفيتي في محادثات رباعية في نيويورك، ثم في محادثات ثنائية بين واشنطن وموسكو.

  1. فتح قنوات محدودة للاتصال مع الولايات المتحدة الأمريكية بقصد الاستكشاف المباشر، ثم لعل وعسى!

برغم كل الاتصالات والمذكرات والرسائل والرسل، فلم يكن هناك حل أو أمل في حل طالما كان "ليندون جونسون" رئيسا في البيت الأبيض.

كانت إسرائيل – و"جونسون" وراءها – مصممة على حل يبدأ من الأمر الواقع المفروض باحتلال أراض لثلاث دول عربية.

وكانت مصر مصممة من ناحية أخرى على ضرورة تغيير هذا الأمر الواقع، وكان إعلانها عن نياتها هو إبقاء المواجهة حية باستمرار على خط قناة السويس.

وعندما جلس "نيكسون" على مقعده في المكتب البيضاوي وجد أمامه أزمتين: فيتنام والشرق الأوسط.

وفي مجال السياسة الخارجية فقد وجد بجانبه رجلين: "هنري كيسنجر" مستشاره للأمن القومي، و"ويليام روجرز" وزير خارجيته.

وكان قراره أن يفوض كل واحد منهما في علاج أزمة، يعهد إلى "كيسنجر" بأزمة فيتنام ويعهد إلى "روجرز" بأزمة الشرق الأوسط.

وكانت صورة ما يجرى في واشنطن مرئية في القاهرة، ورأى "جمال عبد الناصر" أن مرحلة من العمل انقضت، وثبت فيها لكل الأطراف أن الشعب المصري تقبل حقيقة الهزيمة ولم يعتبرها نهاية التاريخ، كما أنه في نفس الوقت تقبل منطق أن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، ورضى بتحمل التكاليف.

وبالتالي فإن الموقف المصري لم يتساقط كما كانت تتوقع إسرائيل و"جونسون"، ولم تقبل سلاما بأي ثمن كما انتظر كلاهما، وإنما على العكس من ذلك تصاعدت مصر بحرب الاستنزاف وأعدت نفسها للعمل السياسي.

وكان السوفيت بعد طول اتصالات قد توصلوا إلى نتيجة مؤداها أن إسرائيل ليست مستعدة لحل عادل، وإن العرب – وفي مقدمتهم مصر- ليس أمامهم إلا أن يخوضوا بشكل ما معركة للضغط بالسلاح.