Menu

53 عامًا على انطلاق الجبهة الشعبية: كيف كانت تجربة العمل الطلابي؟

أحمد بدير

خاص بوابة الهدف

53 عامًا مرّت على انطلاقة الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين، السنديانة الفلسطينيّة المستمرة في العطاء والنضال والكفاح الوطني والاجتماعي متعدّد الأشكال والأوجه، إلى جانب الجماهير والتجمُّعات داخل الوطن الفلسطيني المُحتل، وفي مواقع اللجوء والمهاجر القسريّة.

وبمُناسبة ذكرى الانطلاقة، أجرت "بوابة الهدف الإخباريّة" سلسلة من الحوارات الخاصة، تحدّثت خلالها مع مجموعة من الشخصيّات البارزة للحديث حول دور الجبهة الشعبيّة في النقابات والاتحادات والمنظّمات الشعبيّة كالعمّال والمرأة والطلاب والكتّاب والصحفيين.

في هذا الحوّار ركّزنا على تجربة الجبهة مع العمل الطلابي، منذ التأسيس وحتى يومنا هذا، وفي هذا الصدد تحدّثنا مع الأسيرة السابقة والمُحاضِرة والباحثة في معهد دراسات المرأة في جامعة بيرزيت د.رلى أبو دحو، إذ أكَّدت في بداية حديثها على أنّه "كان هناك حركة طلابيّة قبل العام 1967، لكنّها كانت حركة طلابيّة محكومة بالخارج باتحاد طلبة فلسطين وشيء له علاقة بوجودهم في الجامعات العربيّة، ولاحقًا أصبح هناك اتحاد طلبة فلسطين التابع لمنظمة التحرير وهو أيضًا كان يرتبط بالفلسطينيين الذين كانوا يتعلمون في الشتات"، لافتةً إلى أنّ التحوّل الحقيقي الذي جرى كان في السبعينات، وبعد العام 67 تحديدًا عندما تم احتلال كامل فلسطين كان هناك صعوبة للعمل العلني وكان النضال الوطني ملاحق، وخلايا هنا وهناك، فبالتالي لم يكن هناك عملاً طلابيًا واضح المعالم، وحتى الجامعات أُسست في السبعينات بحكم أنّ الاحتلال لم يكن يسمح بفتح جامعات، وكانت جامعة بيرزيت أوّل جامعة وتحوّلت في العام 1972 من كليّة إلى جامعة، ولاحقًا تم تأسيس ما تبقى من الجامعات".

البدايات

وأشارت إلى أنّه "في بداية تأسيس هذه الجامعة كان هناك لجان طلابيّة مموّهة وغير واضحة المعالم أي لم تكن باسم كُتل أو أحزاب معيّنة، لجان تُحاول أن تصنع عملاً طلابيًا، والتحوّل الجدّي للحركة الطلابيّة في الأرض المحتلة كان مع منتصف السبعينات وبداية الثمانينات عندما كان هناك تحولاً في كل رؤية النضال الوطني للثورة الفلسطينيّة لدى الفصائل المختلفة وتحديدًا اليسار، وبشكلٍ مُحدّد أكثر الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين باتجاه ضرورة نقل جزء من الثِقَل إلى الأرض المحتلة خاصةً بعد كل التجارب المريرة للثورة في الأردن ولبنان وغيرها من الأماكن، وكان هناك تحولاً في الرؤية ليس فقط باتجاه نقل الثِقل إلى الأرض المحتلة فقط، بل باتجاه أنّ الجماهير هي التي يجب أن تشكّل حاضنة النضال الوطني، ومن هُنا كان التوجّه لتأسيس أطر جماهيريّة وشعبيّة سواء مرأة أو عمّال أو كتّاب أو طلاب، ومن هنا انبثقت جبهة العمل الطلابي التي انطلقت في بداية الثمانينات".

تُتابع د.أبو دحو حديثها: "في البداية انطلقت جبهة العمل الطلابي في بيت لحم ولاحقًا في بيرزيت كتعبيرٍ واضح عن الخط السياسي للجبهة الشعبيّة، وبدأت تتبلور في كافة الجامعات وأصبح لديها نشاطاتها الخاصة، وفي مرحلة معيّنة أصبح لديها صحيفة خاصّة ناطقة باسمها أسمتها (التقدّم) وكانت توزّع على كل الجامعات الفلسطينيّة الموجودة في حينه، ولعبت الحركة الطلابيّة دورًا كبيرًا في النضال الوطني الفلسطيني بشكلٍ عام، وفي رفع درجة الوعي لدى الطلاب عبر الأنشطة المختلفة، وأيضًا شكّلت رأس حربة في مواجهة الاحتلال، وجامعة بيرزيت منذ عام 1978 وهي تتعرّض لإغلاقات مستمرة بسبب الدور النضالي الذي كانت تقوم به الحركة الطلابيّة في الجامعة، وكانت جبهة العمل الطلابي جزءًا مركزيًا مهمًا من هذا النضال، وما ميّزها أيضًا أنّها لم تعط بعدًا وطنيًا فقط بل بعدًا تقدميًا اجتماعيًا في ظل وجود طلاب وطالبات، والأطر اليساريّة ومن ضمنها جبهة العمل كانت سبّاقة في إعلاء دور الطالبات، وأذكر الرفيقة الراحلة مها نصّار التي تم انتخابها منذ السبعينات كعضو في مجلس الطلبة".

وشدّدت على أنّ "تجربة جبهة العمل والعمل الطلابي انعكست بقوّة عند انطلاق الانتفاضة، وعندما أقدم الاحتلال على إغلاق مؤسّسات التعليم العالي بالضفة الغربيّة وقطاع غزّة تحديدًا بسبب الانتفاضة، عاد كل هؤلاء الطلبة إلى منازلهم في الأرياف والقرى والبلدات والمدن المختلفة حاملين معهم تجربة كبيرة في العمل التنظيمي والجماهيري ومؤدلجين ومنظّمين خاضوا تجربة المواجهة مع الاحتلال، وفي حينه أذكر أنّ الجبهة الشعبيّة اتخذت قرارًا دعت فيه كل أعضاء جبهة العمل الطلابي الذين عادوا إلى مناطقهم بأن ينخرطوا في الأطر الحزبيّة واللجان الانتفاضيّة، وهذا شكّل قفزة نوعيّة في المواجهة مع الاحتلال في الأرياف وعلى خطوط التماس، وهذا الكم الهائل من الطلبة ووجودهم في الجامعة وعضويتهم في جبهة العمل صقل قدراتهم ووعيهم وخبرتهم، إذ شكّلوا رافدًا مركزيًا وأساسيًا في أداء حتى اللجان الشعبيّة للجبهة الشعبيّة في الانتفاضة".

أوسلو ومجيء السلطة

في هذا الجانب، وحتى لا نجلد الحركة الطلابيّة، أكَّدت د.رلى أنّ "توقيع اتفاقات أوسلو ومجيء السلطة شكّل انعطافة قاسية في تاريخ النضال الوطني الفلسطيني، بل شكّل هزيمة للثورة الفلسطينيّة المُعاصرة، وهذا التراجع العام عكس نفسه على أطر الأحزاب الفلسطينيّة، وحركة فتح امتصت ضربتها من خلال تجنيد أعضائها كموظفين في السلطة والأجهزة، لكن من تبقّوا عاشوا أزماتهم بفعل الخراب الذي حلّ على شعبنا الفلسطيني المُسمى أوسلو، بالتالي طال التراجع الجميع دون استثناء من اليمين إلى اليسار، وطال كل الأطر النسويّة والطلابيّة والعمّاليّة والمهنيّة والنقابات المختلفة، ولا نريد أن ننسى أن المد الإسلامي في تلك الفترة بدأ يتصاعد، وهذا أيضًا عكس نفسه على النشاط وعلى الحركة النسويّة على سبيل المثال والهجوم عليها".

وأردفت خلال حديثها أنّ "الحركة الطلابيّة تأثّرت بالتأكيد بكل هذا الجو العام وأصبح هناك تراجعًا في أدائها وإرباكًا لطبيعة دورها، قبل ذلك كانت المعادلة واضحة، كانت دوريّات الاحتلال تغلق باب الجامعة وتطلق الرصاص والقنابل وتنصب حواجز بشكلٍ مُستمر، أي أنّ المواجهة كانت مُستمرة، لكن توقيع أوسلو وإعادة التموضع الذي قام به الاحتلال على أطراف المدن وعلى الحواجز الرئيسيّة أربك الحركة الطلابيّة، ودخلنا في هموم جديدة حيث أنّ منظمة التحرير كانت تدعم التعليم في السابق مما أتاح للطلاب الانخراط في الجامعة للتعليم خاصة طلاب الفقراء والأرياف الغير قادرين على التعليم أو السفر لذلك، لكن مع أوسلو ودخولنا فيما يُسمى بالاقتصاد المفتوح الذي تعتبره السلطة اقتصادها تحوّل التعليم إلى سلعة وأصبح مكلفًا، ما أدخل الطلاب في أزمةٍ جديدةٍ من ناحية الأقساط العالية ونوعيّة البرامج والمناهج، وهذا خلق نضالاً جديدًا لم يكن مطروحًا قبل أوسلو، إذ كان النضال الطلابي في أغلبه نضال مواجهة الاحتلال لأنّ إدارة الجامعات كانت مع الحركة الطلابيّة، وتغيّر الحال بعد أوسلو وأصبح هناك همومًا أخرى ألقيت على عاتق الحركة الطلابيّة، وفي ظل كل هذه التحديات ظهرت أيضًا جبهة العمل الطلابيّة بقوّة لأنّها من الأساس تحمل فكرًا طبقيًا ورؤية تقدميّة نحو التعليم الجامعي، ما ساهم في أن ترفع جبهة العمل في جامعة بيرزيت مثلاً والتي تحوّلت لاحقًا إلى القطب الطلابي شعارات تُناسب المرحلة، كالتعليم الشعبي والديمقراطي والثقافة الوطنيّة، وناضلت من أجل تثبيت مساق قديم حول القضية الفلسطينيّة كان موجودًا قبل أوسلو وتم إزاحته بعدها عن المنهاج في جامعة بيرزيت، وناضل القطب من أجل استعادة هذا المساق، وأيضًا خاض القطب مع أطر الحركة الطلابيّة نضالات نقابيّة طبقيّة ضد رفع الأقساط الجامعيّة رافعين شعار التعليم الشعبي ومجانيّة التعليم، بالإضافة إلى الثقافة الوطنيّة ومحاولة التصدي إلى حالة تشويه النضال الوطني والقضية الوطنيّة عبر سلسلة من النشاطات التوعويّة والتثقيفيّة وإحياء المناسبات الوطنيّة، وفي ذات الوقت كانوا حاضرين في المواجهة مع الاحتلال بالرغم من صعوبة واختلاف الظروف، وأؤكّد أيضًا على الفاعليّة التي تتمتّع بها رفيقات القطب الطلابي وهذا تعبير عن رؤية متقدّمة للقطب تجاه المرأة، وهذا ما لا نشاهده كثيرًا في أطر أخرى".

وأوضحت د.رلى "في السابق كان الطلاب يغلقون باب الجامعة ويشتبكون مع الاحتلال، لكنّ اليوم يجب توفير باصات لنقل الطلاب إلى مناطق التماس مع الاحتلال وهذا خلق إرباكًا عاليًا للحركة الطلابيّة في آليات المواجهة، خاصةً أنّ الحركة نفسها لم تعد وِحدَة واحدة لأنّ الناس بعد أوسلو انقسموا إلى قسمين: مع أوسلو، وضد أوسلو، لكن في تجربة جامعة بيرزيت وجدت أطر الحركة الطلابيّة قواسمًا مشتركة مثل الشهداء والأسرى والقضايا الوطنيّة العامة التي يمكن أن يناضلوا من أجلها، لكن كل وضع الحركة الطلابيّة اليوم ليس كما قبل أوسلو".

اعتقالات وأساليب تحقيق فاشيّة

هل الحركة الطلابيّة ما زالت تؤرّق الاحتلال اليوم رغم كل الظروف والتحدّيات؟، شدّدت د.أبو دحو على أنّ "قرار الاحتلال الأخير بشأن وسم القطب الطلابي بمنظمةٍ إرهابيّة هو دليل جديد على أنّ الحركة الطلابيّة ما زالت تؤرّقه، وشهدنا في العام الماضي مجزرة بحق القطب الطلابي في جامعة بيرزيت، وطلاب الكتلة الإسلاميّة أيضًا يتعرّضون باستمرار لعمليات الاعتقال، لكنّ العام الماضي كان ثقيلاً جدًا على الجامعة باعتقال عشرات الطلبة، واليوم هناك أكثر من 80 طالب وطالبة من جامعة بيرزيت رهن الاعتقال، ويتصدّر هذه الاعتقالات القطب الطلابي، بل خاضوا تجارب قاسية وصعبة خلال التحقيق، ومارس الاحتلال بحقّهم أساليب تحقيق فاشيّة، في دليلٍ واضح على فاعليّة الحركة الطلابيّة التي تربط بشكلٍ خلّاق ما بين المسألة النقابيّة الطلابيّة والمسألة الوطنيّة".

وفي ختام حديثها مع "الهدف"، أكَّدت أنّه "إذا أردنا اليوم أن نضع الحركة الطلابيّة في السياق الوطني العام نجد أنّ الحركة الطلابيّة في جامعة بيرزيت رأس حربة بكافة أُطرها المختلفة، وهذا متقدّم عن كثير من المواقع التي من المفترض أن يكون فيها نقابات وأطر وحتى الأحزاب نفسها، واليوم الجميع يُتابع المناظرة الطلابيّة التي تحدث في الجامعة التي تأتي كتعبيرٍ عن التزام ووعي الطلاب السياسي الوطني المرتبط بالنضال والمقاومة، وكل هذا يؤكّد أنّ الحركة الطلابيّة ما زالت فاعلة وتحاول تجاوز فكرة التحوّلات التي أعقبت أوسلو".

تحرير الأرض والانسان

وفي ذات السياق، تحدّثنا مع عضو اللجنة المركزيّة في الجبهة الشعبيّة نجيب المجدلاوي الذي أكَّد أنّ "الأطر النقابيّة بشكلٍ عام الهدف منها تحرير الأرض والانسان، سواء كان طالبًا أو عاملاً أو مزارعاً، وهذه رسالة الجبهة الشعبيّة منذ انطلاقتها وما زالت الجبهة متمسكة بالثوابت وبكل ما صدر منها منذ انطلاقتها، والتي رأت ضرورة في تحرير الانسان المضطّهد والمظلوم، وتبني كافة القضايا المطلبيّة".

ولفت المجدلاوي خلال حديثه مع "الهدف"، إلى أنّ "نظرة الجبهة الشعبيّة للاتحادات الطلابيّة كانت على قاعدة أنّ هؤلاء الطلاب هم عماد وقيادة المستقبل، بالتالي يجب دعم وتثقيف وتحصين هؤلاء الطلاب، والحركة الطلابيّة منذ البدايات نشأت كجزء لا يتجزأ من العمل الوطني الفلسطيني، وبدأنا استنهاض العمل الطلابي بما يخدم مسألتين: حقوق الطلاب ومجانية التعليم، وتصليب الطلبة باتجاه عملية التحرير والانتماء للثورة من أجل تخريج جيل شاب متعلّم ومتخصّص من أطباء ومهندسين ومعلمين ليخدموا المجتمع والوطن".

مضايقات من الاحتلال وسلطتي الانقسام

وأكَّد المجدلاوي أنّ "الجبهة الشعبيّة ما زالت تتبنى قضايا الطلاب وخاصة مسألة الرسوم الجامعيّة قديمًا وحديثًا، لأنّها سعت منذ الأساس نحو مجانيّة التعليم"، مُشددًا على أنّ "جبهة العمل الطلابي تتعرّض لمضايقات من الاحتلال ومن سلطتي الأمر الواقع في الضفة وغزة، ولذلك ندخل أحيانًا في بعض الصراعات من أجل انتزاع حقوق الطلاب على الصعيد الوطني، وبشأن الاحتلال فإنّه يعرف مدى خطورة ثقافة ووعي وتربية أبناء الجبهة الشعبيّة في الجامعات، وهو واثق ومتأكّد أنّ هؤلاء الشباب سيكون لهم دورًا هامًا ورياديًا على الصعيد الوطني، لذلك يُحاول إعاقة هذا المشروع، وحملة الاعتقالات الواسعة والشرسة على رفاقنا في الضفة في بيرزيت وبيت لحم وجامعة النجاح تحت دواعي ومبررات غير منطقيّة تأتي لمحاولة تضييق الخناق على رفاقنا وعلى أرضيّة ألّا يكونوا هم القوّة الفاعلة على الأرض، لكنّ الأمل في وجود القيادة البديلة الموجودة دائمًا رغم كل ما يفعله الاحتلال".

بعض الأطر الطلابيّة جزء من أدوات للسلطة

وبشأن اتفاقات أوسلو، تابع المجدلاوي: "كان موقف العمل النقابي ضد أوسلو، لأنّ موقفه من موقف الجبهة الشعبيّة التي تعتبر اتفاقات أوسلو ليست مشروع تحرّري وما وُقِّع سواء الاتفاقيّة الأمنيّة أو الاقتصادية المُسماة "باريس" كانت مضرّة جدًا على الصعيد الوطني، وأثبتت الأيّام مدى صحة نظرة وموقف الجبهة الشعبيّة سواء على الصعيد السياسي أو الطلابي، واليوم كيف سينتزع النقابي حقوق من يمثّلهم من الجهة الرسميّة أي السلطة وهو موظّفًا فيها!، وأيضًا مارست السلطة القمع بحق رفاقنا في كل الجامعات والضغط عليهم، لكنّنا ما زلنا نؤمن أنّ الاحتلال هو العدو الرئيسي بالدرجة الأولى، وكل اختلافاتنا الداخليّة هي ثانويّة، لكنّ بعض الأطر الطلابيّة هي جزء من أدوات السلطة سواء في غزّة أو الضفة وتعمل على خدمة سياسات السلطة وتروّج لها، وهذا يدخلنا في مناكفات مع أدوات السلطة التي تنتهك حقوق الآخرين".