Menu

تقرير53 عامًا على انطلاق الجبهة الشعبيّة: كيف كانت التجربة النسويّة؟

أحمد بدير

خاص بوابة الهدف

53 عامًا مرّت على انطلاقة الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين، السنديانة الفلسطينيّة المستمرة في العطاء والنضال والكفاح الوطني والاجتماعي متعدّد الأشكال والأوجه، إلى جانب الجماهير والتجمُّعات داخل الوطن الفلسطيني المُحتل، وفي مواقع اللجوء والمهاجر القسريّة.

وبمُناسبة ذكرى الانطلاقة، أجرت "بوابة الهدف الإخباريّة" سلسلة من الحوارات الخاصة، تحدّثت خلالها مع مجموعة من الشخصيّات البارزة للحديث حول دور الجبهة الشعبيّة في النقابات والاتحادات والمنظّمات الشعبيّة كالعمّال والمرأة والطلاب والكتّاب والصحفيين.

في هذا الحوّار ركّزنا على التجربة النسويّة للجبهة، إذ وقفت الشعبيّة تاريخيًا إلى جانب حقوق المرأة الفلسطينيّة والعربيّة وهذا ما تُرجم من خلال تجربتها على مدار أكثر من نصف قرنٍ من الزمان، وما زالت.

وفي هذا الصدد تحدّثنا مع عدّة شخصياتٍ بارزة خاضت التجربة، وكان أوّلها الناشطة النقابيّة الفلسطينيّة د.آمال البطش، إذ أكَّدت في بداية حديثها على أنّ "الجبهة الشعبيّة ومنذ انطلاقها كانت تؤمن بأنّ المرأة شريكة حقيقيّة في النضال، ولا يكتمل النضال إلّا بوجودها إلى جانب الرجل، إذ استبقت الجبهة بهذا الفكر والتقدير للمرأة كافة الفصائل الفلسطينيّة الأخرى".

اقرأ ايضا: 53 عامًا على انطلاق الجبهة الشعبيّة: كيف كانت التجربة الإعلاميّة؟

ولفتت البطش إلى أنّ "المرأة الفلسطينيّة شكّلت نقلة نوعيّة خلال مسيرة النضال الفلسطيني، حتى على صعيد العمل العسكري والسياسي كان هناك قيادات من المرأة الفلسطينيّة، وأعطت الجبهة الشعبيّة فرصة للمرأة لأن تكون قائدة بمعنى الكلمة سواء في الجانب العسكري أو السياسي، وأقرب مثال على ذلك الرفيقة ليلى خالد في العمل العسكري، وفي العمل السياسي هناك أسماء عديدة وكبيرة، وأثبتت المرأة الفلسطينيّة أنّها مُختلفة عن أي امرأة في العالم بصمودها وقدرتها على النضال والوقوف إلى جانب الرجل، وأن تكون رقمًا صعبًا"، مُشيرةً إلى أنّ "المرأة الفلسطينيّة كانت تتواجد في لجان العمل التطوعي أثناء انتفاضة الحجارة، وانتفاضة الأقصى أيضًا، حيث كانت تقوم المرأة بعدّة مهام، منها: توزيع المُساعدات على الأهالي، اختراق منع التجوال الذي كان يفرضه جيش الاحتلال، نقل الرسائل من المعتقلين في سجون الاحتلال إلى الأهالي، ونقل الأسلحة".

الاحتلال والمرأة

اقرأ ايضا: 53 عامًا على انطلاق الجبهة الشعبية: كيف كانت تجربة العمل الطلابي؟

وشدّدت على أنّه "لم يكن بإمكان الرجل العمل بعيدًا عن المرأة أو بدونها، حيث كانت المرأة رقمًا صعبًا بمعنى الكلمة، وكانت المرأة في زمن الانتفاضة تقوم بدورٍ كبير في حماية الشباب والتصدّي لجنود الاحتلال ومهاجمتهم ومنعهم من اعتقال الشباب، لكن بعد أن شعر الاحتلال بخطورة هذا الدور للمرأة في المجتمع الفلسطيني وأنّها تُساعد في المقاومة، أدرك أنّه يجب معاملاتها كما الرجل، وتم اعتقال العديد من النساء والزج بهن في السجون وتعذيبهن وحرمانهن من أبسط حقوقهن، وهذا فخر للمرأة الفلسطينيّة، لأنّ الأم والأخت والابنة يُساعدن المُناضل والمُقاوم الفلسطيني على الدوام، سواء يدعمنه أو يعملن على حمايته، لأنّ الأم الفلسطينيّة ترضع أطفالها المقاومة وحب فلسطين والدفاع عنها".

وتابعت د.آمال حديثها للهدف: "بعد ذلك أصبح هناك مؤسّسات للمرأة، وكانت المرأة تتبوّأ مراكزًا مهمة تدافع من خلالها عن المرأة والرجل معًا، والمشاركة في كل النشاطات التي تقوم بها الجبهة الشعبيّة مثل النشاطات الخاصة بالعمل السياسي والعسكري، والخاصة بتثقيف المرأة، حيث كانت الجبهة رائدة في هذا العمل، ما أوجد صفًا كبيرًا من النساء الفلسطينيات الرائدات في عدّة مجالاتٍ مختلفة، وأنا شخصيًا مثّلت الجبهة الشعبيّة في العمل النقابي داخل نقابة أطباء الأسنان عندما كانت تضم كل مكونات العمل الصحي كالأطباء والصيادلة والأطباء البيطريين، وكان لنا دورًا كبيرًا في مكافحة أي تقاعس من قِبل النقابة، وعندما أصبحت نقابة أطباء الأسنان لوحدها تم انتخابي بعددٍ كبير جدًا من الأصوات داخل النقابة لدورتين على التوالي كنائب نقيب أطباء الأسنان، واستمر هذا الأمر حتى أحداث الانقسام الفلسطيني وعندها توقّف العمل النقابي الحقيقي، وأيضًا في سياق العمل النقابي تقلّدت منصب نائب رئيس اتحاد الموظفين العرب في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" لثلاث دورات انتخابيّة بمدة تسع سنوات كناشطةٍ نقابيّة عبّرتُ خلالها عن وجهة نظر الكثير من الموظفين".     

اقرأ ايضا: 53 عامًا على انطلاق الجبهة الشعبية: كيف كانت التجربة مع "الطبقة العماليّة"؟

وبيّنت البطش أيضًا، أنّ "الجبهة استطاعت تمكين المرأة لتجعلها قادرة على القيام بمهامٍ كثيرة، فمثلاً أوجدت مكانًا للمرأة في كافة مؤسّساتها واتحاداتها المختلفة الزراعيّة والصحيّة والنقابيّة، وكل هذا بالرغم من الهجوم الذي طال فتيات الجبهة في البدايات، وهناك فتيات تضررن بالفعل، لكن بعد ذلك استفادت بعض التنظيمات من تجربة الجبهة مع المرأة، وأصبح للمرأة في هذه التنظيمات دورًا ملحوظًا من خلال العمل التطوعي أو التثقيف السياسي والتربوي".

ورأت البطش أنّ "المؤسسات والتنظيمات اليوم توظّف المرأة توظيفًا صحيحًا في مؤسّساتها ونقاباتها بعد أن كانت المرأة في السابق فقط تُشارك وتنتخب في مؤسسات الجبهة الشعبيّة، وأصبحت المرأة اليوم تُمارس حقها في الانتخاب والترشّح، وهناك نماذج عديدة اليوم على الأرض"، لافتةً إلى أنّ "المرأة الفلسطينيّة شاركت في عدّة ميادين أبرزها الميدان السياسي والعسكري وكانت متقدّمة جدًا في هذه الميادين، لكن في ميدان العمل النقابي المدني لم يكن للمرأة دورًا ملموسًا لأنّ هذا العمل يتطلّب مجهودًا كبيرًا ومسؤوليات عديدة".

وحول العمل النقابي اليوم، وصفته د.آمال بأنّه "مبتور"، وذلك بسبب "التأثير الكبير للانقسام الفلسطيني، وحتى الآن لا إمكانيّة لتنظيم انتخابات نزيهة وحرّة لاختيار الموظفين داخل النقابات بل تتم هذه العمليّة من خلال التعيين، ما يؤدي لنفور الكثيرين عن العمل النقابي، لذلك مطلوب انهاء الانقسام بشكلٍ حقيقي لأنّه يؤثّر على كل شيء"، مُؤكدةً أنّ "المرأة ذاتها لا تُناضل اليوم باتجاه تحصيل حقوقها لأنّ السياسة أصبحت تتحكّم في قرارات النقابات والاتحادات وتؤثّر عليها، وهذا سيء جدًا. من يُريد العمل في الشأن النقابي عليه أن يخرج من عباءته السياسيّة ويتفرّغ لهذا العمل، ولا يجوز بأي حالٍ من الأحوال العمل نقابيًا تحت المظلّة السياسيّة".

وفي ختام حديثها مع "الهدف"، رأت د.البطش أنّ "كل مؤسّسات المرأة غير معفية من الحالة التي وصلت لها المرأة الفلسطينيّة، ومن المُلاحظ أنّ عمل غالبيّة المؤسّسات يقتصر على العمل الإداري بعيدًا عن التوجّه إلى الشارع وأرض الواقع لمُلامسة هموم المرأة والوصول إلى كل نساء المجتمع، لأنّ العمل بشكلٍ موسمي ليس له علاقة بالعمل النسوي".

وكانت الشخصيّة الثانية للحديث حول هذه التجربة، النقابيّة والناشطة النسويّة تهاني الجمل، والتي استذكرت في بداية حديثها مع الهدف "شهيدات الجبهة الشعبيّة كشادية أو غزالة وتغريد البطمة ونهى نصار وهند الشراتحة وسناء محيدلي وكل الشهيدات اللواتي استشهدن وهنّ حاملات الفكرة ويدافعن عن فلسطين"، موجهةً التحيّة إلى "الأسيرات في سجون الاحتلال كالمناضلة خالدة جرّار وختام السعافين وغيرهن من الأسيرات اللواتي تحرّرن في الفترة الماضية".

وقالت الجمل إنّ "العمل بدأ في اتحاد لجان المرأة الفلسطينيّة وهو الإطار النسوي للجبهة الشعبيّة منذ الثمانينات، حيث كانت هذه المرحلة مفصليّة جدًا بالرغم من كل المعاناة التي كانت تواجهنا، وكنّا نسخّر كل جهدنا وإمكانياتنا من أجل تعميم الفكرة ونشر الوعي النضالي ما بين صفوف النساء وجماهير النسوة في المُخيّمات والمدن، وكنّا نعمل على قدمٍ وساق عندما يرتقى شهيد من رفح وحتى معسكر جباليا نتوجّه إلى أهل الشهيد لنقف معهم في هذا المصاب الجلل، إذ كان التواصل الاجتماعي فيما بيننا يكون مشيًا على الأقدام ولم يكن لدينا أي وسيلة اتصال".

ولفتت إلى أنّ "العمل النسوي في السابق كان نضاليًا وطوعيًا بدرجةٍ أولى دون أي مقابل، ولم نكن نبحث عن أي مرتبة حزبيّة، ونساء الجبهة تركن بصمات واضحة في مواقعهن واليوم مشهود لهن في كل الأماكن، وأذكر أنّ عملنا كان سريًا للغاية وقت وجود الاحتلال وكنّا نتوقّع الاعتقال في أي وقت، وخلال انتفاضة الحجارة سطّرت المرأة الفلسطينيّة أروع وأجمل المواقف البطوليّة، إذ كانت كتفًا بكتف إلى جانب الشباب سواء في نقل الحجارة أو في إخفاء الشباب عن عيون جنود الاحتلال".

ورأت الجمل أنّ "اللُحمة الاجتماعيّة في السابق كانت أفضل مما هي عليه الآن، حيث كانت النساء تتبادلن الطعام فيما بينهن ويخرقن حظر التجوال ويتقاسمن لقمة العيش أثناء الأزمات ومداهمات الاحتلال للمنازل، وجميع النسوة يخرجن للدفاع عن الشباب، وهناك عدد كبير من النسوة المصابات جرّاء قمع الاحتلال، وشهدت أيّام الانتفاضة تطورًا ملحوظًا لدى النساء الفلسطينيات برغم وجود العادات والتقاليد التي تمنع المرأة من المشاركة في الفعاليات الوطنيّة، إلّا أنّنا خرجنا ودافعنا عن أبناء شعبنا، وفي ذات الوقت كنّا نستقطب نساء جدد من اللواتي لامسن أنشطتنا وفعالياتنا الكبيرة على الأرض".

مرحلة مجيء السلطة

وقالت الجمل إنّ "مجيء السلطة أثّر بشكلٍ كبير على العمل النسوي كما سائر جوانب العمل النقابي الفلسطيني، إذ انعكس مجيؤها على انتماءات البعض التي بدأت في التراجع بعد مغريات السلطة ووظائفها المختلفة، حيث كانت فرصة الوظائف الحكوميّة والتسجيل في الأجهزة الأمنية كبيرة، وكان هناك قرار من الجبهة الشعبية بمقاطعة أوسلو، بل وخرجنا تظاهرات كبيرة في غزّة أذكر هتفنا خلالها بأنّ ( غزة أريحا فضيحة)، كما غيّرت مسألة التوظيف أفكار بعض النساء باتجاه ميولهن إلى التوظيف في السلطة أكثر من العمل التطوعي والنقابي، ما أدى إلى تراجع النشاط النسوي في حينه، حيث كنّا قبل مجيء السلطة على احتكاك مباشر مع الاحتلال في الشوارع والأزقّة، لكن بعد قدومها أصبحت المواجهات أكثر مشقّة ومناطق المواجهات بعيدة عن مراكز المدن، فقلّت وتيرة الأنشطة بشكلٍ عام".

وتابعت الجمل: "بعد ذلك أصبح هناك مقر لاتحاد لجان المرأة الفلسطينيّة تقريبًا في العام 2001، وأصبحنا نقدّم الأنشطة للفئات الهشّة والضعيفة وللسيدات اللواتي يُعلن الأسر، وهذا بالرغم من كل المُضايقات الناجمة عن الانقسام الفلسطيني من ناحية منح التراخيص لتنفيذ الأنشطة، إلّا أنّ الاتحاد لم يتوقّف عن تقديم خدماته وأنشطته المختلفة".

العمل النسوي المكتبي لا يُجدي نفعًا

وفي ختام حديثها مع "الهدف"، شدّدت الناشطة تهاني الجمل على "ضرورة أنّ يكون العمل النسوي ميدانيًا ويُمارس على الأرض بعيدًا عن العمل المكتب الذي لا يُقارن بالعمل الميداني الذي يخدم كافة الشرائح وليس شريحة النساء فقط، ويجب على الأطر النسويّة والمؤسّسات أن تكون دائمًا على مقربة من النساء المهمّشات اللواتي يقطنّ في المناطق الحدوديّة والفقيرات اللواتي لا يستطعن الوصول إلى مقراتكم للحصول على الخدمات والأمان والثقة"، داعيةً كل المؤسّسات النسويّة "للاتحاد مع بعضها البعض وتنسيق وتوحيد خطابها، حيث أذكر أنّه لم يكن هناك تنسيقًا للخدمة المقدّمة للنساء في مراكز الايواء أثناء العدوان الصهيوني الأخير في العام 2014، حيث قدّم الجميع معونات غذائيّة بعيدًا عن قراءة حقيقيّة لواقع واحتياجات النساء في هذه المراكز، ونعلم جميعًا أن المرأة بحاجة إلى أدوات صحيّة خاصة فيها، وهذا ما لفتنا في الاتحاد وعملنا على معالجة هذا الأمر".