لم تكن الأحداث التي يمر بها المسجد الأقصى أمرا عابرا ذا وقع عادي على شعب، في قلب كل فردٍ منه أمنية بأن تخطي قدمه إلى هناك.
غير أن أولئك الذين التصقت أرواحهم وأبصارهم وخطاهم، ب القدس ، بكل ما فيها، صدق فيهم قول تميم البرغوثي في قصيدته الشهيرة "في القدس": متى تبصر القدس العتيقة مرة.. فسوف تراها العين حيث تديرها.
"عندما تنظر للأقصى من بعيد ترى قطعة مقدسة أنارت أرض فلسطين يتمنى أي شخص ان يجلس على أرضه وتنزل دموعه في حالة الخشوع فرحة بوجوده في هذا المكان.. يتسارع الكثيرون إلى أي من أبوابه أملا بقضاء الصلاة في باحاته، لكنه.. عندما يرى جنود الاحتلال تحيط بكل مكان تشتغل نار الغضب بداخله متمنيا انشقاق الأرض بهم لتبلعهم
بهذه الكلمات بدأ حارس الأقصى الشيخ عبد العزيز العباسي، المولود ببلدة سلوان بالقدس كلماته وحواره مع "بوابة الهدف"، هناك من حيث دار الحبيب التي ردنا عنها قانون الأعادي.
يقول العباسي (55 عاما): في ساعات الفجر الباكرة وقبل تكبيرات الاذان يتجه كل مصلي ليتوضأ محضرا نفسه للتوجه للأقصى، من أجل أداء صلاة الفجر. من هؤلاء من يقيم في المدينة وغيرهم من مدن وبلدات متفرقة تحيط به، يهزك هذا المشهد فهم لا يكترثون بشيء أمام نيتهم في الحضور والتواجد.
ويضيف: تبدأ رحلتنا من الفجر، وعلى أبواب الأقصى نوقف، ويمنع بعضنا من الدخول والبعض الاخر يدخل بعد وضع هويته رهينة لدى شرطة الاحتلال.. حالة من الحزن تصيب الذين منعوا من الدخول للصلاة، تلحظ سيدة هنا أو هناك تصرخ بوجه المحتل، فيأخذ هويتها، ويبدأ التحقيق معها، إنها الإهانة التي ما بعدها إهانة، خنجر في القلب.
القهر والفرح معا
بكانٍ ليس بعيد عن وقفة الغاصبين المدججين بالسلاح، يهيب أبو خالد الذي يسمح له عمره بالتواجد في الأقصى، مشهد الجالسين في حلقات العلم يدرسون العلوم الاسلامية والسنة النبوية، "تقرأ في عيونهم القهر والفرح معا، لغة تملؤك رغبة في الانتقام، وكأن ما جرى منذ جاءوا إلى الأرض يحتلونها يحدث معك للتو".
ويمر المقتحمون للأقصى بجوار الجالسين، هكذا بصوتٍ متحشرج يقول الحارس العباسي، مضيفا: يستفزهم مشهد المصلين المرددين لآيات القرآن، فيردوا بإخراج ألسنتهم، وتحريك أصابعهم، وإلقاء العبارات السيئة.
ويسترسل العباسي: يدخل المستوطنون المسجد الاقصى بحماية رجال الشرطة ويثيرون غضبا وفوضى بالمكان الهادئ الطاهر حيث نسمع ألفاظ سيئة وحركات استفزازية مثل: "هذه القبة الصفراء المقرفة يجب ازالتها ". كما يشيرون بأجسادهم وألسنتهم ما يوحي بأنهم ماضون في هدم الأقصى.. ناهيك عن منعنا من الاقتراب الى الأثاث المحطم بأيديهم، إلا بإذن الشرطة.
نساء مبعدات
ويشير العباسي لوجود قائمة سوداء يسجل بها المحتل أسماء النساء المبعدات عن المسجد الاقصى والتي وصل عددهن الى 55 اسم لحرائر، تضرب الواحد منهن متهان، إذا ما فكرت بالقدوم للمسجد لزيارته.
أبو خالد الذي يتشوق لرؤية أهالي غزة، يتجول بين المصلين ليسأل إن كان احدهم من غزة متيقنا في نفسه أنها البقعة المباركة بصبرها على الظلم، وصدها له .
بل ويتفاخر المصلون، بحسب العباسي، بغزة، فيجدوا فيها ما يغيظون به المحتل إذا ما استفزهم و تضاربت أصوات رجال شرطته مع المرابطين والمرابطات في شجار ما، فيقولون: غزة أذلتكم.
ويحار العباسي في الحديث عما يوجعه ويكسر خاطره، في ظل صمت عربي وعالمي مطبق، لا يحرك ساكنا تجاه ما يجري في الأقصى من اقتحامات واستفزازات، واعتقالات، وقوانين تخطف أرواح الثائرين بحجارتهم كما جرى مؤخرا، فيقول: مررنا على دار الحبيب ..فردنا عن الدار قانون الأعادي وسورها..فقلت لنفسي ربما هي نعمة ..فماذا ترى في القدس حين تزورها.. ترى كل ما لا تستطيع احتماله ..إذا ما بدت من جانب الدرب دورها.. وما كل نفس حين تلقى حبيبها تسر ..ولا كل الغياب يضيرها.. فإن سرها قبل الفراق لفائه ..فليس بمأمون عليها سرورها.. متى تبصر القدس العتيقة مرة.. فسوف تراها العين حيث تديرها.. في القدس من في القدس إلا أنت.. بهذه يختم العباسي حديثه، مع دمعة في الحلق، وآهٍ لم تنجلي بعد.

