Menu

الحلم الأمريكى بين الأسطورة والواقع

د. محمد السعيد إدريس

نُشر هذا المقال في العدد 21 من مجلة الهدف الإلكترونية

        عندما تجاسر "إيمانويل فالرشتاين" أن يتساءل في الفصل الأول من كتابه الصادر عام 2014، والذى حمل عنوان "انحسار القوة الأمريكية – الولايات المتحدة في عالم من الفوضى" عن مستقبل الدور والمكانة الأمريكية عالمياً، ويقول: "هل نفوذ الولايات المتحدة على طريق الانحسار؟"، كان يطرح هذا السؤال ليس من قبيل التأكيد، ولكن كمجرد فرضية تقبل الإجابة بـ "نعم" أو "لا"، وهو ما اجتهد في الإجابة عليه في الفصل الذى حمل عنوان "انحسار نفوذ الولايات المتحدة: النسر يسقط من عليائه".

كان في مقدمة المؤشرات التي استند عليها فالرشتاين لإثبات فرضيته هي قراءة تداعيات حادثة الحادي عشر من سبتمبر 2001 على مكانة الولايات المتحدة كقوة عالمية أحادية عظمى، وهي المكانة التي عملت المستحيل لفرضها على العالم؛ عقب سقوط حلف وارسو وتفكك الاتحاد السوفييتى وانتهاء عصر القطبية الثنائية. فعلى العكس من مقولات وتطلعات تيار "المحافظون الجدد" ورموزهم الذين انطلقوا في عهد جورج بوش الابن لفرض "نظام عالمي إمبراطوري"؛ تقوده الولايات المتحدة، انطلاقاً من فرضية كسب الولايات المتحدة لمعركة السباق العالمي والانتصار النهائي لـ "الرأسمالية" على "الشيوعية"، والذى كان فرانسيس فوكوياما أستاذ العلوم السياسية الأمريكي من أبرز المعبرين عنها في مؤلفه الذى حمل اسم "نهاية التاريخ"، والذى اضطر للتراجع عن أبرز مقولاته حول هذا الانتصار الوهمي للرأسمالية وللولايات المتحدة.

على العكس من كل هؤلاء كشف إيمانويل فالرشتاين أن حادثة الحادي عشر من سبتمبر 2001 كانت بمثابة "كشف الغطاء" عن أكذوبة التفوق الأمريكي وأكذوبة تحقيق "الحلم الأمريكي"، وقال في مقدمة كتابه المذكور ما نصه: "أعتقد أن الحادي عشر من سبتمبر دفع إلى صدارة اهتمامنا بخمس حقائق عن الولايات المتحدة، هي: حدود قوتها العسكرية، وعمق الشعور المعادي لأمريكا في العالم، والتخمة التي أصبنا بها من البذخ الاقتصادي في تسعينيات القرن العشرين، وضغوط القومية الأمريكية المتناقضة، وهشاشة تراثنا في الحريات المدنية". ويختتم كشف هذه الحقيقة بقول "لا شيء من ذلك كله كان متناغماً مع الحلم الأمريكي كما تخيلناه".

كان الحديث إذن عام 2014 عن تناقض حقائق واقع المكانة والقوة الأمريكية مع الحلم الأمريكي وهو ما ساهم في اندفاع الكثير من الخبراء والأكاديميين الأمريكيين للاستطراد في التحذير من واقع تتسارع حقائقه، يؤكد أن النفوذ الأمريكي والمكانة الأمريكية في طريق الانحسار. كانت هذه اجتهادات وقراءات، لكن عام 2020 الذى يشرف على الانتهاء بقدر ما جاء مفعماً بالمآسي الدرامية للأمريكيين؛ جراء عجز نظامهم الحاكم عن الحد من تساقط ضحايا جائحة كورونا، بقدر ما حمل من موجة تفجر حقائق الخطر الذى لا يتهدد الولايات المتحدة ومكانتها ونفوذها من الخارج، بل يتهددها من الداخل ويضعها أمام مشاهد مستقبلية صعبة، لم ترد أبداً على خاطر من هم أكثر عداوة للأمريكيين من الذين دفعوا أثماناً غالية؛ جراء المظالم وطغيان القوة الأمريكية على مدى عقود مضت، كان من أبرزها مشهدين خطيرين أولهما الحرب الأهلية، وثانيهما الانقسام والتفكك والتشظي إلى العديد من الولايات التي تطمح، وربما تسعى للانفصال عن الدولة الأمريكية المتحدة.

تداعيات حدثين مهمين ساهمتا في طرح هذين المشهدين للمستقبل الأمريكي بكل ما يعنيه ذلك من إعادة تشكيل مؤكدة لقيادة النظام العالمي، خصوصاً وأن هناك قوى عالمية أخرى؛ باتت قادرة على مزاحمة الولايات المتحدة على موقع الزعامة العالمية: أبرزها بالطبع؛ الصين وروسيا، وهناك أيضاً الهند، وكل هؤلاء طامحون إلى فرض نظام عالمي متعدد الأقطاب أكثر توازناً، على الأقل فيما يتعلق بالمصالح.

الحدث الأول: كان التداعيات التي تفجرت بأبعادها الاجتماعية والنفسية والثقافية؛ بسبب الجريمة الأليمة التي ارتكبها شرطي أمريكي (أبيض البشرة)؛ بقتله للمواطن الأمريكي جورج فلويد (أسود البشرة) يوم 25 مايو/ أيار 2020، في مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا. فقد أدت المظاهرات الاحتجاجية التي اندلعت لإدانة هذه الجريمة والاشتباكات الدامية من جانب الشرطة الأمريكية معها، إلى كشف المستور في المجتمع الأمريكي، ليس فقط العنصرية المتجذرة ضد كل من لا ينتمى إلى "العرق الأبيض" الموصوف عادة بـ "التفوق"، ولكن كشفت أيضاً انشطار المجتمع الأمريكي رأسياً إلى حاكمين، أو طبقة حاكمة تملك السلطة بكل مؤسساتها، ومنها مؤسستي الشرطة والعدالة، أى المحاكم، وتملك الثروة، وترى نفسها، كما هو حال أقرانها في المجتمعات المتخلفة، "أصحاب المصالح الحقيقية فى البلاد"، وإلى محكومين وهم الأغلبية الشعبية في كل الولايات الذين يجمع بينهم "التمييز"، ليس فقط بسبب لون البشرة، ولكن أيضاً بسبب العشرات من المعايير غير الديمقراطية التي تتعارض مع أصول ومبادئ الحكم الديمقراطي، الذى يعنى، قبل كل شيء، عدم التمييز لأى سبب وإرساء مبدأ "المواطنة المتساوية".

يؤكد هذه الحقيقة أن حاكم البيت الأبيض وإدارته وأجهزة القمع كانت في جانب طيلة أسابيع الأزمة التي اندلعت فيها مظاهرات الاحتجاج، وكان الشعب الأمريكي، بكل طوائفه، على الجانب الآخر. لم تقتصر مظاهرات الاحتجاج على أصحاب البشرة السوداء، بل شملت أطيافاً واسعة من الأمريكيين من كل الأصول العرقية، وفى المقدمة منهم أصحاب البشرة البيضاء.

العنف المفرط الذى قامت به الشرطة وقوات الحرس الوطني التي دفع بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لترهيب المتظاهرين، واستخدام الرصاص المطاطي وقنابل الغاز والضرب المبرح للمتظاهرين وإصابة الآلاف منهم واعتقال أعداد كبيرة، ومشاهد اقتحام عربات الشرطة لتجمعات المتظاهرين ودهس من يقف في طريقها، وتحريض الرئيس الأمريكي لحكام الولايات خلال اجتماعه بهم يوم الاثنين (أول يونيو/ حزيران 2020) عبر تقنية الفيديو كونفراس على ضرورة التوسع في الاستعانة بقوات الحرس الوطني لقمع المتظاهرين، يؤكد أن المجتمع الأمريكي لا يختلف في جوهره عن باقي المجتمعات الأخرى. كما يؤكد أن هناك طبقة حاكمة هي من تملك كل شيء، وهناك شعب بمئات الملايين عليه أن يرضخ وينصاع إلى أوامر من يحكمونه.

الحدث الثاني: كان التداعيات المؤلمة التي فرضتها الانتخابات الرئاسية الأمريكية، ابتداءً من التشويه المتبادل بين المرشح الجمهوري دونالد ترامب والمرشح الديمقراطي جو بايدن لهذه الانتخابات، وهو التشويه الذى امتد إلى الحزبين المتنافسين على السلطة، وفاقم من فجوة الثقة بينهما، وهى الفجوة التي امتدت لتطال النظام السياسي الحاكم نفسه، وامتداداً إلى رفض الرئيس دونالد ترامب لفوز جو بايدن، وتأكيداته بأنه هو الفائز وأنه من سيفرض نفسه في البيت الأبيض رئيساً في العشرين من يناير/ كانون أول 2021، بعد أن ينجح في الإثبات القضائي بأن الانتخابات جرى تزويرها، وانتهاءً بالمأزق الذى يواجه الولايات المتحدة إذا لم يُحسم هذا الصراع مع مجيء يوم العشرين من يناير 2021؛ موعد تسلم الإدارة الفائزة بالانتخابات، في ظل تفاقم الانقسامات والاستقطابات السياسية التي باتت مفعمة بأبعاد اجتماعية وأخرى نفسية وثقافية شديدة المرارة بين الأمريكيين كمواطنين وبين الولايات المكونة للدولة الأمريكية.

هذه الحالة الصعبة من الانقسام السياسي والاجتماعي، بل والثقافي أيضاً؛ حفزت صحيفة "الجارديان" البريطانية إلى التأكيد، بأن الولايات المتحدة؛ أضحت "أمة منقسمة بشكل خطير"، وأرجعت ذلك إلى ما كشفته نتائج الانتخابات، وخاصة أن ظاهرة دونالد ترامب، بل مساوئها، لم ولن تكون "ظاهرة عابرة أو استثنائية" في التاريخ الأمريكي، بل هي واقع أخذ يفرض نفسه على المستقبل الأمريكي ويدفع بالمجتمع الأمريكي إلى "الانشطار" بعد أن ذهب أكثر من 71 مليون ناخب أمريكي ليؤكدوا اختيارهم في صناديق الاقتراع لصالح ترامب، وبعد أن انقسم الحزب الجمهوري وقياداته، خاصة أعضاء الكونجرس وحكام ومشرعي الولايات بين من يؤيدون موقف ترامب وبقوة وبين من يعارضونه.

كثير من الأكاديميين والباحثين الأمريكيين أضحوا يقرأون هذا الانقسام، ليس فقط بين الجمهوريين أو حتى بين الديمقراطيين، ولكن بين الولايات وبين مكونات المجتمع الأمريكي وأعراقه وثقافته التي بدأت تتحول من التعايش والانصهار إلى التباغض والصراع، باعتباره انعكاس لما يمكن تعريفه بـ "تفاقم جغرافيا السخط"؛ فالفجوة الاقتصادية بين الولايات، وبين المكونات العرقية والثقافية هي التي ولدت الاستقطاب العرقي والثقافي.

هل من مستقبل لهذا الانقسام؟

رغم كثرة الإجابات على هذا السؤال؛ إلا أن إجابة روبين رايت فى صحيفة "نيويوركر" منذ أسابيع قليلة؛ تعتبر الأكثر رؤية، لكنها أيضاً الأكثر سوداوية للمستقبل الأمريكي. فتحت عنوان: "هل أمريكا أسطورة؟ أجابت بأن "أمريكا أمة يأكلها الغضب الذي يزداد مع كل يوم يمر"، وزادت على ذلك: "نحن أمريكات ولسنا أمريكا واحدة؛ أمريكات متعددة لكل منها منظومة أخلاقية وقصة نشأة، وأصول مختلفة وأحياناً متناقضة إلى حد الانجرار إلى حرب أهلية".

هل في مقدور الرئيس المنتخب جو بايدن أن يستعيد الحلم الأمريكي المتداعي كما يبشر في خطاباته قبيل وبعد ظهور نتائج الانتخابات؟

كثيرون يقولون أن هذا الحلم لم يكن له وجود في الواقع، بل هو مجرد أسطورة؛ روج لها أصحاب مشروع إمبريالي آن أوان تساقطه.