في ذكرى الانطلاقة، نعود لمدرستنا الثورية لنواصل بناء ثورة تحررية تقدمية، لنكون امتدادًا يصون عطاءها ويتفاعل مع فكرها، بهدف التجديد في مواجهة السقوط الوطني الذي نشهده ونشهد عليه. التحدي أمامنا هو أن نحول السقوط إلى مطرقة نيتشه؛ نحطم بها ثقافة وأصنام الهزيمة، بالعودة لثقافة المقاومة، القائمة على ثوابت الحقوق والحقائق التاريخية والرواية الفلسطينيّة في حركة انفتاح نتشابك فيها مع من سبقونا لننتج تراصاً على تراص، نجدد فيه الخطاب على صعيد التشكيل والبنية والتركيب وطرائق السرد.
أعود إلى إبداع غسان كنفاني ؛ حوار الأدب والسياسة، ودور الأدب في تحفيز السياسي للرقي بالحالة الفلسطينية. لا نختلف على ثورية أدب غسان، إلى أن هناك تقييم شائع عن كونه أدب ذكوري؛ بسبب تقصيره في تناول قضايا المرأة وحركيتها ودورها الطليعي. يعتذر لأدبه أصحاب المنهج الاجتماعي، بأن يعكس ذكورية المجتمع والمؤسسة التي أنتجته، في حين يرى البعض أن رواية أم سعد تمثل نموذج استثنائي، لأنه أفرد باسمها وشخصها وبطولتها رواية التزمت بالاشتراكية الواقعية. أعود إلى أم سعد لاستقراء إبداع غسان؛ لغة كتابة يقطع فيها مع الأدب الذكوري في فضاء غير مسبوق في عصره.
في اللوحة الأولى، تحكي أم سعد عن المختار الذي طلب من سعد ورفاقه أن يكونوا أوادم. يغالطها غسان لوقوفها بوجه المختار، فيرتجف جسد أم سعد وتسدد من عينيها رمحاً يخترقه: «تتكلم أنت على الحبوس؟ طول عمرك محبوس... أنت نفسك حبس». من لوحة للوحة، تتحداه أم سعد وهي تصوب ذراعها السمراء نحو غسان كجسر مدود أو كحاجز: «أتفهم؟»، «أرأيت؟»، «فهمت؟». ومن لوحة للوحة، يرقى غسان لمستوى التحدي؛ يذيب صوته في السرد فيعلو صوت أم سعد، وبهذا تنتصر لحقها في تأريخ الخطاب الصهيوني الذي نفاها من الحضور والخطاب الوطني الذي استبعدها من المشاركة في إنتاجه، وتنتزع حقها في إعادة إنتاجهما من خلال أصوات غير مركزيّة، ودون أن تزعم أنها تستأثر بالحقيقة. تحقق أم سعد تمثيلها لنفسها، فتنتصر باللغة التي تكرست فيها سياسات التغييب والتمييز ضدها، وما كان هذا ليكون لولا تحديها لغسان وتحرر غسان من حبس لسان الأب الذي يمثّل السلطة، وزعامة الخيال الذكوري القائم على أحادية صوت الراوي وتحكمه المطلق والعارف بكل شيء، ونفوذ الخطاب الثقافي الذي يفرض على المرأة أن تظل في موضع التابع ويحكم على صوتها بالتهميش. هنا يستبق غسان كنفاني مقالة غياتري سبيڤاك «هل يمكن للتابع أن يتكلم؟»، وحجتها أن فئة التابع، أو «معذبو الأرض» بتوصيف فانون، غير قادرة عن التعبير عن اضطهادها ورؤيتها؛ لأن قوة التبعية للتقاليد والثقافة الأبويّة والاستعماريّة تحول دون انبثاق صوتها، ولأن صوتها هو أيضاً محكوم بالصمت من المثقفين الذين يحتجزون لأنفسهم حق تمثيلها ويساهمون في تصميتها. تأتي رواية أم سعد لتقول أن صوت التابع وكتابته إبداعياً مطمح ممكن؛ من خلال لغة كتابة تعيش في منفى لغوي خارج حدود وطاعة لغة الأب.
يبدع غسان ما يسميه جل دولوز «لغة أقلية»؛ لغة كتابة تشق عصا الطاعة على بيت اللغة الأكثرية ومركزيتها القائمة على التمايز والتعالي وسيادة الذات في امتلاك المعرفة والسلطة، وتشتغل على تفكيكها بإبداع أساليب وتقنيات ليست معتمدة على قدرة الراوي؛ ذات تتملك القول، على تمثيل التابع؛ ذات يتملّكها القول، وتطويع كلامها للكشف عن حقيقة جوهرية أو معنى أحادي؛ الهدف هو فتح أبواب التأويل على مصراعيها لتلقي الإشارات المنبعثة من صوت وايقاع كلام التابع واستمراريتها وتدفقها وصمتها وانقطاعها وايحاءات وحركات جسدها؛ الإنصات والإصغاء والتواضع في تعلمها، واتقانها إبداعياً بإفساح المجال لإنبجاسها وجدلنتها في عملية زئبقية تصوغ المختزن في الذاكرة كمادة مفجرة لاحتمالات التحول في الوعي والواقع الحاضر ولاستشراف المستقبل. باعتماد آلية إعلاء صوتها، تحقق أم سعد تعبيرها وادراكها وتمثيلها لذاتها في لغة كتابة تشاركية وتحايثية، لا متعالية.
ينحت غسان في اللغة، فينتهك البناء التقليدي للرواية؛ يحل السرد محل الدراما في متتاليات مروية تنسجها أم سعد من تجربتها الممتدة من زمن البلاد والتهجير إلى واقع اللجوء في المخيّمات، وتحيكها من مفردات العذاب الفلسطينيّ، ودون جعلِها أسيرة تلك اللحظات، وبغية الوصول إلى شيء آخر: إلى إنتاج وإعادة إنتاج مفاهيم وعلاقات غيرية بين التجربة والوعي؛ اللغة والجسد؛ الذاكرة وحركة التاريخ. يكتب غسان الرواية؛ عشرة لوحات تتبعثر فيها الأحداث، ويتقاطع الماضي مع الحاضر، وتمزج بين الفصحى والعامية. يأتيه صوت أم سعد كالشعر، الذي بوصف أوكتافيو باث، «يتعذّر اختزاله إلى مجرّد أفكار وإلى نظام (مغلق). إنّه الصوت الآخر. فهو ليس كلمة التاريخ أو التاريخ المضادّ، لكنّه الصوت، الذي في سياق التاريخ يقول شيئاً آخر». تتبدل السرديات، وتتقطع في المكان والزمان، وتتداخل وتتشتت في مونتاج مترع بالجمل الاعتراضية والاستطرادات وحكايات وتجارب وذكريات وفعاليات في حركة حيوية مستمرة، فتستكشف أم سعد ذاتها فيهم ومن خلالهم وتنتج المعاني حد توليد الوعي وتفعيله وتعميقه وتصويبه، وترتقي إلى مستوى أكثر تعقيداً في صناعة الهوية؛ رافضة تكريس هوية أحادية مغلقة وتبعثر تعدديتها، لتعيد تشكيلها كثورة مستدامة تتكون ذاتاً في قلب الحدث، وتنتج صيرورتها في تعدديتها ودورها الفعّال في العيش والنضال الجماعي. بلا حبكة تصاعدية، يطارد غسان عالم أم سعد حتى تجبره أن ينقلب على ويتحرر من الخطاب الذكوري، فتعيد معه تقويضه كشرط من شروط تمكين التحرير والتحرر من الخطاب الصهيوني وأطر هيمنته.
يتحرر غسان أيضاً من حبس النظام الأبوي وكافة أشكال تمركزه على القطيعة مع جسد المرأة/الأم. ينادي أم سعد «يما» ليغدوا غسان كما سعد «ابن أمه»؛ يعرف نفسه كنقطة انطلاق من المرأة التي تربي فدائيين، لا كما تُعرف المرأة كبعض من ضلع الرجل الأعوج. يمد غسان من ساعدها جسراً ليعلن عودته لجسد هذه الأم الفلسطينية والعلاقة الغيرية التي تجسدها، كما يعلن سعد انتماءه للأم الجليلية التي تنقذه ورفاقه ويعلن أبو سعد نسب سعيد إلى أمه. يعيد غسان تقييم الأمومة بعيداً عن معطياتها البيولوجيّة والنفسية والاجتماعية الوظيفية، وبهذا يستبق نقد النسوية الفرنسية المابعد حداثية لمؤسسات التحليل النفسي واللغة والثقافة والنسوية لإقصائهم للأمومة والحط من قيمتها. تحضر جوليا كريستيڤا لتفجر الطبيعة النسوية في وجه الصنم الفكري الغربي الذكوري من خلال الكشف عن التباين بين الذات الذكورية والذات الأنثوية في علاقتهم مع السلطة واللغة والمعنى. تميز كريستيڤا بين المجال السيميائي، كلام ما قبل اللغة؛ المرتبط بالأم والتفكير والتذكر والأحلام والغرائز والأصوات والجسد والاشارات والموسيقي والشعر، والذي يفتقر إلى البنية والمعنى الواحد ويسكن في الشقوق اللغوية؛ وبين النظام الرمزي لعالم اللغة والمعنى والفكرة والفعل والكلمات المرتبط بالقانون والبنية وسلطة الأب وديكتاتورية رموزه. وإذ دخول الطفل إلى اللغة يتطلب التمييز بين الذات والآخر وهوية منفصلة عن جسد الأم، يفرض النظام الأبوي كبت أصوات وكلام الأم واستنكار جسدها واقصائه وتهميشه كتذكرة للدخول إلى عالم المعنى والثقافة والقانون، وبالتالي تحرم الأم/المرأة من تمثيل ذاتها ليتم تمثيلها ضمن قطيع نسوي متشابه وبلا فوارق، وكرمز للغياب والسلبية والداخلي المأزوم واللاوعي والغير عقلاني.
في «نساء بصيغة المفرد»، تحرض كريستيڤا النشاط الإبداعي على البحث عن وسائل كفاحية تحرر هذا المكبوت للسيميائي وللجسد الأمومي وكتابته في الرمزي كدخول «الموسيقى إلى الحروف»، بتوصيف مالارميه، وكأن بعنوانها تحاور وصف غسان لأم سعد، التي هي «ليست امرأة واحدة»، بل تجمع كثيف لتعددية ملتحمة بطبقة البؤس الواطي في الصف العالي من المعركة. تتأرجح أم سعد بين السيميائية والرمزية، فينفلت جسدها الأمومي من معناه البيولوجي الأحادي لتصنع من رحمها مكاناً أعقد من كونه حاضنة، إلى إمكان خارق ممتلئ بالغرائز والهواجس والرغبات والأحلام، وتجسيد لغيرية باهرة، وحبل سري بين مآسي الحياة اليوميّة وبين إرادة الحياة الكريمة. تسترد أم سعد قداسة المرأة/الأم الفلسطينية وعبقريتها من خلال سعيها الثوري لإنتاج وإعادة إنتاج ذوات أكثر عصياناً وتمرداً للنظم المعرفية الذكورية وقادرة على تقويض بناهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وعلى تفجير هياكل السلطة الصهيونية بفحولتها التي تفرض على الشعب الفلسطيني والمرأة التموضع في موقع التابع والمغيب، وعلى تمكين المرأة/الأم الفلسطينية من أن تخلق هويّتها وتكتب تاريخها وتاريخ شعبها وأرضها بجسدها. يهدي غسان الرواية: «إلى أم سعد، الشّعب والمدرسة»، إلى شهرزاد فلسطين التي ترتقي من وحل المخيم لتنتصر على الخرافة والأسطورة والنكبة والنكسة، وتحول خيمة اللجوء إلى خيمة ثورة، وتستثمر فعالية سردها لتسرب العبرة الجبارة أن التحرير يلزمه التحرر وخيمة مقاومة ترفع عمادها امرأة على أوتاد الثوابت في ثورة وعودة بتاء التأنيث. وما أحوجنا إلى هذا الفكر والنهج والأدب والتمرس الجبهاوي الثوري.

