Menu

الصهيونية وحلفائها

طبيعة إسرائيل: النموذج الصهيوني للفاشية (5)

أحمد مصطفى جابر

خاص بوابة الهدف الاخبارية

تضيء علاقة الحركة الصهيونية والكيان الصهيوني مع النظم الفاشية والعنصرية الأخرى الكثير حول حقيقة هذه الحركة، وهذا الكيان وتؤكد ما ذهبنا إليه فيما سبق حول السمة العنصرية الفاشية اللاحقة بهذا الكيان.

وفي هذا القسم من عملنا سنفحص علاقة الحركة الصهيونية والكيان الصهيوني المبكرة مع الفاشية ونظامها النازي في ألمانيا، وكذلك مع نظام التمييز العنصري البائد في جنوب أفريقيا ونماذج من ديكتاتوريات عسكرية فاشية في أمريكا الوسطى واللاتينية والحركة الفاشية الهندوكية في الهند.

ولعل ما يقوله المفكر الراحل إسرائيل شاحاك المؤرخ المناهض للصهيونية، يؤشر بوضوح على ما سنلحظه هنا من أن الطيور على أشكالها تقع، وأن كيانا من طراز الكيان الصهيوني سيجد علاقاته مع أنظمة وقوى توافقه أيدلوجية ورجعية.

يقول شاحاك «عندي تجربة كبيرة مع النازيين فقد رزحت تحت حكمهم، وهذه التجربة تخولني حق الحديث عن أوجه الشبه بين النازية العادية بوجهها الألماني والنازية الإسرائيلية، كيف تبرر إسرائيل لنفسها التعاون مع جنوب أفريقيا، حيث يوجد هناك عدد كبير من قدامى النازيين، وإسرائيل لا تتعاون مع نازيي جنوب أفريقيا فحسب، بل مع نازيي الأرجنتين أيضا، وباراغواي المملوءة بالنازيين أكثر من الأرجنتين، إن حكام إسرائيل والحركة الصهيونية من ورائهم، لا يهتمون بشيء غير مصلحة الدولة الإسرائيلية وبقائها، وهذه المصلحة لا تهتم بما هو خير أو شر للفرد اليهودي، بل بما هو خير أو شر للحركة الصهيونية والدولة الصهيونية»(1). سنجد كيف أن هذه العلاقة القائمة على العناصر الأساسية لأفكار الفاشية تشكل حجر الأساس لتحالف شيطاني لنظم قامعة تختلف مسمياتها وتوصيفاتها، ولكن هذا سيكون كافيا لإثبات فاشية الدولة الصهيونية ورجعيتها الشوفينية.

العلاقات الصهيونية – النازية:

لطالما استغلت الحركة الصهيونية جرائم النظام النازي كاستثمار ناجح، ونفذت بهذه الطريقة وبسبب عداء العالم للنازية أبشع عملية ابتزاز عبر التاريخ مستمرة حتى اليوم إلا أن الوقائع تثبت أن الحركة الصهيونية تستخدم قيم الأخلاق وضحايا النازية فقط لمصلحتها، فحولت «الهولوكوست» إلى صناعة ناجحة ورابحة لجني الأموال والدعم السياسي(2)، يثبت ذلك حقائق أثبتها البحث التاريخي الموثق بلا أدنى شك.

لا شك أن أساس العلاقة كان المصلحة المشتركة التي سوغتها الجذور المشتركة للأيدلوجية الفاشية التي يعتنقها الطرفان، وبالتأكيد كان قادة الحركة الصهيونية شديدي الإعجاب بالتجربة الألمانية، وقد نقل عن ناحوم غولدمان قوله «ثمة هوية أساسية لدى الألمان واليهود هي مواجهة المصير المشترك كمهمة إلهية»(3). وهكذا ارتبطت أهداف الطرفين، رغبة النازية بالتخلص من اليهود، ورغبة الصهيونية بترحيل اليهود إلى فلسطين، فعملت الحركة الصهيونية بمثابرة على تهجير اليهود الألمان وحاربت بشدة اندماجهم وقد حصل هذا النشاط على تأييد هتلر شخصياً الذي عبر عن ذلك بقوله «لقد كانوا هم الصهاينة الذين أعلنوا تنظيف ألمانيا من يهودها»(4).

في كتاب بعنوان un juif libre (يهودي حر) صادر عام 1976 قام ميشال راشلين الشاعر والروائي الفرنسي، بمقارنة مقتطفات من كتاب كفاحي للزعيم النازي أدولف هتلر مع بعض مقاطع التوراة، وخلص الكاتب إلى مطابقتهما، وقام بيير غاريبالدي عام 1988 ليثبت هذه المطابقة، «شئنا أم أبينا، النصوص هنا واضحة تماما، إن قانون موسى هو قانون عرقي، بل إنه –علينا ألا نتردد بالقول- القانون الكلاسيكي الأكبر من هذا النوع، النص الأقدم والأكثر عنفا، الذي يبشر بعرقية أيدلوجية، تبدأ من المقاربات الأولى وحتى أقصى حدودها، صحيح أن البشر لم ينظروا للتوراة ليقتلوا، ولكن ما من نص جعل المذابح فرضا دينيا بسبب عدم نقاء عرق آخر، فاليهودية هي حقا العنصرية ذات الحق الإلهي»(5).

في السياق ذاته ألا يكون غريبا أن يلاحظ حاييم كوهين الذي كان قاضيا في المحكمة العليا الإسرائيلية أن سخرية القدر قد أرادت أن تكون الطروحات العرقية البيولوجية التي يتبناها النازيون، وراء قوانين نورنبرغ، هي نفسها التي يبنى عليها تحديد صفة اليهودية في دولة إسرائيل، ولكن الغرابة ستزول عندما نعلم أن المنظر العرقي جوليوس سترايشر عندما سئل في محكمة نورنبرغ، عما إذا كان قد شارك في وضع القوانين التي وضعت في مؤتمر الحزب النازي عام 1935 أجاب «نعم، بمعنى أنني كنت أكتب منذ سنوات مطالبا بمنع اختلاط العرق اليهودي بالدم النازي، وقلت أن علينا أن نأخذ العرق اليهودي أو الشعب اليهودي نموذجاً، فالقوانين اليهودية هي التي اتخذت نموذجاً لقوانين نورنبرغ، إنه أصل اليهودية التي استطاعت بفضل قوانينها أن تستمر طوال قرون في حين انقرضت جميع الأعراق والحضارات الأخرى»(6).

لقد نظرت النازية إلى اليهود المندمجين كأعداء لها، ونظرت في المقابل إلى اليهود الصهاينة كحلفاء ممكنين، ألم يكن الألمان التقدميون والشيوعيون المؤيدون للاندماج أعداء للحركة الصهيونية والنازية على حد سواء؟ ألم يكن النازيون المستعدون لإجبار اليهود على الرحيل، بل وتصفية المندمجين هم أصدقاء الحركة الصهيونية؟

وقد كتب روبرت ويلتش رئيس تحرير المجلة اليهودية (جودش راندشو) في افتتاحية 4 نيسان 1933 «لقد قدمت النازية فرصة تاريخية لتأكيد الهوية اليهودية واستعادة الاحترام الذي فقده اليهود بالاندماج، إنهم مدينون لهتلر والنازية»(7)، أليس هذا هو الوجه المقابل لما قاله هتلر آنفاً؟

كانت المصالح متبادلة إذن، فبصدد المذبحة التي نفذتها النازية ليس فقط ضد اليهود، نجد الحركة الصهيونية متورطة ببشاعة في هذه الجريمة، ومن الثابت أن صلات عميقة انعقدت بين قادة الحركة الصهيونية والنظام النازي، ففي عام 1933 عقد الزعيم  الصهيوني الاشتراكي أرلوزوف مع الهتلريين اتفاقية بصدد صفقة تحويل الألمان اليهود النازحين إلى فلسطين بشكل بضائع، مما قوض المقاطعة الاقتصادية الدولية لألمانيا الهتلرية وأمن لها جمع مبلغ 5.5 مليون جنيه(8)، وهذا لم يكن مجرد اتفاق هامشي، بل كان في صلب السياسة العامة للحركة الصهيونية، فحينما أعلن يهود أمريكا مقاطعتهم للبضائع الألمانية رفضت الحركة الصهيونية القرار بشدة، واتخذ المؤتمر الصهيوني الثامن عشر في براغ 21 آب 1933 قرارا برفض المقاطعة لأن هذا القرار ليس صهيونيا، وليس له أية علاقة مع الحركة الصهيونية وبعد ذلك في المؤتمر الصهيوني التاسع عشر، الذي عقد في الفترة ما بين 20 آب -3 أيلول 1935 وقف الصهاينة ضد أي إجراء يتخذه اليهود ضد الرايخ الثالث(9)، وقبل نهاية الحرب الثانية عقدت اتفاقية أخرى في بودابست عام 1944 بين زعيم الصهاينة المجريين الدكتور رودولف كاستنر، وكان حينها رئيس جمعية المساعدة الصهيونية المعروفة باسم (عصبة إنقاذ يهود بودابست) مع أيخمان الشهير تنص على السماح لممثلي النخبة الصهيونية وعددهم 1648 شخصا بالنزوح عن المجر إلى فلسطين مقابل العون في إرسال زهاء 500 ألف يهودي (غير صالح) إلى المعتقلات، في أوتشفيتز، عبر إقناعهم بأنها مجرد رحلة تنطوي على تغيير مكان الإقامة. وكان أيخمان في ذلك الوقت رئيس القسم اليهودي في فرق العاصفةstarm staffel  (s.s) التي كان أحد مؤسسيها، وكانت علاقته مع الحركة الصهيونية تعود إلى عام 1937 عندما دعي في مايو من ذلك العام لزيارة فلسطين من قبل منظمة الهاجاناة(10)، والمعروف أن كاستنر أصبح فيما بعد عضوا في ماباي، وقد عتمت حكومة إسرائيل أثناء محاكمة أيخمان عام 1961 على نشر أو إذاعة وقائع التعاون، وقد قامت فضيحة كبرى قبل تلك المحاكمة حين طالب القاضي بمحاكمة كاستنر لأنه تدخل في محاكمات نورنبرغ بشهادة كاذبة لإنقاذ أحد محاوريه النازيين، وأخفى أن تدخله كان باسم الوكالة اليهودية والمجلس اليهودي العالمي، وقد كتب موشي كاربت في 4-7-1955 في هآرتس مطالبا بتجريم كاستنر، لكن يديعوت أحرونوت أوضحت «إذا حوكم كاستنر فإن الحكومة كلها ستتعرض للانهيار نتيجة لما ستكشف عنه المحاكمة»، وانتهى الأمر باغتيال كاستنر على سلم قصر العدل ثم صدر حكم ببراءته(11).

إن ذلك كله مرتبط بأن الوكالة اليهودية لم تكن مهتمة بالوضع الصعب لليهود الألمان وإنما تركز اهتمامها على إمكانياتهم وقدرتهم على المساهمة في المشروع الصهيوني، ويشير توم سيغف في (المليون السابع) أن المنظمة أرسلت عام 1935 إلى برلين قائمة بأسماء من لا يجب السماح لهم بالهجرة، كما كشف أن مسؤولة العمل الاجتماعي في الوكالة هنريتا سترولد طلبت عدة مرات إعادة حالات من المرضى والمحتاجين إلى ألمانيا النازية كي لا يصبحوا عالة على اليشوفيم (شرح1)، وعامي 1933-1935 رفضت المنظمة الصهيونية ثلثي طلبات الهجرة من يهود ألمانيا مفضلة إعطاء الأولوية للشباب العازبين، وبدلًا من إنقاذ اليهود المعرضين للإبادة؛ استقدمت ستة آلف شاب مدرب من الولايات المتحدة وبريطانيا ودول أخرى ليس فيها أي خطر(12).

[شرح1: اليشوف: مصطلح استعمل للدلالة على اليهود ومنظماتهم في فلسطين منذ الهجرة اليهودية الأولى العام 1882 وحتى الإعلان عن إقامة إسرائيل العام 1948، وعرفت هذه الفترة بـ(فترة الييشوف). اختلف يهود (الييشوف) عن يهود الـ (ييشوف القديم)، بكونهم من ينتمون إلى الفكر الصهيوني، ومتأثرين بالفكر الاشتراكي من خلال تطبيقه في الكيبوتسات. ونشأت في الييشوف الأجهزة الإدارية والتنظيمية لليهود في فلسطين، إلى أن اعترفت حكومة الانتداب بـ (كنيست اسرائيل) كهيئة يهودية تمثيلية. وتمكن الييشوف في بلورة شكل ومستقبل الدولة العتيدة التي ستقام في فلسطين، ومن أوساط الييشوف خرجت نسبة عالية من القيادات الاسرائيلية].

لا شك أن ما يعرف باسم رحلة (منغلستين) تعكس ضوءا أكبر على عمق العلاقات، ففي ربيع 1933 قام أربعة أشخاص، نازيان مرسلان من قبل الأجهزة النازية وصهيونيان من آل تتشلر مرسلان من قبل الاتحاد الصهيوني في ألمانيا، برحلة إلى فلسطين، استمرت 6 أشهر، وهدفت لإجراء تحقيق كامل حول إمكانية توطين اليهود الألمان في فلسطين، والبارون ليوبولد منغلستين أحد القائمين بالرحلة لم يكن شخصا هامشيا، بل كان عضوا في حزب العمال الوطني الاشتراكي الألماني nsdap وضابطا كبيرا في الأجهزة السرية، وللسخرية الشكلية إنه كان قد التحق بصفوف المخابرات كصهيوني متحمس ونابغة في الشؤون اليهودية، وقد كتب سلسلة من 12 مقالا موقعة تحت عنوان (نازي يتجول في فلسطين) في الصحيفة البرلينية der angriff التي يشرف عليها د. غوبلز، وخلص إلى استنتاج «أن الوطن القومي لليهود في فلسطين سيكون علامة على وسيلة لشفاء جرح قديم يعود إلى عدة عصور هو المسألة اليهودية»، وبعد ذلك عين في قسم الشؤون اليهودية في وزارة الأمن ليقوم بدعم الجهود الصهيونية المتعلقة بالهجرة، وهكذا صارت أجهزة الاستخبارات الجزء الأكثر صهيونية في الحزب النازي. الجدير بالذكر أن منغلستين هو الذي عين أيخمان في قسم الشؤون اليهودية في وزارة الأمن. وأثر الرحلة الشهيرة أعلنت صحيفة الأجهزة السرية das schwarze korps رسميا دعمها للصهيونية، وجاء هذا التطور للعلاقة في ظل تفاقم الحصار الاقتصادي، مما ولد فكرة مقايضة كسر الحصار بتفعيل وتنظيم الهجرة إلى فلسطين، ما نتج عنه اتفاق (الهافارا) أو (الترانسفير) حين عرض سام كوهين مدير شركة المستوطنات (حانوتا) في فلسطين، على قنصل ألمانيا هنريتش وولف فائدة مزدوجة للطرفين بقيام الشركة بكسر الحصار مقابل تنظيم ألمانيا هجرة اليهود إلى فلسطين، وليس إلى أي مكان آخر، والآلية أن يقوم اليهود بإيداع أموالهم لدى ألمانيا لتشتري بها (حانوتا) بضائع ومعدات زراعية، وقد تم التوقيع الرسمي يوم 7 آب عام 1933 في وزارة الاقتصاد الألمانية من قبل ممثلي الوكالة اليهودية وممثل الصهيونية العالمية أرثور روبين ومسؤول كبير في الرايخ الثالث، وهكذا أنشئت شركتين (بالترو) في برلين و(هافارا كومباني) في تل أبيب وأنشأ خط بحري مباشر بين هامبرغ وحيفا بإشراف حاخامية هامبرغ، وبحلول عام 1939 تم تهجير ستين ألف يهودي أي ما يعادل 10% من الطائفة، حيث 73% كانوا يفضلون أوربا الشرقية لغاية 1938 (13).

ويمكن فهم أهمية الاتفاق للجهتين إذا عرفنا أن على كل مهاجر أن يودع مبلغ ألف ليرة إسترلينية على الأقل في حساب خاص في برلين ما يساوي دخل أسرة برجوازية لمدة ثلاث سنوات ويسمح له بإرسال بضاعة قيمتها 20 ألف فرنك، وقد صادق المؤتمر الصهيوني التاسع عشر في لوزان 1935 على الاتفاقية متخذاً قرارا بنقل ملكية الهافارا إلى الوكالة اليهودية، وتم نقل نظام الهافارا إلى رقابة اللجنة التنفيذية الصهيونية في المؤتمر، وبناء على الاتفاق سمح الجهاز النازي للمنظمة إقامة مراكز تدريب لإيصال الخطاب الصهيوني إلى الأسر والمنازل، وقد قامت عدة دول بتقليد نظام الهافارا مثل بولونيا عام 1937 وتشيكوسلوفاكيا وهنغاريا وإيطاليا عام 1939(14).

وفي 26 أيلول أصدرت دار شواراز كوربس جريدة الأجهزة السرية إن «الاعتراف بالمجموعة اليهودية كجماعة عرقية تقوم على الدم لا على الدين تقود الحكومة الألمانية إلى ضمان الوحدة العرقية لهذه الجماعة، وتجد الحكومة نفسها على اتفاق تام مع الحركة الكبيرة لهذه الجماعة التي تسمى الصهيونية والتي تعترف بتضامن جميع يهود العالم ورفضها لأي مفهوم اندماج، وعلى هذا الأساس تتخذ ألمانيا المبادرة إلى تدابير ستلعب بكل تأكيد دوراً ذا دلالة في حل المسألة اليهودية في العالم». ونجد ردود فعل الصهاينة الألمان أكثر حماساً فقد نشرت جريدتهم (جودش راندشو) في 17 أيلول افتتاحية حماسية «إن ألمانيا تستجيب لمطالب المؤتمر الصهيوني العالمي إذ تعلن أن اليهود المقيمين في ألمانيا حاليا هم أقلية قومية»، وقد أيدت مجلة اليهود الأرثوذكس الموقف ذاته وعبرت عن تأييدها المطلق لمنع الزيجات المختلطة في 19 أيلول 1935، وبعد شهرين كتب هيريتش رئيس الأجهزة السرية بفرعيها sos وغستابو في صحيفة داز شواراز كوربس الخاصة بالأجهزة، يقول «يدعو الصهاينة إلى مفهوم عرقي تماما ويساعدون عبر الهجرة على بناء دولتهم اليهودية الخاصة، إن تمنياتنا الخاصة والرسمية معهم»، كذلك عبر ألفرد روزنبرغ المنظر العرقي عن دعمه الكامل للصهيونية في حوار مع صحيفة l'echo de paris عدد 30 أيار 1935.

هانرل ريدنثال رئيس اتحاد الصهاينة الألمان كتب «كان الغستابو يعمل كل ما في وسعه لتشجيع الهجرة، وخاصة باتجاه فلسطين، وغالبا ما كنا نتلقى مساعدة عندما كنا نحتاجها لدى الحكومات الأخرى بهدف تشجيع الهجرة».

نظام جنوب أفريقيا العنصري والكيان الصهيوني:

وصف الأسقف ديزموند توتو الحائز على جائزة نوبل للسلام زيارته لفلسطين بعبارات معبرة تختصر ربما الكثير من التحليل «إن الأمر يشبه إلى حد كبير ما حصل للسود في جنوب أفريقيا، لقد رأيت إذلال الفلسطينيين عند نقاط العبور وعند الحواجز وعلى الطرقات، يعيشون المعاناة مثلنا عندما كان رجل الشرطة من الشباب البيض يمنعوننا من التجول»(15). وقد نشرت الغارديان البريطانية يوم 7/2/2006 في ملحقها تقريراً بقلم مراسلها في القدس كريس ماك جريل بعنوان (إسرائيل والفصل العنصري)(16) يحمل مقارنة بين ما يحدث في الأراضي المحتلة وممارسات نظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا سابقاً.

المقارنة لم تقتصر على الكلمات وإنما الصور أيضاً، ومن الصور اللافتة صورة لجندي إسرائيلي ينكل بمواطن فلسطيني وأخرى بجانبها مطابقة لها لجندي أبيض ينكل بمواطن أفريقي. وقد كتب معد التقرير أن عناك عدد قليل جدا من الدول في العالم التي تخلق شبكة من القوانين التي تميز بين سكانها حسب مكان إقامة كل منهم، منها إسرائيل وجنوب أفريقيا سابقاً.

ويقارن الكاتب بين القوانين الخاصة التي سنها النظام العنصري لصالح البيض والقوانين التي سنتها إسرائيل لصالح اليهود، وتلك التي سنها نظام جنوب أفريقيا السابق للتعامل مع الزنوج، والتي سنتها إسرائيل للتعامل مع العرب.

في المنحى الأيدلوجي تستند العلاقة بين إسرائيل ونظام التفرقة العنصرية البائد في جنوب أفريقيا إلى جملة من الذرائع، التي استخدمها الطرفان لتبرير إقامة نظام عنصري أبارتهايد(17).

  1. ذريعة الاضطهاد الديني: ففي الوقت الذي بدأ فيه الاستعمار في جنوب أفريقيا عام 1652 بعد هرب بعض الأسر الهولندية من أتباع المذهب البروتستانتي من هولندا، نتيجة للاضطهاد المذهبي على يد المحتل الأسباني الكاثوليكي، ونظر هؤلاء الأفريكانو لأنفسهم فيما بعد كضحايا لشركة الهند الشرقية الهولندية، ثم كضحايا للإمبريالية البريطانية، كذلك فان اليهود استغلوا ذريعة الاضطهاد على يد النازي وضحايا لأوربة اللا سامية، وكلا الجانبين بررا استعماراهما لأراضي الغير بدافع ديني، معتبرين أن هناك أمراً إلهيا اسند إليهما، وهكذا أسس الأفريكانز قوانين زعموا إنها تنسجم مع تعاليم جان كالفن التي بينها في كتابه (المؤسسة المسيحية)، والتي أصبحت العقيدة الرسمية للكنيسة، وأصبحت نظرية السيد الأبيض والعبد الأسود والتفاوت بين الأجناس عقيدة رسمية للكنيسة التي ينتمي إليها 83% من الأفريكانز، ووصف الأصليون بالكفار، وقد لعبت الكنيسة الدور البارز في الاستيطان في جنوب أفريقيا بدعوى أن هؤلاء القوم قد ضلوا عن تعاليم المسيح ويجب هدايتهم، والأخذ بيدهم، والحال ذاته اعتبر اليهود أن الله قد منحهم أرض فلسطين بوعد إلهي نصت عليه التوراة، مستخدمين الأسطورة والدين كأدوات طبيعية لتبرير الاستيلاء على أراضي الفلسطينيين. ويلاحظ في سياق الحديث عن ذريعة الاضطهاد هذه بأن الدعاية الإسرائيلية لم تنفك منذ 1948 عن ترديد شعار بأن العرب والفلسطينيين يريدون إلقاء اليهود في البحر واللافت للانتباه هنا أن هذا الشعار ذاته قد استخدم من قبل الأفريكانز في جنوب أفريقيا.
  2. ذريعة التفوق والنقاء العرقي: «قامت إسرائيل على وحدة الدين والعرق النقي، معتبرة أن اليهود شعب مختار للإله الذي فضلهم على باقي الشعوب ووضعه في قمة الإنسانية إذا صح اعتبار (الأغيار) بشراً، وعلى هذا كتب آحاد هاعام «إن اليهودي هو الرجل المتفوق وهو غاية في حد ذاته والعالم خلق من أجله»(18). وهكذا في الوقت الذي أوجد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا تراتبية صارمة تجعل البيض في أعلى السلم الاجتماعي –الاقتصادي- السياسي ثم الهنود فالملونين ثم يأتي السود في أدنى السلم، مدعمة ذلك بسلسلة من القوانين تحدد العلاقة بين السود والبيض على أساس عبيد وأسياد، كذلك فعل الكيان الصهيوني فعمل شكلا من العلاقة مع الفلسطينيين يشبه إلى حد بعيد سياسات نظام بريتوريا مع ملاحظة وجود بعض الخصوصيات، بل إن التمييز داخل المجموعة اليهودية ما يبين يهود غربيين وشرقيين بيض وسود. ونلاحظ أنه رغم أن الكثير من المواطنين الأصليين في جنوب أفريقيا قد اعتنقوا المسيحية، إلا إنهم كانوا يخضعون لتمييز عنصري داخل التراتبية الكنسية ذاتها إضافة للعنصرية التي تمارس عليهم من قبل المؤسسات الحكومية الرسمية. كما منع السود من اعتلاء نفس مناصب البيض في الكنيسة، ولم يمنحوا نفس الرواتب، والكنيسة الهولندية نظرت للأفريقيين كأعضاء غير كاملين فيها وهذا هو حال النظرة الرسمية الأشكينازية الحاكمة في إسرائيل لليهود الشرقيين والفلاشا الذين عاشوا بدورهم تاريخاً من الاضطهاد العنصري داخل التجمع اليهودي(19)، ناهيك عما يتعرض له العرب باعتبارهم ليسوا يهودا ويقبعون في أسفل سلم التراتبية بالمعايير العنصرية الإسرائيلية.

 

تطابق الوسائل والغايات:

  1. احتلال الأرض واستيطانها وتهجير السكان الأصليين: قامت كلا التجربتين الاستيطانيتين في جنوب أفريقيا وفلسطين على التوسع اللانهائي القائم على طرد السكان الأصليين وإبادتهم، حيث في التجربتين توسعت الجغرافيا تدريجيا خدمة لمصالحهما الاقتصادية والاستراتيجية والعسكرية، وقد خاض كلا النظامين معركة شرسة من أجل تهجير السكان الأصليين والسيطرة على الأراضي والمياه، وهكذا استمرت عملية تجريد السكان الأصليين من أراضيهم، وممتلكاتهم بشكل لا هوادة فيه عبر الحروب الدموية والمجازر التي وثقت بشكل ممتاز من قبل كتاب آخرين. وإذا كان النزاع في الحالتين وليداً للمطامع الاستعمارية ذات السمة الاستيطانية، حيث لعب رواد الصهيونية تماماً دور المستعمرين البيض في جنوب أفريقيا واستعمروا في بلد يعيش فيه شعب آخر، فإنه فيما سعى البيض إلى استعباد الأفارقة وعزلهم، سعى المشروع الصهيوني إلى إنكار وجود شعب أصلي هادفاً إلى فرض هيمنة ديمغرافية عبر طرد الفلسطينيين، عامدا في الوقت نفسه إلى إعاقة استقلال اقتصادهم البنيوي وخصوصا استغلال يدهم العاملة. وفي الحقيقة أن إسرائيل قامت بالأمرين معا، مستفيدة من تجربة جنوب أفريقيا عبر طرد الجزء الأكبر من العرب عام 1948، وعزل وتهميش وتدمير البنى المجتمعية لمن تبقى منهم، ثم استلحاق مناطق 1967 باعتبارها مناطق خاضعة تشكل سوقاً للبضائع الإسرائيلية من جهة، ومصدراً لليد العاملة الرخيصة بما يقرب من درك الاستعباد من جهة أخرى.
  2. المعزل أو البانتوستان: أقام كلا النظامين مناطق لا يحق للسود أو الفلسطينيين الإقامة والسكن فيها، بل يقتصر وجودهم فيها على العمل كأجراء، وكما أقام نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا ما بين 1846 و 1864 ثمانية معازل لا يحق للسود الإقامة خارجها، لتضم نحو 40% منهم. ونجد من الناحية القانونية أن اتفاقيات أوسلو قد قربت وضع الفلسطينيين من البانتوستان بعدة نواحي فهي لم تجعل الشعب الأصلي المصدر الوحيد للسلطات، ولم تتضمن على أن القانون الدولي يتقدم على القانون الإسرائيلي ولم تضع حدا للاحتلال ولم تأتِ على ذكر لاتفاقية جنيف الرابعة وملحقاتها ولا القرار 181 الذي يحدد إقامة دولتين منفصلتين مستقلتين على أراضي فلسطين التاريخية، ونصت على تعاون أمني هو نفسه كان مطلوبا من البانتوستان في جنوب أفريقيا ورسخت معاملة دونية للفلسطينيين، من حيث إضفاء الطابع المؤسساتي على تصاريح التجول وعلى إغلاق الحدود من جانب واحد. وفي مناطق الـ 48 حددت الأماكن العربية والقرى كأماكن سكن للفلسطينيين، ولا يمكن النظر للمخيمات التي أقيمت للاجئين بعيداً عن كونها معازل تنحت تسمية مختلفة، يضاف إلى ذلك ما ينتج عن إقامة جدار الفصل العنصري هذا الجدار سبقه التهام مساحات شاسعة من الأراضي (58%) من مساحة الضفة الغربية تضاف إلى ما أحتل عام 1948، حيث يحصر الفلسطينيون في 20% من مساحة فلسطين التاريخية تماماً كما حدث في جنوب أفريقيا عندما تم حصر السود على مساحة 13% من أراضي جنوب أفريقيا، وفي مواجهة الانتفاضة قررت إسرائيل في نيسان 2002 تقسيم الضفة الغربية وغزة إلى ثماني مناطق رئيسية لا يحق للفلسطينيين أن يتنقلوا بينها دون تصاريح من الجيش(20). أما خريطة الطريق عام 2005 فلم تغير شيئاً والتجديد الأهم فيها يقوم على إقناع المجتمع الدولي بتحويل الأراضي الفلسطينية إلى بانتوستونات، حيث احتوت على إقامة (دولة) فلسطين ضمن حدود مؤقتة وبدون تفكيك المستوطنات وبدون شرقي القدس فيما يترك لإسرائيل رسم حدود 1967 كما يحلو لها(21).
  3. عنصرية القوانين في إسرائيل وجنوب إفريقيا: أوجد كلا النظامين عددا كبيرا من القوانين العنصرية التي تحكم العلاقة مع الآخر سواء كان الفلسطينيون أو السود كقوانين السكن التي تدعم عملية الفصل العنصري حسب اللون أو الدين وقوانين تسجيل السكان والمحددة تماماً بلون البشرة والدين وقوانين الحركة والتنقل وقوانين العمل والتعليم وغيرها كثير والتي نشير إليها دون تفصيل كبير: فما بين العامين 1951 و 1970 أصدرت حكومة بريتوريا العنصرية أربعة قوانين مهمة بموجبها أصبحت التجمعات المحاصرة للسود تعرف بالبانتوستان، حيث منحت الحقوق ومسؤوليات الحكم الذاتي للسكان الأصليين الذين حصلوا على حق تحديد سياساتهم الاقتصادية وإدارة شؤونهم المدنية كحاجياتهم اليومية وفي المقابل وبالتوازي مع رشوة زعماء فاسدين كان عليهم التعاون مع المستوطنين في إدارة جميع المسائل الأمنية، من دون أن يحق لهم المطالبة بسياسة خارجية مستقلة(22). إسرائيل اتبعت بدورها ذات السياسة، حصار المدن ومنع العرب من السكن في المناطق التي اعتبرت حكرا على اليهود، والمدن المختلطة التي كانت أمرا حتميا بسبب عدم مغادرة سكانها الفلسطينيين أصلا فهي تقوم على نظام الأحياء المعزولة، مع ما يحدده جدار الفصل كما ذكرنا سابقا، وعلى غرار سياسة الحزب الوطني في جنوب أفريقيا، فإنه مع فوز اليمين في الانتخابات العامة في إسرائيل عام 1977 نفذت حكومة مناحيم بيغن سياسة معقدة قامت على ضم الأراضي والفرز الديمغرافي. في موازاة ذلك قامت الحكومة العسكرية في الضفة الغربية وغزة بتسريع مصادرة الأراضي الفلسطينية والفصل بينها لإتاحة إنزال المستوطنين الصهاينة.

أ - قوانين الهجرة والجنسية: تقوم هذه القوانين من حيث الجوهر على الطرد والحصر والعزل، وبينما فشل الاستعمار الأوربي بطرد سكان أفريقيا لأسباب تتعلق بكثرة عددهم والحاجة إلى يد عاملة رخيصة، إلا إنه وعن طريق نظام البانتوستان نجح نظام بريتوريا عام 1948 بنزع جنسية أكثر من 8 ملايين أصلاني، وسنجد عند دراستنا للقوانين العنصرية الإسرائيلية كيف أن هذه القوانين لعبت ذات الدور العنصري الاقصائي ضد العرب الفلسطينيين (قانون العودة رقم 5180/1950، وقانون الجنسية رقم 5712/1025).

ب- قوانين تسجيل السكان: كما حمل سكان جنوب أفريقيا بطاقات تعريف عليها لون حاملها حسب تصنيفه العرقي، كذلك ما زال سكان إسرائيل يحملون بطاقات هوية يكتب عليها دين الشخص (يهودي- مسلم – درزي – مسيحي .الخ) يضاف إلى ذلك قوانين منع الزيجات المختلطة، حيث وإذا كان هذا القانون موجوداً بوضوح في نظام بريتوريا، فإنه موجود في التقاليد والقوانين الدينية وفي الممارسة العملية في إسرائيل، فعندما بحثت الكنيست عام 1970(23) التعريف الاكليريكي العرقي لمن هو اليهودي قالت غولدا مائير أن «الزيجات المختلطة والمثلية هي أرهب خطر تعرض له اليهود على امتداد القرون».

ج- قوانين الأمن والطوارئ والحكم العسكري والمناطق المغلقة: وهي ذاتها تقريبا في الممارسة لدى النظامين مع فوارق لا تستحق الذكر.

في نهاية الحديث عن العلاقة الوطيدة بين الكيان الصهيوني والنظام العنصري البائد في جنوب أفريقيا من المفيد إضاءة العلاقة بين رمزين من رموز هذين النظامين هما جان كريستيان سموتس وحاييم وايزمن. كان سموتس وهو عسكري وسياسي بويري، قد لعب دوراً هاماً في الحربين العالميتين وحاز أعلى الرتب العسكرية وحصل على رتبة مارشال، وقد أصبح وزيرا للداخلية ثم الدفاع عام 1970 في جنوب أفريقيا. أما الثاني فهو الزعيم الصهيوني المشهور الروسي الأصل وهو بروفيسور في الكيمياء، وقد حمل الجنسية البريطانية عام 1903 وهو يعتبر خليفة هرتزل، وتولى رئاسة المنظمة الصهيونية ما بين 1917- 1935، وفي السنة الأولى لمنصبه تزعم المفاوضات التي تمخضت عن وعد بلفور، وهو أول رئيس للدولة الصهيونية حتى وفاته عام 1952. وكلاهما شخصية سياسية محنكة؛ خاضت تجربة عملية لتحقيق أهدافها، إضافة إلى العقيدة الواحدة العنصرية المعادية للآخر التي جمعتهما.

وقد اعترف عدد من المؤرخين السياسيين أن سموتس كان أحد مخططي وعد بلفور، إلا أنه كان يمارس نفوذه في الكواليس، وقد كان تأييده ودعمه للقضية الصهيونية من أعظم العوامل الأساسية لإبقاء وعد بلفور على قيد الحياة، وقد كان سموتس يشاطر وايزمن مشاعره تجاه المشروع الصهيوني لثلاثة أسباب في شخصية الأخير: أولاً. اقتناع وايزمن باستقامة القضية الصهيونية، وثانيا. كانت القضية الصهيونية مبررة في نظر وايزمن بنفس رؤية سيموتس للحضارة الأوربية التي بررت توسعها في الأمريكتين وأفريقيا وآسيا، ثالثا. مجاهرة وايزمن الصريحة بأن الصهيونية متصلة طبيعيا وعضويا بالمصالح الإمبريالية البريطانية، مما وفر المعيار الحاسم لسموتس الذي رأى في الإمبراطورية البريطانية دعامة النظام العالمي والتطور المتحضر، وسموتس لم يتخلَ أبداً في منصبه أو خارجه عن تأييده للقضية الصهيونية، ولم يتوقف عن استخدام نفوذه في لندن لصالحها. ربما يكون ذلك نابعا من الخلفية الثقافية اليهودية لسموتس كما ينعكس واضحا في كلمته في اجتماع المجلس اليهودي الجنوب أفريقي للمندوبين والاتحاد الصهيوني عام 1919 عندما قال:«لا حاجة بي إلى تذكيركم بأن الأشخاص البيض في جنوب أفريقيا وبخلاف السكان الهولنديين بين القدامى قد ترعرعوا تماماً تقريباً على العرف اليهودي، العهد القديم كان منشأ الثقافة الهولندية بالذات هنا في جنوب أفريقيا، ذلك هو أساس ثقافتنا البيضاء وهو أساس ثقافتكم اليهودية».

وقد كرس سموتس نفسه خلال ثلاثين عاماً للصهيونية بشكل لم يفعله غير يهودي سواه، وقد كانت آخر معاركه من أجل الصهيونية عندما حاولت الولايات المتحدة تعطيل قرار التقسيم فوضعت جنوب أفريقيا ثقلها بناء على طلب صديقه وايزمن، ومما يثير الاستغراب وسخرية القدر أن تكريس سموتس نفسه للصهيونية لم يتوج باعتراف بريتوريا فيما بعد بإسرائيل، بسبب اعتبار سموتس الخاص للحساسيات البريطانية، وسقطت حكومة سموتس واعترفت حكومة خليفته مالمان فورا بدولة إسرائيل بعد يومين من رحيل سموتس، وهذه الأحداث التي أدت لهزيمة سموتس سياسيا نجد تفسيرها في إطار ثالوث أفريقيا الإنكليزي – البويري- اليهودي.

ومع أن اليهود الجنوب أفريقيين كانوا يؤيدون تقليديا العلاقات القومية مع بريطانيا كمتراس ضد فلسفة الحزب القومي، فإن المواجهة بين جماعات الإرهاب اليهودي والإنكليز في فلسطين عام 1946 قد نسفت الشعور المؤيد للبريطانيين في اللحظة الحاسمة، بينما كان الحزب القومي يعد العدة لهجومه على الارتباطات الجنوب أفريقية مع التاج البريطاني وبتناقض داخلي لم يكن الاهتمام اليهودي الجنوب أفريقي بفلسطين مجرد نتيجة للمصالح الصهيونية الاعتيادية، بل أيضا كان يعكس اهتمام الجالية بأن القوة المتزايدة للحزب القومي، قد تتطلب هجرة جماعية يهودية، بسبب العداء للسامية في هذا الحزب، ولكن هذا العداء في تراث الحزب القومي لم يمنعه من تعديل سلوكه تجاه اليهود وبشكل درامي لإدراكه ضرورة تضامن البيض أفريكاناً ويهوداً، وكذلك خشية الاهتزاز الاقتصادي الذي سيحدث نتيجة للهجرة اليهودية من جنوب أفريقيا وسحب رؤوس الأموال اليهودية.

لهذه الأسباب قدم مالمان في صراعه مع سموتس دعما متحمساً للحركة الصهيونية ودولتها الناشئة وكان هناك شعور بالصلة مع الإسرائيليين لكونهم قد تخلصوا من النير البريطاني، وبعد سموتس وصلت العلاقات مع إسرائيل في عهد زعامة الحزب القومي إلى نتيجتها المنطقية من التعاون، حيث انضم كثرة من يهود جنوب أفريقيا بما فيهم آبا ايبان وأرثور لوري والرائد مايكل كومي بين آخرين إلى الصفوة العليا المقررة في مصير إسرائيل.

إسرائيل وديكتاتوريات أمريكا الوسطى:

لعله ما زال في ذهن القارئ ما طرحه إسرائيل شاحاك في مقدمة هذه الحلقة من الدراسة حول كيف تسمح إسرائيل لنفسها بإقامة علاقات مع أنظمة نازية أو تحمي النازيين كجنوب أفريقيا والأرجنتين والباراغواي وغيرها؟ النقاش الذي نخوضه لعله يعطي جوابا واضحا يعيد الأمور إلى الطبيعة المتطابقة لهذه النظم الفاشية.

نعلم أنه كان لإسرائيل طوال العقود الماضية علاقات وثيقة مع الأنظمة العنصرية والديكتاتوريات العسكرية في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية والوسطى، وهنا سنلقي نظرة على هذه العلاقات مع أنظمة أمريكا الوسطى الديكتاتورية، غواتيمالا ونيكاراغوا وهندوراس وكوستاريكا وهي أنظمة مارست وبعضها لا يزال أبشع أساليب القهر والاضطهاد بحق شعوبها، وخاصة السكان الأصليين المعرفين بالهنود الحمر(24). وقد كان لإسرائيل منذ نشأتها دعم وتعاطف واسعين من جانب هذه الدول لسببين أولهما النفوذ الأمريكي الواسع في تلك الدول الذي دفع للاعتراف بإسرائيل منذ قيامها والسبب الثاني مرتبط بنفوذ التجمعات اليهودية الكبيرة الحجم والنفوذ في أمريكا الوسطى وارتباطها بأوثق الروابط مع الحركة الصهيونية ودعمها لنشاطها منذ الثلاثينيات من القرن الماضي(25).

غواتيمالا:

بالإمكان إعادة الروابط القوية بين إسرائيل وغواتيمالا إلى عدة عوامل، يأتي في القلب منها الطبيعة العنصرية لكلا النظامين، فكما قامت إسرائيل على أساس طرد الفلسطينيين من وطنهم، كذلك النظام العنصري الغواتيمالي قام بقمع واضطهاد السكان الأصليين (هنود المايا) الذين يشكلون غالبية سكان غواتيمالا، وخاصة في مناطق التمردات(26).

وتعود العلاقات التاريخية بين النظامين إلى ما قبل قيام إسرائيل ففي العام 1947- 1948 لعب (جورج غارسيا غرانادوس) – والذي كان مندوباً لبلده في اللجنة الخاصة بفلسطين في الأمم المتحدة قبل أن يصبح رئيساً لغواتيمالا- دوراً مؤيداً للحركة الصهيونية ودوراً مؤثراً في اللجنة حملها على الاعتراف بقرار التقسيم، كما حث الاعتراف الفوري بإسرائيل كان صديقا مقربا لقادة صهاينة من أمثال بيغن وشامير(27). وتطورت هذه العلاقة بشكل كبير ففي كانون الأول ديسمبر 1977 قام الرئيس الإسرائيلي أفرايم كاتزير بزيارة إلى غواتيمالا وقع خلالها اتفاقا للمساعدة العسكرية(28)، ولم تقتصر العلاقات الإسرائيلية –الغواتيمالية على تصدير السلاح من الأولى إلى الثانية، بل اتسعت لتشمل عدة مجالات، وخاصة القمع العنصري الذي مارسته السلطات الغواتيمالية ضد السكان الأصليين مستعينة بالخبرات الإسرائيلية في قمع الفلسطينيين وعزلهم(29)، حيث كان اهتمام السلطات الغواتيمالية يتوجه أساساُ ما بين عامي 1954-1984 إلى تدمير المجتمع الهندي التقليدي ومحو ثقافته الأمر الذي تملك إسرائيل سجلا حافلا من الخبرات فيه، مما جعل الخبراء والمستشارين الصهاينة يتدفقون على غواتيمالا، ولمعرفة مدى نفوذهم نذكر أنه حينما استولى (ريوس مونت) على السلطة في انقلاب عسكري في آذار 1982 اعترف الإسرائيليون باشتراكهم في التخطيط له وتنفيذه وأعدوا له برنامجا جديدا (لتهدئة الريف) سمي (الحبوب والرصاص) قام على تقديم الطعام والسكن للفلاحين المتعاونين مع الحكومة والقمع والاضطهاد للمناوئين لها(30).

وعلى صعيد آخر وبمساعدة إسرائيلية نفذ ريوس مونت خطة أخرى على أساس تجنيد جزء من الفلاحين في حرس الدفاع المدني المشكل بإشراف الجيش لمواجهة جماهير الفلاحين، حيث يحصل المجندون على الطعام والسلاح مقابل اضطهاد الفلاحين وقمع أصحاب الميول الثورية وضم هذا الحرس حوالي المليون(31)، وقد ذكرت الواشنطن بوست أن المستشارين الإسرائيليين يساعدون أجهزة الأمن الغواتيمالية على اضطهاد المجموعات السرية للثوار وعام 1982 بلغ عدد هؤلاء المستشارين الثلاثمائة(32).

وتعليقا على عمق التعاون صرح أحد القادة الرسميين الجدد في غواتيمالا أن «الإسرائيليين لا يدعون هذا المسمى حقوق الإنسان يقف عثرة في طريق التعاون المشترك، فأنت تدفع وهم يسددون التزاماتهم بلا مشكلات(33).

نيكاراغوا:

النموذج الثاني لعلاقات إسرائيل المشبوهة مع نظم رجعية هو نيكاراغوا، وترجع العلاقات بين النظامين إلى ما قبل إعلان قيام الكيان الصهيوني، حيث قام الديكتاتور انستاسيو سوموزا بتوفير الغطاء الدبلوماسي اللازم لشراء الأسلحة من أوربا لصالح قوات الهاغاناة، وردا للجميل قامت إسرائيل بتزويد نظام الديكتاتور بالمعدات العسكرية اعتباراً من منتصف الخمسينيات(34)، وخلال السبعينيات كانت 98% من واردات نيكاراغوا من السلاح تأتي من إسرائيل.

وكانت إسرائيل حريصة كل الحرص على حماية نظام سوموزا ودعمه في وجه الثورة الساندينية، ففي عام 1979 كتب دايان وكان وزيرا سابقا للدفاع في إسرائيل إلى عيزرا وايزمن خليفته في المنصب حينها يحذر من «كارثة ستصيب العلاقات الخارجية لإسرائيل إذا لم يستطع السلاح الإسرائيلي إنقاذ الديكتاتور سوموزا من الكارثة التي تواجهه». هذا التحذير جاء بعد الاتفاق الإسرائيلي- الأمريكي على أن تزود المكسيك إسرائيل بالنفط (الذي كانت في أمس الحاجة إليه بعد توقف الإمدادات من إيران اثر خلع الشاه)، مقابل أن توقف إسرائيل تزويد سوموزا بالأسلحة(35).

 

أمريكا اللاتينية سوق سلاح إسرائيلي:

استفادت إسرائيل أيما استفادة من أوضاع أمريكا اللاتينية التي لم تشهد الاستقرار إلا مؤخراً، واستمرت الحروب المتعددة بين تلك البلدان وهي حروب قامت على حساب أوجاع ومصالح مواطني أمريكا اللاتينية ومن قبل أنظمة ديكتاتورية عسكرية رجعية.

الاستفادة الكبرى هي أن إسرائيل نظرت إلى تلك المنطقة كسوق رائجة للسلاح الإسرائيلي والمعاد تصديره، ولعل من الأمثلة الكبيرة الدلالة على هذا الوضع أنه بعد عام 1969 اتجهت السلفادور للحصول على السلاح الإسرائيلي، وحصلت بالفعل عام 1973 على 49 طائرة حربية، فأعلنت الهندوراس غضبها على الصفقة كونها كانت في حالة حرب مع السلفادور، فما كان من إسرائيل إلا أن أبرمت مع هندوراس تلك الصفقة الهامة عام 1975 بقيمة 57 مليون دولار، وعندما تصاعد التوتر بين البلدين الجارين عام 1976، كان من المثير للدهشة والغثيان من السياسة الإسرائيلية احتشاد الأسلحة الإسرائيلية على جانبي النزاع(36) ليحصدا الدمار والموت وتحصد إسرائيل مئات الملايين من الدولارات(37).

المراجع

 

  1. نصر شمالي وهشام دجاني. الظروف التاريخية للهجرات اليهودية. من خزاريا إلى أوربا وأمريكا إلى فلسطين المحتلة (دمشق: دار المستقبل. آذار 1990) ص93
  2. نورمان فنكلشتين. صناعة الهولوكوست: تأملات في استغلال المعاناة اليهودية. ترجمة سماح إدريس. وأيمن ح حداد. ط1(بيروت: دار الآداب2001) يعتبر هذا الكتاب بمجمله وثيقة هامة تخدم الكشف عما يراد الاشارة إليه في السياق.
  3. حياة الحويك عطية. العلاقة الصهيونية النازية 1933-1941. صوت اليسار العراقي. http://saotaliassar.org/Frei%20Kitabat/FreiKitabat/NaziSaion.htm .
  4. نظام عباسي. العلاقات الصهيونية النازية وأثرها على فلسطين وحركة التحرر العربي 1933-1945( الكويت: كاظمة للنشر والترجمة والتوزيع. 1984) ص 44
  5. حياة الحويك. مرجع سابق.
  6. المرجع السابق
  7. المرجع السابق
  8. دادياني. الصهيونية على حقيقتها. ترجمة الياس شاهين (موسكو: دار التقدم، 1989) ص178
  9. yahya.faris. Zionist relation with nazi-germany.(Beirut 1978)p23
  10. عباسي. مرجع سابق. ص44
  11. حياة الحويك. مرجع سابق
  12. المرجع السابق
  13. المرجع السابق
  14. لمزيد من المعلومات حول نظام الهافارا راجع: yahya، عباسي، الحويك. مراجع سابقة.
  15. ليلى فرسخ. من جنوب أفريقيا إلى فلسطين. لوموند ديبلوماتيك. تشرين ثاني 2003.
  16. إسرائيل والفصل العنصري. الجارديان7 شباط/فبراير 2006 https://www.theguardian.com/world/2019/aug/19/israel-apartheid-and-antisemitism
  17. احسان كيالي. العنصرية والفصل العنصري في جنوب أفريقيا. ط1(دمشق: 1987) ص22
  18. المرجع السابق
  19. لمزيد من الاطلاع على هذه الوقائع راجع: أحمد مصطفى جابر. اليهود الشرقيون في اسرائيل: جدل الضحية والجلاد. دراسات استراتيجية 92ط1(أبو ظبي: مركز الامارات للدراسات والبحوق الاستراتيجية. 2004)
  20. فرسخ. مرجع سابق.
  21. المرجع السابق                   
  22. المرجع السابق
  23. دادياني. مرجع سابق. ص 176
  24. يمكن مراجعة العديد من التقارير التي أصدرها المحامي الإسرائيلي إيتاي ماك وهو ناشط من أجل الشفافية والرقابة على صادرات السلاح.
  25. نظيرة محمود خطاب. النشاط الصهيوني في أقطار أمريكا اللاتينية. شؤون فلسطينية عدد 54 (بيروت: حزيران 1988) ص183
  26. تقارير ومقابلات مع إيتاي ماك في الصحافة الإسرائيلية.
  27. المرجع السابق
  28. المرجع السابق
  29. المرجع السابق
  30. jane hunter,no simple proxy,Israel in America, (Washington: 1987)p 14-19
  31. cherly a.rubenberg,"Israel and guatimala",merip,no-140,may-june1986.p19
  32. ,p20 ibid 
  33. hunter p22. CIT
  34. (Milton jamail and marg gutierres (Israel in central America) merip.no 140,may-june 1986, p27
  35. hunter –p27. CIT
  36. بشارة بجج. اسرائيل وأمريكا اللاتينية: البعد العسكري (قبرص: مؤسسة الدراسات الفلسطينية 1987. ص 182.
  37. لتفاصيل أكثر عن صادرات السلاح الصهيوني إلى أمريكا اللاتينية وغيرها: أحمد مصطفى جاب. صادرات القتل الصهيونية (تقرير)، في: الهدف، العدد 12(1495).