Menu

الاغتيالات والتفاوض: أدوات في استراتيجية نزع الاستقلال الإيراني

عرفات الحاج

صورة تعبيرية

نشر في العدد 21 من مجلة الهدف الرقمية

بتاريخ ٢٧ نوفمبر أعلنت وسائل إعلام ومصادر رسمية إيرانية اغتيال محسن فخري زاده، نائب وزير الدفاع الإيراني السابق، وأحد المستهدفين الرئيسيين من قبل العدو الصهيوني، في حلقة جديدة من مسلسل الاغتيالات الذي استهدف علماء ورجال دولة ايرانيين، وكان أبرز ضحاياه أيضًا قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري وأبو المهدي المهندس نائب رئيس الحشد الشعبي العراقي.

من يتابع المهمات المركزية التي نهض بها فخري زاده ضمن الهيكل القيادي الإيراني؛ يدرك أن هدف الاغتيال لم يكن ضرورة "تقنية" لتعطيل وإبطاء مسار الإنتاج العسكري الإيراني، ولكن استهداف سياسي يحمل أبعاد متعددة منها إلحاق أكبر ضرر معنوي ممكن ب إيران المحاصرة، وتحقيق مزيد من الضغط على إيران من خلال حملة الملاحقة والاستهدافات الأمريكية الصهيونية لشخصيات تمثل رموز سيادية ايرانية.

يمكن فهم هذه الحملة كما الاغتيالات والغارات المتكررة في سوريا والعراق، باعتبارها جزءًا من إدارة تفاوض بالنار مع إيران من قبل الولايات المتحدة، ومسعى تتلاقى فيه إدارة ترامب مع المؤسسة الصهيونية لفتح اشتباك أميركي إيراني محدود؛ يسهم في تقويض قدرة الردع الإيرانية، وتسهيل خلق بيئة تفاوضية جديدة تستفيد منها هذه الأطراف في إلزام إيران بشروط تعني فعليًا تنازلها عن سيادتها على سياساتها.

إيران من جانبها أظهرت رغبة بعدم التعجل في الرد على جريمة الاغتيال، والخروقات المتكررة لسيادتها والتهديد لأمنها، بل وذهبت لنفي مسؤوليتها عن الهجمات على المنطقة الخضراء، حيث تقع السفارة الأمريكية في العراق.

تفاوض بالنار؟

تدرك الولايات المتحدة ما تمثله إيران في المنطقة، وصعوبة تجاوز وجودها واستحالة شطب وجودها بحملة عسكرية على غرار تلك التي نفذتها في العراق، فلقد أعدت إيران نفسها جيدًا طيلة سنوات لهذا السيناريو بالذات، واستثمرت مواردها القليلة في بناء قدرات عسكرية ودفاعية معتبرة، في ظل الحصار القاسي الذي فرض عليها منذ إسقاط نظام الشاه العميل للغرب، وعلى قاعدة هذا الإدراك تتحرك الولايات المتحدة وحلفائها لتحقيق مجموعة من الأهداف فيما يتعلق بإيران:

١- ردع إيران عن بناء سياسات ذات استقلالية ومواقف مناهضة للولايات المتحدة والكيان الصهيوني والقوى الغربية.

٢- احاطة إيران بطوق من الأعداء المتحالفين فيما بينهم ضدها.

٣-الاستمرار في تعزيز الضغوط الممارسة على إيران لحصاد أي نتائج ممكنة.

٤- الرهان على اهتزاز إيران من الداخل بواسطة ثلاثية الحصار والغارات والاغتيالات. 

المفاوضات كأداة للحرب..

لا تختلف أهداف الولايات المتحدة من "العلاقة الجيدة مع إيران" عن تلك الأهداف الموضوعة للحرب معها؛ فوظيفة المفاوضات ضمن قوس الفهم الأمريكي لها الجمهوري- الديموقراطي أو ترامب - بايدن، هي تحقيق مجموعة من الأهداف التحضيرية التي تخدم الأهداف الاستراتيجية بشأن كسر استقلالية إيران.

خلال الحملة الطويلة للانتخابات الرئاسية الأمريكية كانت قضية الاتفاق النووي مع إيران نقطة محورية في برنامج كل من جو بايدن ودونالد ترامب، فبينما نظر ترامب لإلغاء الاتفاق واجبار إيران على تفاوض جديد بالكامل حول سياساتها، بعد أن قام بتشديد متصاعد للعقوبات على إيران، أعلن بايدن نيته العودة للاتفاق النووي مع إيران والذي أبرمه الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما. وفي مقال كتبه جو بايدن ايلول/سبتمبر، قال إنه إذا "احترمت طهران مجددًا" القيود المفروضة على برنامجها النووي في الاتفاق الدولي المبرم في 2015، ستعود واشنطن، بدورها إلى الاتفاق كـ"نقطة انطلاق" لمفاوضات "متابعة".

مع ذلك تبدو المسافة بين كلا الموقفين أقل بكثير مما قد تبدو عليه، فالنسبة لجو بايدن العودة للاتفاق هي أداة ضرورية لتفاوض لاحق يرمي لتقييد إيران وفرض المزيد من الشروط عليها.

وفي رسالة وجهها بايدن للرئيس الروحاني مطلع ديسمبر الجاري عبر صحيفة نيويورك تايمز، تمسك بايدن بذات الأهداف الترامبية من أي تقارب مع إيران، والتي شملت تأكيده على ضرورة تناول المفاوضات لتفكيك البرنامج الصاروخي الإيراني، وإشراك دول أخرى في المفاوضات مثل السعودية والإمارات، وتمديد فترة القيود على النشاط النووي الإيراني، ووقف الدعم لفصائل وقوى المقاومة في المنطقة

الموقف الأوروبي لم يكن "أصلح" من نظيره الأمريكي، فقد طالبت عدد من الدول الأوروبية بتوسيع الاتفاق النووي مع إيران، ليطال برنامجها الصاروخي، وسياساتها في المنطقة، وهي مطالبات جاءت منسجمة مع الرؤية الأمريكية؛ فالأهداف المطلوبة من التفاوض السابق أو اللاحق لإحياء الاتفاق النووي:

١- تقليص قدرات إيران الدفاعية، خصوصًا تلك الأسلحة النوعية التي تسهم في ردع العدوان عن إيران (الإنتاج الصاروخي هو المطروح أولا).

٢- وقف دعم إيران لقوى المقاومة في المنطقة، وترجمة ذلك انحسار إيران لسياسات داخلية وترك المنطقة لقبضة الكيان الصهيوني وحلفاؤه العرب.

٣-زيادة عدد السنوات التي تلتزم فيها إيران بتقييد تخصيبها لليورانيوم عن ١٠ سنوات.

ما يدركه الغربي جيدًا أن إيران لم تكن تحتاج إذنه لتخصيب اليورانيوم وإقامة مشروعها النووي، ولكنها أقدمت على المفاوضات وقبلت بكثير من الشروط القاسية والتي تجافي حقوقها كدولة مستقلة، لاعتبار أساسي وهو حاجتها فعليًا لرفع العقوبات الغربية عنها، وأن هذا العامل هو الأساسي في تعامل إيران مع كل ما يجري؛ فالاغتيالات كما التهديدات لن تكون مجدية لتحصيل شيء لا ترغب إيران في تقديمه، واستمرار التأجيل الإيراني لتنفيذ ردود جدية رادعة على الاعتداءات الأمريكية؛ مرده قناعة بضرورة استنفاذ كل المساعي الممكنة لرفع العقوبات.