Menu

عصر التنوير – العقل والتقدم

خاص بوابة الهدف

بدايةً، نشير إلى المقومات الفلسفية والفكرية والاجتماعية التي عرفتها أوروبا في العصر الإقطاعي، الذي تميزت فلسفته بأنها:

  1. تبرير قهر واستغلال العمال والفلاحين والفقراء والجماهير الشعبية العفوية باسم الدين .
  2. تكريس مصالح الطبقة الارستقراطية بقوة البطش والإرهاب.
  3. لم تتطلع إلى البحث عن الحقيقة، فقد كان هم معظم المفكرين في هذه المرحلة إثبات صحة العقائد الدينية لتثبيت مصالح ملوك أوروبا والكنيسة ورموز الإقطاع .

ذلك إن الفكر الإقطاعي لم يهتم ببحث المسائل المطروحة بل زجَ في إطار النتيجة المسلم بها، وكان لابد للفلسفة القائمة على مثل هذه الأسس أن تسير في درب الانحطاط في ظروف بدأ فيها يتعزز العلم ليتحول إلى ميدان بحث مستقل نسبياً، وهذا ما حدث عندما بدأ أسلوب الإنتاج البورجوازي الجديد يتشكل في أحشاء المجتمع الإقطاعي الذي بدأ في التفكك، مفسحاً الطريق لعصر النهضة والتنوير والديمقراطية بعد أن تم كسر هيمنة الكنيسة على عقول الناس.

في هذا العصر، بزغت الفلسفة الحديثة في أوروبا، وكان التنوير الأوروبي بمثابة حجر الزاوية في بنيانها وسيرورتها الممتدة حتى اللحظة، وهنا نشير إلى أن عصر التنوير في أوروبا كان في القرن الثامن عشر ذا صلة بتغيرات اقتصادية واجتماعية وعلمية رافقت نفسخ النظام الاقطاعي، ونمو البورجوازية والطبقة العاملة، وفي هذه العملية التغييرية، التي بدأت في هولندا (أواخر القرن السادس عشر) وفي إنجلترا (أواسط القرن السابع عشر) ثم في فرنسا وألمانيا (أواخر القرن الثامن عشر) تزعزعت دعائم الكنيسة والعلاقات الاقطاعية، وأصبح العلم الحديث يعتمد بصورة رئيسية على واقع الإنتاج والعلاقات البرجوازية الجديدة، كما تطورت الجامعات الأوروبية باتجاه التحديث والاستنارة، ونُشِرَت مجموعات كبيرة من الكتابات التي تناولت جميع مظاهر المعرفة وتطور العلوم والاختراعات العلمية، التي عززت دور البورجوازية الفتيه في نضالها ضد الدعائم الفكرية والاجتماعية الاقتصادية للإقطاع، إلى جانب الفلاسفة العقلانيين والديمقراطيين الرواد (ديكارت / كانط / هوبز / سبينوزا / جون لوك / هيوم/ فولتير/ مونتسكيو / روسو / ديدرو ... إلخ) الذين كانوا بمثابة المعول الذي هدم البناء المعرفي الرجعي الاقطاعي مُعْلِناً بداية العصر الجديد ، او عصر التنوير وانتصار البورجوازية، بعد ان أشرق نور التنوير على أوروبا، ذلك التنوير الذي جاء أولاً من إنجلترا الليبرالية، ثم انتقل إلى فرنسا وألمانيا وبقية أوروبا، ومع تلك الاشراقة التنويرية الحاملة لمفاهيم الحرية وسيادة العقل، والتحرر من وصاية الكنسية والاقطاع ، خرج الانسان الأوروبي من إسار التخلف والاستبداد الإقطاعي صوب الحرية و الروح النقدية التي انطلقت في النظر إلى الوجود بتفكير عقلاني يبحث عن أسباب الظواهر بعيداً عن غيبيات الكنيسة من ناحية، ورافضاً للعلاقات الاقتصادية الاجتماعية المتخلفة التي تراكمت طوال العصر الإقطاعي البائد من ناحية ثانية.

ولذا، "فالتنوير ليس مجرد حلقة من حلقات تاريخ الأفكار بل ثابت أساسي من ثوابت الفكر الفلسفي الغربي منذ كانط حتى الآن، فالمذهب الليبرالي يؤكد حرية التعبير وحرية الكلام. وهنا تتلاقى الليبرالية السياسية مع فلسفة عصر التنوير، فالدفاع عن مثل هذه الفضائل ليس مبنياً على النظرة المفيدة أن التسامح هو قيمة "خير" فحسب، وإنما أيضاً على النظرة التي تقول إن نقاشاً مفتوحاً وحراً هو شرط ضروري لنكون قادرين على الوصول إلى رؤية صحية في العلم، كما في السياسة".

فالحرية شرط العقلانية، وقي الوقت نفسه هي شرط للديمقراطية في عملية خلق الرأي العام الشعبي، وفي التأمل المتنور، ذلك ما عبر عنه بوضوح المفكر الفرنسي مونتسكيو الذي ربط الحرية بشكل خاص بإسهامين اثنين أساسيين وهما: نظرية فصل السلطات كشرط للحرية، ونظرية تأثير البيئات المختلفة على السياسة، وكانت فرنسا في القرن الثامن عشر هي الرافد الاساسي والأكبر لنهر العالم الكبير الذي تحدر من أرض اليونان قبل ذلك باثنين وعشرين قرنا.

نستخلص مما تقدم، أن مفكري التنوير (في انجلترا وفرنسا وألمانيا) كانوا قد "أَحَلُّوا العقل السيد المستقل محل العقيدة اللاهوتية المسيحية التي سيطرت على البشرية الأوروبية قرون وقرون، لقد كان العقل هو القضية الكبرى لفلاسفة القرن الثامن عشر والذي دعي في كل أنحاء أوروبا بعصر التنوير". والسؤال هنا: ما معنى مفهوم التنوير؟ وكيف ظهر في القرن الثامن عشر في أوروبا؟

لقد "كان مسار التنوير في أوروبا صعبا وثمنه غاليا، كما أنه لم يكن هبة أو أنّه جاء صدفة أو دفعة واحدة، بل شهد مسارات مختلفة قبل أن تتّم صياغة أفكاره بكل وضوح، والوصول إلى مآلاته المعروفة في القرن الثامن عشر وما يليه، ولعلّ نتائجه الإيجابية كانت تستحق الجهد المبذول، فبفضل جهود التنوير وطّنت أوروبا مفاهيـم: الحرية، العقلانية، والديمقراطية، وأرست دعائم الدولة الحديثة".

وعلى الرغم من وجود القوى المضادة والمتغيرة على الدوام، والكثيرة، فقد "تابع برنامج التنوير تقدمه، وكان منشأ النقاش السياسي في فرنسا خلال القرن الثامن عشر في الصالونات الأدبية للطبقة الوسطى المقيمة في المدن، ففي ذلك المكان الأنيق، تمازجت السياسة والفلسفة والأدب بسهولة".

لقد استورد الفرنسيون من بريطانيا، تصور "جون لوك" لحقوق الإنسان، وبدت فكرة حقوق الإنسان في الوقت ذاته متطرفة، أي شكلت هجوماً على النظام الملكي المطلق، وارتبطت النبرة المُرَّة أيضاً بالواقع المفيد أن الفروق الطبقية في فرنسا كانت أكثر تناقضاً مما هي في بريطانيا، فقد كان رجال الدين يملكون خُمس الأرض، ولهم امتيازات، وكان للنبلاء امتيازات أيضاً، على الرغم من أن قوتهم السياسية كانت قد تدنت، وفي الوقت نفسه، كان نفوذ البورجوازية أكبر مما هو في بريطانيا، وكان التجار الفرنسيون الأقوياء يشعرون أنهم الثقل: إذ كان النبلاء والكهنة طفيليين وذوي امتيازات، وباتت سلطة الملك غير فاعلة، فظهر النقاد القادة من صفوف البورجوازية العليا تلك، وأصبح الصراع الأيديولوجي بين فكرة حقوق الإنسان والليبرالية (لوك) في مواجهة المَلَكية المطلقة والامتيازات التقليدية للنبلاء.

وهكذا، "تميزت حقبة عصر التنوير بالتفاؤل التقدمي داخل الطبقة الوسطى المتوسعة: فهناك ثقة متيقظة في العقل وفي الإنسان. كان هناك مذهب خلاص مدني، حل فيه العقل محل الإنجيل، وبعون من العقل صار بإمكان الإنسان أن يكشف الجوهر الداخلي للواقع ويحقق التقدم المادي، وسيستقل الإنسان تدريجياً، ويستغني عن السلطة التي لا أساس لها، وعن الوصاية اللاهوتية، فقد تحرر الفكر لأن الإنسان شعر أنه حاكم نفسه، وأنه مستقل عن الوحي والتقليد. وصار الإلحاد زي العصر، غير أنه سرعان ما تبين أن تحقيق التقدم المتوقع أصعب مما ظن فلاسفة عصر التنوير الفرنسيين، في القرن الثامن عشر نظراً للصعوبات السياسية والاجتماعية الموجودة في سبيل تحقيق هذا التقدم، وأعظم تلك العقبات هي الجهل والخرافة والتعصب، وللتغلب على هذه العقبات، نحتاج تنويراً (لا ثورة)"، انطلقت شرارة التنوير في فرنسا أولاً.

وفي هذا الجانب، يقول ول ديورانت: "لم يحدث قط منذ أيام السفسطائيين الإغريق أن انتشرت مثل هذه الآراء والأفكار الكثيرة، أو ظهرت روح البحث والتحقيق والحوار والجدل المنعشة، وبما أن باريس كانت آنذاك عاصمة الفكر في أوروبا، فإن حركة التنوير أصبحت حركة واسعة النطاق مثل حركة النهضة الأوربية وحركة الإصلاح الديني، فقد ذهبت النهضة إلى ما وراء المسيحية لتكتشف الذهن الوثني، كما أن الإصلاح الديني كان قد كسر قيود السيادة المذهبية، وعلى الرغم منه تقريباً أطلق العنان لعمل العقل، وباتت مقدمتا العصر الحديث هاتين تكمل الواحدة الأخرى، وأصبح الآن في مقدور الإنسان في نهاية المطاف ان يحرر نفسه من معتقدات العصور الوسطى ومن أساطير الشرق، كما أصبح في مقدوره أن يهز كتفيه استخفافاً باللاهوت المربك المرعب، وان يقف على قدميه حراً طليقاً. حراً في ان يشك؛ وفي ان يحقق ويدقق، حراً في ان يفكر ويجمع ألوان المعرفة وينشرها".

فالبورجوازية الفرنسية – التي كانت تسمى بالطبقة الوسطى آنذاك- "لم تكن قد ترهلت بعد كما حدث في انجلترا، انها لا تزال في عنفوان صباها، ولم يعد في مقدورها الاكتفاء بالازدهار الاقتصادي الذي يحققه لها دعمها لحكم الملوك المطلق، وما رافقه من بؤس وافقار واستبداد، فهي الآن تتطلع إلى الظفر بالسلطة السياسية أو المشاركة فيها على الأقل، اذ من غير المعقول أن تظل تمول البلاط الذي يعج بأمراء الاقطاع الكسالى الذين يغدق عليهم الملوك الاموال والامتيازات بعد أن هجروا أملاكهم الزراعية ومقاطعاتهم، ولا يكون لها أي دور في تقرير حاضرها ومستقبلها".

"ففي فرنسا وفي النصف الثاني من القرن الثامن عشر.. تطور أسلوب الإنتاج الجديد _الرأسمالي_ في أحشاء المجتمع القديم -الإقطاعي-، وقد شهدت فرنسا قبيل الثورة البورجوازية الفرنسية (1789) بأربعة عقود حركة فكرية واسعة وقوية عُرِفَتْ "بحـركة التنوير"، وضع رجالها نصب أعينهم مهمة نقد ركائز الإيديولوجية الإقطاعية، ونقد الأوهام والمعتقدات الدينية، والنضال من أجل إشاعة روح التسامح الديني وحرية الفكر والبحث العلمي والفلسفي وإعلاء شأن العقل والعلم في مواجهة الغيبية.

بالطبع لم يكن تيار التنوير الفرنسي متجانساً، فإلى جانب المادية كانت المثالية وإلى جانب الإلحاد كان التيار الديني، ولذلك فقد كان الفكر الإنجليزي أحد أهم مصادر فكر التنوير الفرنسي، وكلاهما وَجَّها نقداً جاداً للنظام الإقطاعي والحكم المطلق، ومهدا الطريق من أجل هدمه وتغيره انسجاماً مع وجهة نظر المصالح البرجوازية الجديدة".

لقد كان "التنوير" في الغالب هو الصيحة المتقدمة جداً في ذلك العصر، التي اجمع فلاسفة فرنسا على اطلاقها في تلك الايام.

على أن "فرنسا" لم تكن، تعيش وحدها في ذلك العالم، فثمة جارة لها، هي انجلترا، كانت قد فجرت ثورة عظيمة في نظامها الاجتماعي والسياسي والاخلاقي في القرن السابع عشر، وأنجبت فلاسفة عظاماً فجروا هم بدورهم أيضاً ثورة موازية في الفلسفة، فلماذا لا يتعرف فلاسفة فرنسا عليها، وينقلون عن فلاسفتها ما أبدعته عقولهم الجبارة، لا سيما وان التنوير الانجليزي يمثل في مجمله حركة الفكر الاجتماعي البورجوازي الصاعد الذي أخذ التنوير الفرنسي يتلمس طريقه إليه؟

الواقع ان فلاسفة التنوير الفرنسي (جان جاك روسو والموسوعيين أمثال هلفثيوس وهولباخ وغيرهما) وجدوا في الفيلسوفين الانجليزيين "لوك" و"نيوتن" ضالتهم المنشودة، فقد تساءل الفرنسين: "إذا كانت الطبيعة البشرية خيرة، كان الناس متساوين فيها تماما كما يقول "لوك"، فلماذا نرى الناس غارقين في بحر من الآثام والشرور، ويقوم بينهم تمايز صارخ في مواقعهم الاجتماعية والسياسية؟

والحق ان "لوك" نفسه هو الذي هداهم، من حيث لا يدري، إلى الجواب الصحيح، فقد أوحت  لهم إجابته عن السؤال (إذا كان العقل صفحة بيضاء، فكيف يكتسب المعرفة؟) بالحل لتلك المفارقة، فأجابته التي قال فيها (إنني أجيب عن هذا السؤال بكلمة واحدة: التجربة، فبالتجربة وحدها تتكون كل معارفنا)، جعلتهم يتساءلون قائلين: "إذا كان كل ما في الإنسان مَرَدَّهُ إلى التجربة، فلماذا لا تكون البيئة البشرية – التي هي ميدان تجربة الإنسان الاجتماعية- هي المصدر الوحيد لكل تلك الشرور، وكل ذلك التمايز الصارخ؟ أي لماذا لا يكون مَرَدْ ما هو شر في أفعال الناس؟ ومَرَدْ التمايز الاجتماعي فيما بينهم، إلى تربية وبيئة اجتماعية فاسدتين، طالما أن طبائعهم هي في الاصل خَيِّرَة ومتساوية تماماً".

وفي ذلك الزمن، لم يكن في فرنسا مؤسسات قابلة للحياة نشأت قبل الملكية المطلقة يمكنها أن "تصمد أمام النقد". لذا، كان يصعب الحصول على اعتدال وزيادة فعالية الحكم بواسطة مساعدة مؤسسات تمثيلية مثل البرلمان البريطاني، فكان لابد من أن يأتي التغيير عن طريق ثوران سياسي. وقد حصل هذا الثوران في عام 1789 باندلاع الثورة الفرنسية، التي كان لها تأثيرها الكبير على الفكر والفلسفة في ألمانيا، فقد " كانت ألمانيا، في القرن الثامن عشر، بلدا يسير في طريق التطور الرأسمالي، لكن هذا التطور كان أبطأ مما كان عليه في انكلترا وفرنسا، كما كان عليه أن يذلل صعوبات كبيرة للغاية، فقد عاش المنورين الألمان في المراحل الأولى، سواء في الفلسفة أو في نقد الكتاب المقدس أو في العلم، على الأفكار التي صاغتها انكلترا وهولندا وفرنسا من قبل، ثم قاموا، بعد استيعاب هذه الأفكار، بملاءمتها مع واقع بلادهم وظروفها، وبذا اكتسب المنورون الالمان عددا من السمات، التي تميزهم عن أسلافهم – المنورين الانكليز والفرنسيين".

"صحيح أن المنورين الالمان ناضلوا من أجل انتصار العقل، والفلسفة القائمة على العقل، وسعوا، كذلك، إلى حل النزاع، القائم بين الإيمان والعقل، لصالح الأخير، ودافعوا عن مشروعية النقد العلمي لمسائل كانت تعتبر، حتى ذلك الحين، وقفاً على اللاهوت، لكن هؤلاء المنورين لم يتمتعوا بتلك الروح الثورية، التي أشرنا إليها عند المنورين الفرنسيين، ذلك إن التنوير الألماني لم يكن يهدف إلى النضال ضد الدين لصالح العقل، بقدر ما سعى إلى ايجاد حل وسط بين المعرفة والايمان، بين العلم والدين".

في هذا الجانب، يقول المفكر السوري الراحل د. حامد خليل: إن "نهر العالم في القرن التاسع عشر بدأ في تغيير مساره، إنه يتجه باتجاه ألمانيا، لكن ذلك لا يعني أن أراضي أوربا قد أصبحت مجدبة، أو أنها أخذت تعوق جريانه، وإنما يعني أن أرض ألمانيا كانت ظمأى أكثر من غيرها.

وحقيقة الأمر أن ألمانيا كانت لا تزال متخلفة إذا ما قيست بما وصلت إليه أوربا، فهي لم تنجز ثورتها البورجوازية بعد، ولذلك كانت أكثر تعطشاً من غيرها للارتواء من مياه المعرفة الكونية، وأكثر إحساساً بمأزق الإنسان التاريخي، وبالتالي أكثر اندفاعاً لتكوين رافد جديد يرفد النهر المذكور، تماماً مثلما كانت فرنسا أكثر إحساساً من انجلترا في القرن الثامن عشر، بالحاجة إلى شحذ قريحتها من أجل التغيير المنشود".

ويضيف د. حامد خليل قائلاً: "الواقع أنه كان هناك موقفان رئيسيان تجاه الأفكار البورجوازية: موقف هيجل الرامي إلى تهذيبها وتعقيلها بعد أن أسرفت في إطلاق القوى الاقتصادية من عقالها، وموقف ماركس الداعي إلى إعلان سقوطها، وتجاوزها، وطرح أفكار جديدة بدلاً منها. وهكذا يصبح القرن التاسع عشر عصر الامتحان الكبير كما نقول، وأيضاً عصر التحول الخطير بالنسبة إلى مشكلة الإنسان". وبالتالي "فإن الفكرة المحورية في فكر القرن التاسع عشر، والتي كانت تعتبر نقطة تحول تاريخية في قيام علم جديد للإنسان سواء من جانب هيجل أو من جانب ماركس، هي أن الإنسان يتكون في التاريخ، وأن هذا التكون مرتبط بجمله شروط مادية واجتماعية وإنسانية.

وبهذا الصدد، فإننا نشير إلى حادثتين رئيسيتين نعتقد أنه بسببهما قبل سواهما حدث التحول الذي نحن بصدد دراسته في هذا الفصل: الأولى هي انتشار فكرة التطور على نطاق واسع جداً وما رافق ذلك من ظهور علوم تدور في هذا الاتجاه. أما الثانية فهي قيام الثورة الصناعية الكبرى.

صحيح، فيما يتعلق بالحادثة الأولى، أن كتاب دارون "أصل الانواع" لم يظهر إلا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، لكن ذلك لا يعني أن العقل الأوربي لم يكن قد تشبع بفكرة التطور قبل ذلك التاريخ بكثير. فالمعروف أن المفكرين الأوربيين توصلوا في ذروة عصر التنوير إلى مفهوم عن التقدم لا يخص الإنسان وحده، وإنما يتسع ليشمل المجرى الكوني بكامله، والحق أن "ظهور علوم الحياة عزز من ترسيخ فكر التطور المذكورة، وتوجيهها وجهة جديدة، فالمبادئ الآلية التي كانت تعتمد في التفسير في العلوم الطبيعية، أخذت تغزو علوم الحياة، وقد كانت هذه نقطة تحول خطيرة سيكون لها تأثير كبير على علم الإنسان، ذلك أن العضويات الحية أصبح ينظر إليها، نتيجة للكشوف الجديدة في علوم الجيولوجيا والأجنة وفيزيولوجيا النبات والحيوان والكيمياء العضوية وغيرها، على أنها آلات كمياوية قوامها الرئيسي مادة صمغية تمتلك خاصية المحافظة على ذاتها، وتوليد ذاتها من جديد، أي أنها تتطور، ولم يعد الفارق بين المادة الحية وغير الحية فارقاً في النوع، وإنما في درجة التعقيد في التركيب، مما ترتب عليه أن لا تظل مسألة تكون الإنسان تكوناً كاملاً منذ البداية مسلمة إيمانية لا تقبل النقاش". ووجه الخطورة في ذلك التحول هو أن التفسير الجديد للخلق–كما يقول د. حامد خليل- ستنشأ عنه – إن صح- مشكلات خطيرة تتعلق بأصل الإنسان ومصيره وعلاقته بالكون، والأهم من ذلك أنه سيلقي ظلالاً من الشك جديدة ومدعمة بالحجج العلمية على مسألة الخطيئة والسقوط التي ظلت تشكل جوهر الإيمان المسيحي قروناً طويلة.

أما بالنسبة إلى الحادثة الثانية، الثورة الصناعية الكبرى، فإننا نقول إن اضطراب المجتمع الصناعي الجديد جعل أمر تنظيمه وتوجيهه وجهة عقلانية، الوجه الآخر لفلسفة القرن التاسع عشر، فالواقع الاجتماعي الجديد الذي أفضت إليه الثورة المذكورة، والتفسير المتسارع المستمر الذي رافقها في حقل العلوم التطبيقية، والتحول الذي طرأ على حياة الإنسان من جراء استعمال الاختراعات الجديدة – كل ذلك أوضح للأوربيين أن الحضارة تمر بعملية شاملة من إعادة التنظيم.

كذلك أدى التغير المذكور إلى أن تصبح الفكرة القائلة بأن الإنسان عضوًا يؤثر في محيطه ويتأثر هو به، فكرة مركزية، وأيضاً إلى التشديد على الدور التاريخي الذي يلعبه ذلك الإنسان في مضمار التغير الاجتماعي، أو الذي يجب أن يلعبه، إن كان لا بد لتلك التغيرات من أن تنتهي إلى شيء ذي قيمة". وهنا بالضبط، تجلى الدور المعرفي العقلاني والمادي الطليعي لفلاسفة ألمانيا في تلك المرحلة عموماً، وفلسفة كانط وهيجل وشوبنهاور وفيورباخ خصوصاً.

أخيراً، لا بد من التأكيد على أن الربط المحكم بين التفكير العلمي والتغيير الاجتماعي هو "سمة مميزة لعقيدة التنوير، سواء في شكلها البرجوازي الثوري القديم، الشكل الذي تبلّر على أيدي برونو وميكافيلي وبيكون وغاليليو وديكارت وهوبز ولوك وسبينوزا والماديين الفرنسيين وفولتير وروسو والمثاليين الألمان، أو في شكلها العمالي الثوري الحديث الممثل بماركس وإنغلز، بل يمكن القول إن جوهر مشروع التنوير يكمن في هذا الربط المحكم بين التفكير العلمي والتحول الاجتماعي".

والسؤال الجوهري كما يطرحه هنا د. غصيب: "بأي معنى يرتبط التفكير العلمي بالتغيير الاجتماعي في عقيدة التنوير؟ يجيب عليه قائلاً: إن عقيدة التنوير تؤكد على أن العلاقة بين الطرفين علاقة جدلية، أي ضرورية وتبادلية، فلا معنى للتغيير الاجتماعي من دون التفكير العلمي".

أما الملاحظة الثانية فهي أن "هناك ارتباطاً جدلياً ضرورياً بين التفكير العلمي والإنتاج الاجتماعي، ذلك إن كل إنتاج اجتماعي يستلزم معرفة وينطوي على معرفة، لقد شكلت ولادة التفكير العلمي زلزالاً عاصفاً في الوعي الاجتماعي ما زلنا نعيشه ونلحظ تعاظمه. إن التفكير العلمي إذاً ثورة دائمة في حياة البشر في الحقبة الحديثة يقلبها باستمرار رأساً على عقب، وهو ليس ممارسة ذهنية محضة يمارسها نفر من الموهوبين والعباقرة في كل زمان ومكان في أبراجهم العاجية خارج إطار المؤسسات والتيارات الاجتماعية المتلاطمة. كما إنه ليس حكراً على عرق معين، حيث إن إمكانيته مكتوبة في بنية الدماغ البشري. وبالتالي، فإن التفكير العلمي بحكم تكوينه الداخلي يدخل في تصادم مع جميع العقائد الدينية والفلسفية، بما في ذلك عقيدة التنوير التي يشكل أساسها. لكن صدامه مع عقيدة التنوير ليس تناحرياً؛ إنه أقرب إلى التوتر الخلاق منه إلى التناحر، وعلينا ألا ننسى هنا أن إحدى الوظائف الرئيسية لعقيدة التنوير هي حماية العلم من الأيديولوجيا اللاعقلانية والدفاع عنه".

أخيراً، نشير إلى أن "الفلسفة الغربية البرجوازية في مرحلة صعود البرجوازية الغربية تمثلت في ثلاثة تيارات رئيسية: دين العقل (العقلانية المثالية)، والمادية (العقلانية المادية)، والتجريبية، ولم تكن هذه التيارات معزولة عن بعضها، وإنما قامت بينها تقاطعات متواصلة وتفاعلات تناحرية مريرة، وبالطبع، فإن التيارات الثلاثة الرئيسية المذكورة جميعاً كانت مرتبطة بصورة جوهرية بنشوء الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا والجيولوجيا، وبتطورات هذه العلوم وازدهار الرياضيات، ولكن برغم روح التناحر التي سادت العلاقة بين هذه التيارات، إلا أن هذه التيارات كانت ضرورية لبعضها، وكانت تعمل على تعميق بعضها، وكان كل تيار يغذي كل تيار آخر بما كان ينقصه، ويوسع إطاره، لقد كان تناحراً صحياً بكل ما في الكلمة من معنى، أما القاسم المشترك الأكبر بينها، فقد كانت العلمانية، أي عملية علمنة الفكر والوعي، إذ يمكن فهم مسيرة الفكر الغربي في مرحلة صعود البرجوازية على أنها مسيرة علمنة هذا الفكر. لكن الماديين أدركوا أن هذه المسيرة لا يمكن أن تكتمل بالمثالية، فالمثالية تعيد إنتاج الدين بصورة جديدة، وهي تفرض حدوداً على العلمنة تحول دون إكمال مسيرتها، لذلك رأوا أن عليهم أن يوجهوا نقداً مادياً مفصلاً للعقلانية المثالية (دين العقل)، وهذا ما انبرى إلى فعله الماديون في جماعة الهيغليين الشبان، وفي مقدمتهم فويرباخ وماركس وإنغلز.

لقد وضع أولئك الماديون نصب أعينهم استكمال مسيرة علمنة الفكر بتحرير هذه المسيرة من قيود المثالية، وتطوير المادية بما يمكنها من أداء هذه المهمة وغيرها من المهمات التنموية والتقدمية الكبرى". فقد بدأ لودفيغ فويرباخ ذلك باعتبار دين العقل الهيغلي استمراراً للاغتراب الديني، أي اعتبره إسقاطاً اغترابياً للطبيعة البشرية، ودعا فويرباخ إلى التغلب على هذا الاغتراب بإعادة العقل المطلق إلى حيث ينتمي فعلاً، إلى عقل الإنسان وقلبه، وبهذا النقد المادي المحكم لهيغل وفويرباخ، أفلح ماركس بالفعل في إكمال مسيرة علمنة الفكر، التي ابتدأت مع بيكون وديكارت، وفي إرساء دعائم فهم الإنسان نفسه علمياً وثورياً.

أجل.. لقد اكتمل مشروع التنوير واكتملت مسيرة علمنة الفكر بماركس وإنغلز، بالمادية الجدلية، التي جاءت حلاً للتناقضات الرئيسية بين التيارات الرئيسية الثلاثة لفكر البرجوازية الثورية في مرحلة صعودها: دين العقل، والمادية، والتجريبية".