ڤرساي الفلسطينية، هكذا وصف إدوارد سعيد اتفاقية أوسلو، فكان أن حظرت وزارة الثقافة في سلطةالحكم الإداري الذاتي مؤلفاته لمدة عام بمرسوم رئاسي. لعل معايشة سعيد لكواليس وتفاصيل مغامرات القيادة الفلسطينية المتنفذةهوما جعله من أوائل المثقفين الفلسطينييناللذين عارضوا أوسلو علناً في مقالاته وكتبه، التي دونها قبل وبعد توقيع الاتفاقية، وعرض فيهم تفصيلاً لم يخطئ لأسسها وتداعياتها. اليوم، لا يختلف اثنانعلى فشل أوسلو اللامحدود وخطرها المستمر،من قبول القيادة الفلسطينية بأن لا سلام إلا بالشروط التي تمليها "إسرائيل" وأمريكاإلىتوظيف صياغاتهاوآلياتها التي ما تزال تنهشجسد فلسطين،وتبتسر روايتها وتقطعهابسيف التشويه والتزييف والتزوير؛فالتاريخيبدأ بالانحدار حين تتبنى الضحية رواية جلادها وتشارك في سلب نفسها بنفسها،مادياً ومعنوياً، كما تحدث كارلماركس، لنكون أمامعنوان كتاب آلان غريش وسؤاله: «علام يطلق فلسطين؟» حينصدر من أعلى مستوى في السلطةالفلسطينيةوحرفياًأن فلسطين هي الضفة الغربية وقطاع غزة!
تمضي أوسلوفي زعزعة الرواية التاريخية الفلسطينيةبدءاًبإسقاط روايةالنكبةوحد الانتقاص من حق العودة، ليصبح الحقيعني البحث عنحل متفق عليه بعد التنازل عن ثوابته الوطنية والقومية ونزعه من مضمونه الحقوقي القانوني الدولي، والصراع التاريخي مع المشروع الصهيوني قابل للتسويةالتساومية المشروطة بسياسات الأمر الواقع وثوابت المشروع الصهيوني، الذييرتكز على تكريس الاعتراف بـ "إسرائيل" كدولة يهودية، الأمر الذي لا يهدد بشطب حق العودة وحسب، بل أيضاً حقوق شعبنا الصامد في الـ ١٩٤٨ ومصيرهم في مواجهة الهجوم العنصري على هويتهم ووجودهم. يوازي هذا خط المناقصات السياسية والاقتتال الداخلي والإقصاء واحتلال القرار الفلسطيني والفشل السياسي وازدواجية التمثيل الذي جر الويلاتومزيداً من التجزئة الجغرافية والسياسية. أفضى كل هذا إلى تفكك الجسد الفلسطيني وانكشاف أطرافه داخل فلسطين التاريخية وفي الشتات وتعرضها للتنكيل والتمييز، كما إلى حالة انتكاس وضياع عام فيما الكيان الصهيوني ماض في توسيع مشروعه الإحلالي، ولتأتي صفقة القرن والهرولة نحو التطبيعلتفرض استراتيجية محو فكرة فلسطين وليس فقط تصفيتها.
يخطأ من يعتقد أن التحلل من اتفاقيات أوسلو سيعيد عقارب الساعة إلى ما وراء هذا المسار الذي امتد على مدار ثلاثة عقود. في المعركة مع مضمرات أوسلوومآلاتها الكارثية، نحتاج إلى تفكيك وتقويضالذهنية الثقافيةوالطبقة التي تشعبت وتشابكت تفاعلاتهاوأرست بنية إبستميةرسخت قطيعة وبراءة ذمة وانسلاخ عن المشروع التحرريومرجعيته القائمة على ثوابت الحقوق والحقائق الوطنية والرواية التاريخية بعمقها القومي والأممي، وأخضعتهالهيمنةمنظومة مفاهيمية جديدةأساسها الهزيمة وبنيانها منهجيةنيوليبرالية، هي أقرب لسياسة السادات "الانفتاحية"، سطحت وسفهت خطابالتحرروالحق في تقرير المصير والكفاح المسلح والعودة،واستبدلته بآليات العمل التفاوضيفي تبعيته لمؤسسة قيادية، سياسية ـ أمنية،مطواعة لمنظومة الاستعمار الإحلالي وضمان تفوقه الاستراتيجي، وأفضت في محصلتها إلىتنازل مجانيعن كل الأخلاقيات والمبادئ والمرجعيات الشرعية لشعبنا وقراراتها وقوانينها.
هذا المنهج المهزوم في عمقهألقى بظلاله على كافة صور التشكل الثقافي، أعاد صياغة المفاهيم الفكرية الفلسطينية وولد تشظيات متعددة فيالحالة الوطنية والهوية الفلسطينية، كما فيجسد الثقافة الذي أصيب بالترهل والتشظي والتمزق. شرطت أوسلو قبول إقامة واستمرارية سلطة الحكم الإداري الذاتيبتفريغ مؤسساتها من مضمونها التحرري من خلالنبذ"العنف" و"الإرهاب" وكل ما يتعارض مع ثقافة السلام والتسامح.وضاعف التمويل الأجنبي والارتهان للمساعدات الدولية تعميمثقافية هبطت بالخطاب الوطني من المقاومة والتحرر إلى السلام والتسامح والتعايش وغيره من المفاهيم الرائجة. هذا أحدث تغيراً في المنهاج الفلسطيني التربوي وفي مضمون الأعمال الإبداعية الذي بات في بعض جوانبه منسجماً مع الخطاب السياسي السائد في استجابتهلتشويه الحقائق التاريخيةوتقزيم الحقوق الوطنية ووضعها في صياغات ركيكة مضللة أدت بشكل تراكمي إلى استهداف السردية الفلسطينية الكبرى.نحن لسنا فقط أمام مضمون ثقافي يعاني من خطاب ذاتي يركز على الفرد وجمالية المنتج الثقافي وضحالة في التعاطي مع الواقع وحالة انتكاس وانحطاط عام في الحياة الثقافية، بل أيضاً والأهم وجهاً لوجه مع منظومة معرفية أحدثت تحول مادي معرفي، مفاهيمي وقيمي وأخلاقي وحضاري، في الثقافة والرواية الفلسطينيةزعزعت أركانها وغيرت مفرداتها وسياقاتها التاريخية، حتى شابها الكثير من التشققات والتراخيوالتشوهات،وتكسرت معها تابوهات وبديهيات عديدة من خلال التسليم بحق الصهيونية بأرض فلسطينوشرعية كيانهم الاستعماري الغاصب.هذا التحول يتجانس تنظيمياً مع الخطاب الصهيوني في سعيه الاستراتيجي لفرض الرواية الصهيونية ثقافياً وسياسياً وميدانياً،فالتطبيع الثقافي هو بند رئيسي دائم على أجندة المفاوضين الصهاينة والوسطاء الغربيين واستراتيجية ممنهجة ومنظمة تطورها دوائر متخصصة في وزارة الخارجية والمؤسسات الأمنية والإعلامية والثقافية لاسيما في مجال الدبلوماسية الرقمية، التي تتخذ من وسائل التواصل الاجتماعي ساحة رئيسية لنشاطها وفعلها المركز والموجه.
الآن كما آنذاك، يتم تسويق رواية أوسلوكأقل الخيارات الممكنة سوءاًوأقرب البدائل منالاً على دروبٍ مسدودة بالحصار المالي والسياسي، فضلاً عما اعترى الحالة الفلسطينية من مظاهر تآكل ذاتي في ظل أبشع انقسام في التاريخ الفلسطيني، ناهيك عما يعيشه الوطن العربي من حروب داخلية وخارجية وهرولة الحكومات العربية الرجعية نحو التطبيع، الذي يتمثل حالياً كسند تاريخي للرواية الصهيونية في شيطنته وتشويهه للقضية الفلسطينية. يخطأ من يتوهم أن هذا هو خطابالبراغماتية والمجازفات السياسيةفي وجه ميزان القوى المختل على الصعيد الإقليمي والدولي؛ هذه أيديولوجيا الهزيمة «التي تحلق واهمةً في تيه النصر، وهي التي وضعت البنية التحتية للحالة التي وصلنا إليها اليوم»، كما يصفها مجد كيال،في تكرار تعيسوبائس وهزلي لثنائية النهوض/الخضوع على أساس إنهزامي «لا يتيح رفع ركام الهزيمة ولا يعيد البناء من تحته»، لنجد أن تكتيك انتقالنا من عتبة التاريخ الذي رابطنا فيه طويلاً إلى حيز الجغرافيا سيفضى بنا خارج حركية التاريخ في ظل تبخر الجغرافيا.
وإذ المجتمع الإسرائيلي قد لقح نفسه بنجاح ضد التفكير الأخلاقي والسياسي، فهل اللقاح ضد التفكير والوعي أصبح نموذجاً ذهنياً كاملًاً يطبع الفلسطينيين لتنازلٍ مجاني عن روايتنا وتاريخنا وتنكر مبتذل لنضال وتضحيات شعبنا ودماء شهدائنا ومعاناة أسرانا؟ ام أن هناك منطلقات في ثقافتنا وتكويننا السياسي والاجتماعي والروحي ما زالت حية ومتميزة وقادرة على التطهر معرفياًمن أوسلو من أجل التصديوالمواجهة لهذا المفصل التاريخي والشبه ختامي؟ في أوقات الأزماتالتي فتحت مصاريع أبواب الهزيمة العسكرية والسياسية وزمن كاد ينتفي فيه الأمل، كان لأدب المقاومة دور ريادي في الحفاظ على الرواية التاريخية الفلسطينية، وإثراء الانتماء الوطني القومي، وبناء الأطر الخارقة لحدود الجغرافيا والسياسة وروابط التواصل بين الفلسطينيين وبينهم وبين أشقائهم العرب، وتعميق الوعي باستحالة التعايش مع الصهيونية كأيديولوجية عنصرية وكنظام استعماري احلاليوكسرطان ثقافي لا يمكن أن يتعايش مع بيئته إلا ليفتك بها ويحولها إلى محيط من الخراب الثقافي.أيامها، كرس أدباءالمقاومة جل طاقاتهم الإبداعية في الدعوة إلى الثورة وانخرطوا عضوياً في كفاح شعبهم،وأدركوا مهام المرحلة التي استدعت تصويب وتعميق الوعي الشعبي وتشبته بقيم التحرر الوطني، السياسي والاقتصادي والاجتماعي،واشتبكوامع فئاته وقطاعاته ضد المحتل والمنظومة العالمية والإقليمية والمحلية التي دعمته وكرست ثقافة الهزيمة التي ضربت أوصال الأمة. يذكرنا يزن الحاج أنه في العام الذي تلا النكسة التي رسخت النكبة، انطلق أدب فلسطيني جديد لا يشبه ما قبله فلسطينياً أو عربياً، وبغزارة إنتاج غير مسبوقة،بشر بقطيعة معثقافة الهزيمة وهزيمة الثقافة بكياناتها وشعاراتها وأشكال عملها، وأسس لعالمجديد من التفاؤل والزخم الثوري، ووحد فلسطين وشعبها من خلال سردياتانطلقت من الهزيمة وواجهتها بصراحة بلا رتوش، وعززت الفارق بين من ارتضى زمنه وبين من يخلق زمنه.
الأدب بشكل عام وأدب المقاومة بشكل خاص هوميدان صراعفي/على الواقع،نتجاوز فيه ونخترق«كل محتوى معيش ومُعَانى»، كما يصفه جيل دولوز، وبالتالي لا ينفصل عن الصيرورة التيهي حركة لا في اتجاه الآخر الذي«يمثُل كشكل تعبير مهيمن يدعي فرض نفسه على كل محتوى»، بل «كخط هروب لاينكشف» في رفضهاتخاذ شكل «التماهي والتقليد والمحاكاة» مع السردية الاستعمارية وفي سعيهلابتكار شعب على الدوام «مأخوذ في صيرورة ثورية» وليس «غارق تحت خياناته وإنكاراته». هذا يضعنا أمام أسئلة حارقة: هل نقف مكتوفي الأيدي بانتظار بلورة استراتيجية سياسية بديلة؟ أليس أدب المقاومة هو ضميرنا الحي والقادر على التفاعل مع الواقع، يتأثر به ويؤثر فيه، وتحديه وتعرية نكوص المجال السياسي بهدف توسيع ضيق خياراته والفيض خارج حده وحدوده؟ أليس أدب المقاومةهو السهم النقدي ضد خطأ الثبات السرمدي وكل مسعى تقديسي وأي عائق معرفي يقف في وجه الإنسان الفلسطيني ويضعه خارج التاريخ؟ أليسأدب المقاومة هوالدرعالواقي للرواية الفلسطينية الكبرى،والبوصلة التي تحدد صحة الاتجاه نحو فلسطين كحقيقة وحق تاريخي، والدرب الآمن للحفاظ على مكاسب الشعب الفلسطيني والمحفز للنهوض بالحركة الوطنيةفي صيرورتها الثورية؟
المعركة الأصعب كانت ولا تزال في اللغةوعلى أرض الحكاية التي تتشكل فيها الأفكار والمعاني وتصاغ السردياتوالهويات وتتأطر سياسياً واجتماعياً وثقافياً واعلامياً.اليوم، نحن أمام تحدي ابتعاث حيوية الهوية الفلسطينية مجدداً وإثراء تكوينها في التعدد والتنوع، لا التشظي والتشقق، وفيالاختلاف، لا الاختلافات، وفي المشترك والموحد، لا التطابق والأحادية،وفي الانفتاح، لا الانغلاق أو الذوبان، كما بناء استراتيجيات تمكين وتعزيز مقومات صمودها وتصديها وانتصارها في لغة وسردية وثقافةثوريةمبدعةفي قدرتها على مقاومةثقافة الهزيمة والضحيةوالكبت التي كرستها النظم القائمة واشتغلت عليها لتأبيد سلطاتها. اليوم نحن أمام تحدي أسئلةإنتاج ثقافي لا يتراوح ما بين المشاركة في منظومة أوسلو أو التفاعل معها من خلال الاحتجاج فقط، بل يبدع في إعادة هيكلةالمنظومة الثقافيةبشكل جذري وتوظيف التنويع في الأدوات والتقنيات والأشكال السردية والفنيةللاشتباك مع التاريخ والتخيل والتبشير بعودةالبرنامج التحرري ثانيةمن رحم القلق والعذابات والانتكاسات وخيبات الأمل والطموحات والأتواق والأحلام. ومن منبر مجلة الهدف وكل حقيقة فلسطيناللا ناقصة واللا منقوصة، ندعوا إلى مبادرة على صعيد العالم وبمشاركة أوسع عدد ممكن منأدباء وفنانين المقاومة إلىصياغة استراتيجية ثقافية بديلة تسعى لقطيعة إبستمية معثقافة أوسلو الانهزامية ـ الإستسلامية،تنظم العلاقة بين مكونات الشعب الفلسطيني في الشتات وداخل فلسطين التاريخية ، وتحل سوء التفاهم بين الأجيال، وتستعيد المفاهيم والقيم والأسس الثورية والتقدمية والرموز البطولية لكفاح الشعب الفلسطيني ومقاومته وقيم الفداء والتضحية والصمود والشهادة ونضال الأسرى ودلالاتهم الثقافية والتاريخية في انعاش الذات والشخصيةوالهوية الفلسطينية.

