"يشبه الأمر إلى حد كبير بناء مفاعل نووي صغير وسط حي مكتظ بالسكان مثل حي تل الهوا في مدينة غزة على يد علماء محدودي الخبرة، دون حساب أو تخطيط لما سيحدث للمواطن الذي يسكن هذه المنطقة بعد ذلك"، هذا ما قاله المواطن وائل اللحام من حي قيزان أبو رشوان تعقيبا على مشروع مكب ترحيل النفايات الذي ستقيمه البلدية في منطقته .
فبعد أن حولت بلدية خان يونس بركة جمع مياه الأمطار غرب حي الأمل في المدينة إلى نقطة تجميع لمياه الصرف الصحي أثناء تولي فايز أبو شمالة منصب رئيس البلدية، تسعى الآن ورئيسها يحيى الاسطل إلى تدشين مكب النفايات الصلبة في منطقة قيزان أبو رشوان، فوق المياه الجوفية المتبقية في كل قطاع غزة، بالرغم من أنها لا تقدم أبسط الخدمات لأهل هذه المنطقة.
منطقة قيزان أبو رشوان الواقعة بين خان يونس ورفح، التابعة لإدارة الحكم المحلي صنفت محمية زراعية بامتياز باعتبار أنها المزود الرئيسي لسلة خضراوات خان يونس والمناطق المحيطة بها، تحتوي في باطن أرضها على بحيرة المياه الجوفية المنحصرة، حيث يوجد في المنطقة 12 بئر مياه عذبة تزود المحافظة بأكملها .
و بحسب مسودة قانون نظام إدارة النفايات الصلبة فان النظام ينص في المادة (11،12) على معاير اختيار مكب الترحيل، ومنها أن يكون بعيدا عن التجمعات السكنية، وان لا يكون اتجاه الرياح نحو السكان، وان لا يكون في مناطق مرتفعة، وان يكون بعيدا عن الموارد والمصادر الطبيعية، والعديد من الشروط الفنية الصارمة في حال توفرت شروط المكان.
الخبير المائي الفلسطيني الدكتور مصطفى الحاوي أستاذ الإدارة البيئية في جامعة الأقصى استعرض بالتفصيل مخاطر هذا المكب التي من شأنها أن تؤثر على حياة المواطنين قائلا :" الآبار الجوفية لا تبعد عن المكب 50 مترا، والمعروف أن النفايات الصلبة لها سوائل تشكل نسبة 70% وهي اخطر من أنواع عديدة من السموم، وإذا تسربت هذه السوائل إلى البئر الجوفي ستسبب العديد من الأمراض ،مرورا بانتشار الحشرات والقوارض ، وروائح المكب التي قد تنقل أنواع خطيرة من البكتيريا للأطفال".
موضحا أن الجهة المنفذة للمشروع اهتمت بآليات إنشاء المحطة الدائمة في منطقة صوفا، لكنها لم تهتم بإنشاء محطة الترحيل غرب خان يونس وخضعت لشروط الممول ولم تبذل الجهد المطلوب للدراسة البيئية المتخصصة لإقامة مثل هذه المكبات وتتبع الإجراءات الصحية والبيئية التي بدورها تنقله للجهات المسئولة، ومن ثم تتشارك مع السكان في اتخاذ القرار المناسب ،وتجيب على تخوفاتهم واستفساراتهم التي تضمن سلامتهم وسلامة البيئة .
وائل اللحام ماجستير الكيمياء التطبيقية وأحد سكان الحي العاملين في زراعة الخضراوات، تحدث عن أثر المكب على الزراعة في المنطقة قائلا :" إنشاء مكب نفايات في المنطقة يعني أننا أمام كارثة بيئية تتمثل في انتشار العديد من الفيروسات والآفات الزراعية التي ستقضي على محاصيلنا، وإذا حدث ذلك سنضطر إلى استخدام مبيدات أكثر فعالية، مثل مبيد "الكونفادور"، والمصنف دوليا على انه مادة مسرطنة، وبكل تأكيد هذا سيعود بالضرر على المواطنين في المدينة بأكملها".
مضيفا إلى أن هذا المشروع تم نقله أربع مرات في مناطق مختلفة، والمرة الأخيرة إلى منطقتنا وهذا فيه ضرر حقيقي على المواطنين في المنطقة وسيعمل على تهجير أهل المنطقة على طريقة "مشروع برافر" في النقب لكن بطريقة ناعمة.
وفقا لما ورد في قانون البيئة الفلسطيني لعام 1999م ، تنص المادة (5) منه على أن لكل شخص فلسطيني حق العيش في بيئة سليمة ونظيفة والتمتع بأكبر قدر ممكن من الصحة العامة والرفاهية، وحماية ثروات الوطن وموارده الاقتصادية.
أبو حسام المجايدة أحد المزارعين في قيزان أبو رشوان تعرض للضرب هو وابنته أثناء مشاركته في الاحتجاجات الرافضة لإنشاء المكب يقول :" وجهنا أكثر من 18 رسالة إلى جهات عديدة أبرزها، وزارة الزراعة، وكالة الغوث، سلطة المياه، القوى الوطنية والإسلامية، قيادة حركة حماس في خان يونس، والعديد من القيادات في قطاع غزة، ولم نلقَ أي اهتمام، وتوجهنا إلى مكتب مدير عمليات الاونروا في المنطقة الجنوبية محمد العايدي، فرفض مقابلتنا بحجة أن ليس له علاقة بالمشكلة".
مؤكدا أنهم قاموا بتنفيذ عدة فعاليات واحتجاجات على مدار الأسابيع السابقة، كان آخرها لقاء " المواطن والمسؤول " الذي نفذه مركز نوار التربوي وتهرب من حضوره مسؤولين من بلدية خان يونس و وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "اونروا ".
مدير دائرة النفايات الصلبة في سلطة جودة البيئة بقطاع غزّة م.محمّد مصلح، أوضح أن المشروع المزمع إنشاؤه، هو مكان لتجميع نفايات محافظة خان يونس، ليتم ترحيلها إلى المكبّ الرئيسي.
المحافظة التي تُنتج نحو 100 طن من النفايات الصلبة يومياً، تنتشر بها المكبات العشوائية التي يُقيمها المواطنون، بسبب بعد المكب الرئيسي جغرافياً، ما استدعى البلديّة للجوء لمشروع محطّة الترحيل"، كما يقول م. مصلح
وحول الإجراءات الوقائية التي اتّخذتها الجهات الحكومية المُختصة، لدرء مخاطر محطة تجميع النفايات، ذكر م.مصلح أن المكان سيُصمّم من الناحية الهندسية خصيصاً لغرض تجميع النفايات.
واختزل مدير دائرة النفايات بالوزارة السلبيات المتوقّعة من إنشاء المحطة هو انبعاث الروائح الكريهة من النفايات، التي من شأنها إزعاج المواطنين في المحيط.
بوابة الهدف نشرت خلال الأسابيع الماضية تقريرا يوثق مشكلة المياه التي تتعرض لها محافظة خان يونس تحت عنوان " خان يونس تموت عطشاً والمسؤولية على المجهول"، ذكر فيه مدير المكتب الإقليمي لمصلحة بلديات الساحل م.حاتم أبو الطيف أن هناك نسبة عجز كبيرة في المخزون الجوفي، وأن الآبار الوحيدة التي تغذي خان يونس موجودة في قيزان أبو رشوان.
م. أبو الطيف رفض الإجابة على سؤال مراسل الهدف حول إذا كان المكب سيؤثر على الآبار الجوفية قائلا :" لا استطيع الإجابة على هذا السؤال"، بالرغم من تأكيده سابقا أن مياه البحر ومياه الصرف الصحي أثرت على جودة المياه في الخزان الجوفي .
يبقى التساؤل ما الفرق بين آبار المياه العذبة في منطقة قيزان أبو رشوان التي ستغرق في حال نفذ المشروع بعصارة النفايات، والآبار الموجودة على الحدود المصرية التي أغرقها الجيش المصري بمياه البحر المالحة ؟.

