عرف التاريخ الكثير من تيارات الفكر الاجتماعي، وجزء منها كان له أثرًا كبيرًا في النقد الاجتماعي، لكن تأثير الماركسية ال لينين ية بقي وسيبقى كبيرًا وذو طابع خاص كونها النظرية الأكثر التصاقًا بطبقة العمال والداعية لفهم الواقع فهمًا ماديًا عقلانيًا على طريق تغييره بشكل ثوري وجذري.
إن النظرية الماركسية وسياسة تحويل العالم تحويلًا ثوريًا ترتكزان على معرفة القوانين الموضوعية للتطور الاجتماعي، وفقًا للتحليل العلمي الدقيق للواقع الملموس بكل جوانبه وزخمه الحي. كما أن الماركسية بوصفها علم التحرر تحتاج بحد ذاتها إلى تطوير حر؛ فهي ليست عقيدة جامدة، حيث أن تعميم التجربة الحية، وتبادل الآراء والمناقشات بحرية، يعتبر شرط ضروري لوجود وتطور الماركسية بوصفها علم.
لا يحتمل التحليل الماركسي اللامبالاة التي تنقلب إلى جمود عقائدي عقيم؛ فالفكر الماركسي يحركه السعي الدائم إلى الحقيقة والعدالة، هذا السعي الذي تلهمه أهداف عظيمة قوامها تحرر البشرية وتقدمها، وعليه؛ وجب على القوى والأحزاب الشيوعية وجميع القوى الثورية والديمقراطية تفهم الواقع الراهن، وتكييف استراتيجيات عملها وبرامجها وفقًا لهذا الواقع وخصوصيته، فهي تحتاج إلى النظرية الماركسية التي اغتنت وتغتني بالتجربة التاريخية.
الماركسية تعبير عن متطلبات تقدم البشرية الاجتماعي:
نشأت الماركسية على إثر تطور الرأسمالية العاصف في القرن التاسع عشر في جميع دول أوروبا وأمريكا الشمالية، وما أبانه هذا التطور من دور أساسي للاقتصاد في حياة المجتمع والشعوب. وقد ولدت الرأسمالية الطبقة العاملة المدعوة بحكم وضعها في نظام الإنتاج الاجتماعي، إلى تحرير المجتمع من الاستثمار الرأسمالي.
قبل نشوء الماركسية كانت الطبقة العاملة قد اجتازت مرحلة مديدة من التكوين والتطور، وقد رأت النور في القرن الخامس عشر. آنذاك لم تكن الطبقة العاملة قد انفصلت وتميزت عن قوام الحرفيين وشغيلة الإنتاج المانيفاكتوري، ولم تكن أشكال نضالاتها تتميز بدرجة كافية من النضوج، حيث بدت نضالات الحركة العمالية عشوائية ومناهضة للتكنولوجيا، وتمثل ذلك في حركة اللوديين في بريطانيا الذين ثاروا ضد الآلات وحطموها. ومع تطور الإنتاج الصناعي، أخذت تتكون البروليتاريا الصناعية التي أصبحت لاحقا نواة الطبقة العاملة.
في أواسط القرن التاسع عشر ازدادت حدة التناقضات بين البرجوازية والبروليتاريا وبدأت حركة العمال تأخذ طابعًا سياسيًا تجلى ذلك في انتفاضتي نوفمبر 1831 في فرنسا وأبريل 1834. كما تبدى وعي الطبقة العاملة السياسي في الحركة الشارتية في إنجلترا ومنها أنشئت رابطة عمال لندن للنضال من أجل الحق الانتخابي العام، وبعدها أول حزب بروليتاري.
إن النضالات السياسية المستقلة الأولى التي قامت بها البروليتاريا في البلدان الأوروبية الرئيسية قد أوجدت مقدمات فعلية لتحويل الحركة العمالية إلى حركة سياسية مستقلة. وهنا نشأت الحاجة إلى أيديولوجية علمية أصبحت هي الماركسية.
المصادر الفكرية للنظرية الماركسية:
كانت الفلسفة الكلاسيكية الألمانية ممثلة في هيجل وفيورباخ مصدرًا أساسيًا للفلسفة الماركسية، وكان هيجل مثاليًا لذلك اتسم مذهبه عن التطور (الديالكتيك) بطابع مثالي، وما يتطور بحسب رايه ليس العالم الفعلي، بل فكرة مطلقة غامضة يزعم أنها تهب الطبيعة والمجتمع الحياة. لكن فكرة هيجل انطوت على بذرة عقلانية تحت الغلاف اللاعقلاني، تلخصت في فكرة عمومية التطور الذي يجري من خلال انبثاق وانكشاف التناقضات الداخلية، من خلال نفي ما فات زمانه، عبر القفزات والصعود إلى درجات جديدة نوعيا في حركة العالم المتواصلة.
وعلى النقيض من هيجل كان فيورباخ ماديًا ولذا ناضل ضد الشعوذات الهيجلية المثالية، وسعى إلى تفسير الظواهر الروحية من أساسها الأرضي، وهو من وضع في مكان الصدارة فلسفة الإنسان ومشاعره وتطلعاته ومساعيه من جذورها الأرضية. ورأي فيورباخ أن جوهر الإنسان يكمن في معاشرته للإنسان، وكانت هذه خطوة إلى فهم كونية الإنسان التي هي عبارة عن مجموع علاقاته الاجتماعية. لكن فيورباخ ظل مثاليًا في نظرته إلى التطور الاجتماعي، فقد حصر علاقات الإنسان الاجتماعية في العلاقات المثالية الأخلاقية، وفي تحليله فإن الإنسان بدا خارج التاريخ مجردًا، وهذا ما منع فيورباخ من كشف طبيعة الإنسان الاجتماعية، وبالتالي منعه من تحديد سبل تحويل العلاقات بين الناس تحويلًا ثوريًا.
إن مفاهيم هيجل وفيورباخ الفلسفية كانت بوصلة ماركس وانجلز اللذين أعادوا صياغة الديالكتيك بعين ناقده لفلسفة هيجل وفيورباخ. كما وخلص آدم سميث في سياق دراسة المجتمع الرأسمالي إلى أن قيمة البضائع تحددها كمية العمل المنفق على إنتاجها. ومضى الاقتصادي الإنجليزي ريكاردو إلى أبعد مما طرحه ادم سميث، فقد أثبت أن القيمة التي يخلقها عمل العامل هي وحدها مصدر الأجرة ومصدر الربح ومصدر الريع.
اعتبر سميث وريكاردوا القيمة علاقة متبادلة سرمدية من الأشياء، وقد كان ذلك من حيث الجوهر مهمة أيديولوجية لخلود النظام الرأسمالي. لكن كان ينبغي تفهم القيمة بوصفها علاقات تفهم القيمة بوصفها علاقات متبادلة بين الناس مشروطةً تاريخيًا، وهذا ما فتح السبيل إلى فضح سر الاستثمار الرأسمالي، وهذه المهمة أداها ماركس وانجلز. كما كانت أفكار الاشتراكيين الطوباويين مصدر النظرية السياسية للماركسية. فقد كشفت نظريات الاشتراكيين الطوباويين في القرن التاسع عشر تناقضات وقضايا نظرية الاشتراكية، حيث حاول الاشتراكيون الطوباويون أن يستخلصوا الاشتراكية من مبادئ العدالة، ومن حكمة وأخلاق الناس، ولم يعملوا على إيجاد قوى في المجتمع تكون بمقدورها أن تعمل على انتصار النظام الاشتراكي. إن إخفاق هذه المفاهيم قد طرح بكل حدة مسألة الأسس العلمية النظرية الاشتراكية ومسالة ضرورة الانتقال في هذا المجال من الطوباوية إلى العلم. وهذه المهمة وقعت كذلك على عاتق مؤسس الماركسية.
المقدمات من العلوم الطبيعية لنشؤ الماركسية:
إن نشأة الماركسية وتطورها يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتطور العلوم الطبيعية، وتستند الماركسية إلى ثلاث إنجازات في العلوم الطبيعية هي:
- قانون تحول الطاقة.
- البنية الخلوية للعضويات.
- نظرية داروين عن التطور.
يعتبر قانون تحول الطاقة القائل ببقاء وتحول الطاقة أساسًا للاستنتاج الفلسفي ومفاده أن لحركة المادة طابعًا عامًا، وأن هذه الحركة عبارة عن عملية معقدة ومتناقضة، بل تشتمل أيضًا أشكالًا أخرى تترابط فيما بينها بصورة قانونية. وهذا الاستنتاج أكد الصلة المتبادلة بين ظواهر العالم الموضوعي وهي تكوين التصورات المادية الديالكتيكية عن وحدته. كما لعب اكتشاف البنية الخلوية للعضويات الحية دورًا مهمًا في تهيئة النظرة الماركسية إلى العالم؛ فإثبات ظهور وتطور أية عضوية نباتية أو حيوانية يجريان عن طريق تكاثر الخلايا، وانبثاقها واضمحلالها، وهذا ما أثبت الوحدة الداخلية للطبيعة الحية.
ومثلت نظرية داروين التطورية اكتشافًا كبيرًا آخر في ميدان العلوم الطبيعية في أواسط القرن التاسع عشر، فقد صاغ داروين نظرية متكاملة عن أصل الأنواع؛ فبدت الطبيعة الحية عبارة عن عملية عملاقة من التطور التاريخي، وهذه النظرية كانت من حيث الجوهر تطبيقًا عمليًا للديالكتيك المادي على الطبيعة الحية.
بيان الحزب الشيوعي:
حتى تكون الماركسية على صلة وثيقة بتطور الحركة العمالية، فقد اشترك ماركس وانجلز بنشاط في نضال الطبقة العاملة وفي بناؤها السياسي، وعمما تجربة نضالاتها وأعمالها الثورية. وفي سنة 1847 انتميا إلى عصبة العادلين وهي من أولى منظمات العمال التي تأثرت بالغ الأثر بالمفاهيم الطوباوية، وبذل مؤسسا الماركسية جهودًا كبيرة جدا لتحويل هذه المنظمة إلى حزب سياسي يمثل مصالح الطبقة العاملة. وبفضل نشاطهما، اتخذ في المؤتمر الأول لعصبة العادلين في حزيران يونيو 1847 قرار بتحويل المنظمة وتسميتها عصبة الشيوعيين، وفي ديسمبر 1847 تشكل الحزب الجديد على أساس الاعتراف بمبادئ الماركسية. وعهد إلى ماركس وانجلز كتابة الوثيقة البرنامجية للمنظمة الجديدة، وقد صدرت هذه الوثيقة الأساسية "بيان الحزب الشيوعي" في أوائل سنة 1848.
وقال لينين عن هذا البيان: "إن هذا الكتيب يساوي المجلدات الضخمة، فروحه ما تزال حتى أيامنا هذه تنفذ إلى جموع البروليتاريا المنظمة، المناضلة في العالم وتحركها".
ففي الفصل الأول من البيان الشيوعي قدما ماركس وانجلز بالاعتماد على الفهم المادي للتاريخ البرهان على قيمة الثورة الاشتراكية، وقد أشارا في متن البيان إلى أن علاقات الإنتاج الرأسمالي تحفز تطور القوى المنتجة في المجتمع وتدخل في أخر المطاف في تناقض مع هذه القوى، وتصبح كابحًا لتطورها اللاحق، وفي ذات الوقت تهيئ القوى المنتجة في سياق تطورها الشروط المادية للانتقال إلى درجة أعلى في سلم التقدم الاجتماعي. ومع تطور الإنتاج تنمو وتتطور البروليتاريا متنقلة عبر مراحل النضج، وإلى جانبها ينتقل الممثلون الطليعيون للطبقات السائدة ويحملون معهم إلى الحركة العمالية الثقافة والتعليم والمعرفة.
وفي البيان تتبع ماركس وانجلز تطور أشكال نضال البروليتاريا الطبيعي، من الأعمال والنضالات العفوية الأولية عبر النضال الاقتصادي، النضال السياسي، ومن ثم توحيد سلطة البروليتاريا المنظمة في الدولة. إن الضرورة التاريخية لهذه السلطة ترتكز على كون البروليتاريا تبرز بحكم وضعها الموضوعي، باعتبارها الطبقة الأكثر ثورية والقادرة على السير في طليعة تحويل نظام العلاقات الاجتماعية وإعادة بناؤها على أسس الاشتراكية.
كما أشارا انجلز وماركس في البيان الشيوعي إلى أن الشيوعيين هم من لحم ودم الطبقة العاملة إلا أنها تناضل وتمثل المصالح العامة للطبقة العاملة دون أية مصالح شخصية أو ذاتية وبغض النظر عن الخصائص القومية أو المهنية. وقد خصصا ماركس وانجلز قسمًا كبيرًا من البيان الشيوعي لدحض الاختلافات والآراء الباطلة والخرافات التي كانت تروج عن الشيوعيين، وبينا بطلان مزاعم البرجوازيين بأن الشيوعين يريدون القضاء على الملكية والعائلة والقومية والوطن والدين والأخلاق.
وأكدا ماركس وانجلز على مهمتين أساسيتين:
- انتزاع جميع وسائل الإنتاج من البرجوازيين وتركيزها بيد الدولة البروليتارية.
- زيادة مجمل القوى المنتجة بأقصى سرعة وتأمين المقدمات المادية والتكنيكية للمجتمع الجديد.
المادية الفلسفية والتاريخية:
على نقيض التصورات الميكانيكية للمادية ما قبل ماركس، تعتبر الفلسفة الماركسية الوعي ليس كانعكاس فوتوغرافي سلبي للواقع، بل كعملية نشيطة، فعّالة لاستيعاب الواقع ومن ثم التسرب بصورة أعمق فأعمق إلى أسرار الواقع للتأثير فيه، وهذا الفهم للوعي أصبح ممكنًا في الماركسية عن طريق دراسة دور الوعي الاجتماعي.
إن ماركس وانجلز قد استوضحا دور الوعي الفعًال في النشاط العملي للمجتمع وبرهنا أن المادة والوعي يتواجدان في علاقة تبادلية؛ فإن الوعي لا يعكس العالم المادي فحسب، بل يقيم هذا العالم ويغيره بواسطة نشاط الناس العملي. إن مغزى وسبب نشوء الوعي تتلخصان بالذات في تغيير الواقع باتجاه ضروري للإنسان والمجتمع. وقد قال لينين: "إن وعي الإنسان لا يعكس العالم الموضوعي وحسب، بل يخلقه أيضًا".

