Menu

هزة سياسية في الكيان

الكيان في مواجهة النار من لاهاي: ولكن الطريق طويل جدا!

بوابة الهدف - متابعة خاصة

جاء القرار الأخير للمحكمة الجنائية الدولية، ليحدث هزة سياسية عامة في الكيان الصهيوني، ولعل المعنى الرمزي للقرار يأخذ بعدا دراماتيكيا، حيث أنه يعني أن نظام التفضيل والتمييز الإيجابي للكيان ربما انتهى وسيتم معاملته ومعاملة مجرميه على قدم المساواة مع المجرمين الآخرين.

وبينما يزعم الكيان الصهيوني أن القرار الذي صدر على حين غرة، يشكل فضيحة قانونية، فإنه بشكل من الأشكال يعتبر انتصارا فلسطينيا، وانتصارا للعدالة الدولية، التي طالما خضعت للشك في نزاهتها وحياديتها، ولكن الميزان ينقلب الآن، فالكيان الذي طالما كان مطمئنا وسعيدا بهذه العدالة التي تستثنيه بدأ هو الآن وبحملة محمومة التشكيك بها، والادعاء بانحيازها للفلسطينيين.

ما هي المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي؟

بدأت المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي عملها في عام 2002 بهدف محاكمة المسؤولين عن ارتكاب أخطر الجرائم الدولية، بما في ذلك جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية.

تقرر أن يكون للمحكمة اختصاص على الدول غير الأعضاء فقط عندما يحيلها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة للتعامل مع الوضع.

وحتى الآن صادقت 123 دولة على دستور المحكمة وانضمت كأعضاء ولكن الكيان ليس عضوا فيها، وزعم موقع وزارة العدل الصهيونية أن "إسرائيل اضطرت إلى معارضة الصياغة النهائية للمحكمة ، ويرجع ذلك أساسًا إلى ظاهرة التسييس غير اللائقة ، وأثارت مخاوف بشأن الاستغلال السياسي للمحكمة الجنائية الدولية".

ولكن هذا لم ينفع، فبعد تحقيق استمر قرابة خمس سنوات، أعلنت المدعية العامة في محكمة لاهاي، باتو بنسودا، أنها مهتمة بفتح تحقيق كامل في جرائم الحرب في الضفة الغربية وقطاع غزة، مضيفة "أنا مقتنعة بأن هناك أساسا معقولا لبدء تحقيق، أنا مقتنعة بان جرائم حرب ارتكبت أو يتم ارتكابها في مناطق يهودا والسامرة و القدس الشرقية وقطاع غزة".

وفي الوقت نفسه ، أكدت المدعية أنه بسبب الوضع الفريد لتلك الأراضي، لجأت إلى قضاة المحكمة التمهيدية لمحكمة العدل الدولية لتقرير ما إذا كان للمحكمة اختصاص التحقيق في هذه المسألة.

ماذا تعني المدعية العامة في لاهاي بالضبط عندما تتحدث عن "جرائم حرب" في الأراضي الفلسطينية؟

أولاً وقبل كل شيء، تدعو إلى إجراء تحقيق في ما إذا كانت "إسرائيل" قد ارتكبت جرائم حرب فيما يُعرَّف بأنه نقل السكان إلى الأراضي المحتلة، أي المستوطنات. بالإضافة إلى ذلك ، تقول بن سودا إن إطلاق الجيش الصهيوني النار على الفلسطينيين في مسيرات العودة في غزة يجب أن يتم التحقيق فيه، وأنه ينبغي أيضًا النظر في التحقيق في أحداث عملية "الجرف الصامد"، تقصد العدوان على غزة عام 2014.

الكيان يتمسك بمقولة إنه ليس عضوا في المحكمة، وأن الفلسطينيين ليس لديهم دولة، فلا يمكن للمحكمة مناقشة الأمور المتعلقة بالصراع "الإسرائيلي" الفلسطيني.

وهذه هي المرة الثالثة التي يطلب فيها الفلسطينيون استجواب "إسرائيل"، حول جرائم الحرب، وكانت المحكمة قد رفضت في المرتين السابقتين الاستماع إلى الطعون نفسها.

ماذا سيحدث الان؟

الآن بانتظار رأي القضاة في المحكمة، وإذا قرروا فتح تحقيق - فهذه ليست أقل صدمة قانونية "لإسرائيل". التحقيق يعني مذكرات توقيف محتملة ضد ضباط كبار في الجيش الصهيوني، وضد أعضاء في المستوى السياسي في الكيان، أي سياسيين، في أكثر من 120 دولة عضو في المحكمة.

أبعد من ذلك ، إنه زلزال على المستوى السياسي. مثل هذا التحقيق من شأنه أن يضع الكيان، من حيث المحكمة في لاهاي، على قدم المساواة مع البلدان الأخرى التي يريد الكيان التنصل منها بسبب الجرائم المرتكبة فيها، كما سيتعين على الكيان اتخاذ قرار بشأن ما إذا كان سيتعاون مع التحقيق أم لا، وما إذا كان سيتصرف لفرض عقوبات على ممثلي المحكمة - كما فعلت الولايات المتحدة بعد إعلان المحكمة نيتها فتح تحقيق ضد جنود أمريكيين.

لكن يلجأ الكيان أيضا إلى هجوم في مكان آخر، إذ يزعم مراقبون أن المحكمة زودت الرئيس الفلسطيني محمود عباس بإنجاز يستخدمه داخليا، لإجبار "إسرائيل" على التفاوض بمعاييره من جهة، ولتكريس حكمه من جهة أخرى.

ورغم أن التحقيق يطال أيضا المقاومة الفلسطينية، حسب معايير المحكمة، إلا أن القلق الصهيوني نابع من أن قادة المقاومة أصلا لا يسافرون إلى أوربا أو أي دول أخرى، ويبقون بعيدين عن سلطة الملاحقة، على عكس الضباط الصهاينة فالتهديد المحتمل الذي سوف يحوم، حتى لو لم يكن في المدى القريب، على كبار المسؤولين الصهاينة الذين يزورون واحدة من 123 دولة موقعة على معاهدة روما ويلتزمون بقرارات المحكمة - وهذا بالضبط ما أرادت السلطة الفلسطينية تحقيقه، تأثير الردع أو على الأقل غرس شعور بالخوف في نفوسهم بعدم التجول بسهولة خارج حدود كيانهم.

وحتى لو أثبتت "إسرائيل" أنها حققت في "الجرائم" المنسوبة إليها في عدوان 2014 بطريقة ترضي المحكمة وتتجاهل التحقيق الدولي في الموضوع، فستجد صعوبة في مواجهة التحدي الرئيسي: كيف تبرر سياسة الاستيطان في الضفة، ولاشك أن تصريح وزير خارجية ترامب مايك بومبيو قبل شهرين ونصف الشهر بأن المستوطنات قانونية لن ينجح هنا على الأرجح.

صحيح أن الطريق إلى إصدار أوامر القبض وتقديم لوائح الاتهام طويل، وقد يستمر إلى الأبد أو ينتهي بلا شيء. هناك عدد غير قليل من الأمور التقنية، والأمور الأساسية تتطلب أيضًا وقتًا. و موقف الإدارة الأمريكية بشأن كيفية الرد على "الضوء الأخضر" الذي أعطته المحكمة الجنائية الدولية بفتح تحقيق ودفع القضية من قبل السلطة الفلسطينية لم ينته بعد. بالإضافة إلى ذلك، لا يُعرف كيف ستتأثر وتيرة وعملية الاستبدال الصيفي المتوقع للمدعي العام للمحكمة، باتو بنسودا ، أو أي سيناريو آخر مثل استئناف المفاوضات السياسية بين "إسرائيل" والفلسطينيين.

على أي حال ، فإن التهديد من لاهاي يتشكل تدريجياً أمام أعين الصهاينة، وقد يتسبب ذلك في قدر كبير من المتاعب "لإسرائيل" ويرى مراقبون صهاينة أن من حسن الحظ أن الضم لم يتم وإلا لكانت مشاكل الكيان في المحكمة أصعب وأكثر تعقيدا.