Menu

ألان باديو: لمواجهة السوفسطائية الجديدة

Alain_Badiou-2.jpg

ترجمة بتصرف: عبد الكريم وشاشا

(نوفيل أوبسرفاتور: عدد خاص: لنفهم كبار الفلاسفة أبريل 2019)

في قراءته الخاصة لجمهورية أفلاطون، يحاول ألان باديو (Alain Badiou) إقناعنا بقوة الروح المعاصرة لهذا النص العريق التي لا يزال يحملها هذا العمل الرئيسي لأفلاطون الذي يلعب فيه سقراط دور المواجهة للسوفسطائية والديماغوجية حول قضية العدالة، ومن خلال ذلك يقدم لنا نظرته للمدينة المثالية..  في جمهورية ألان باديو، تم الإخلال بترتيب الفصول، أما الكهف المشهور فقد أصبح صالة سينما عريضة يظهر فيها تباعا كل من لاكان وماركس وشكسبير  و.. أديمونت، أحد الشباب الذي كان يحاورهم سقراط، والذي تحول إلى أمونت، أي إلى شخصية نسائية؛ فإذا كانت عصرنة هذا النص تفرض علينا أحيانا أخذ مسافة من النص الأصلي، فهي تكشف في الوقت نفسه حسب المؤلف، وفاءً كبيرًا لأفلاطون. كما أن المغامرة أو التمرين الذي أقدم عليه باديو محفوف بالمخاطر ويخيف العقول المحافظة، لكنه يعطي للنص نفسًا حقيقيًا، بفضله يضع باديو تقييمًا للخطاطة الأولى للمجتمع الشيوعي المتضمنة في النص الأصلي.

لماذا في نظركم، أفلاطون هو أعظم الفلاسفة؟

  يعتبر أفلاطون مكتشف الفلسفة، لكن في نظري ما يجعله فيلسوفًا استثنائيًا هو التغيير الجذري الذي قام به عندما حول الفلسفة إلى حوار ونقاش وجدل، فكل ما يمكن أن نعرضه من أفكار يصبح محل مناظرة، وقابل للنقد والتفنيد، بذلك أحدث قطيعة مع الخطاب التقليدي المقدس، خطاب الآلهة والملوك والكهنة وحتى خطاب المعلم أو "الأستاذية" من أجل حقيقة الخطاب نفسه وسلطته ليس إلا.. من جهة أخرى ما هو جدير وعجيب عند أفلاطون أنه لا يتخلى أبدًا عن إمكانية وجود حقيقة ما أو حتى فكرة مطلقة.. فالحقيقة ثابتة ما دامت معروضة للنقاش، لكنها أبدًا غير مضمونة.

هناك نقطة أخرى تجعلني أحب أفلاطون هو الاستعمال أو التعاطي الأفلاطوني مع الفلسفة، فالتفكير لا ينطلق من أي شيء، كما أنه، لا يعتمد على أي شك منهجي، بل بالعكس من ذلك إنه يتحرك في عالم تم إنشاؤه من الأفكار، حيث يمكن لنا أن نجد الرياضيات، المسرح، الشعر، السياسة، والحب أيضًا، وفي قلب هذه الاستلهامات، نجد سقراط، كواجهة للحوار، بهذا أمكن للفيلسوف تقييم وتطوير كل معطيات زمانه.

لم نشاهد من قبل انتشارًا كاسحًا للسوفسطائيين كما نشاهده اليوم؛ أشخاص حسب أفلاطون، قبل كل شيء يعتمدون على قوة الإقناع بدلًا من الحقيقة؟ هل هم الآن يمتلكون سلطة أكثر مما كانت لهم في عصرهم؟

كانت سلطة السوفسطائيين في أثينا القديمة هائلة، فكل القرارات السياسية يتعلق مصيرها مباشرة ببلاغة خطاباتهم وفصاحتها وقوة الإقناع التي تحملها. في الواقع كانوا يتقاضون على هذا أجرًا جيدًا.. لنلاحظ حتى السوفسطائيون الذين يعيشون اليوم بيننا لم يعودوا محتاجين، فقد تحسنت أحوالهم جدًا! بينما سلطتهم لم تعد مرتبطة بالديمقراطية المباشرة،    - المعدومة تقريبًا في مجتمعاتنا- ولكن مرتبطة أكثر بالإعلام؛ فالسوفسطائي المعاصر يقدم نفسه كأنه يمتلك رأيًا في كل القضايا، فلهذا يطلقون عليه "فيلسوف"، إذن فهذا "الفيلسوف الجديد" والذي هو في الحقيقة ليس إلا سوفسطائيًا، يرفض أن يعرض وجهة نظره للنقد، كما يدعو بذلك أفلاطون، لكنه يبرع في فن الكلام والحديث في كل شيء وفي أي شيء في وسائل الإعلام الجماهيرية.

لكن، ما يزيد غموضًا في التمييز بين الفيلسوف والسوفسطائي هو أنهما شخصيتان لا يمكن أن توجدا إلا في إطار ديمقراطي، سواء في اليونان القديمة بين الجموع، أو اليوم في أستدويوهات الإذاعة والتلفزة؛ فحرية الرأي والتعبير يجب أن تكون مكفولة حتى يتمكنا هما الاثنان من الكلام، وبإمكاننا أيضًا أن نتخيل أنهما يمكن أن يتضامنا أو يتحالفا فيما بينهما أمام نظام استبدادي قمعي. بينما في الحقيقة، بالنسبة لأفلاطون؛ فحرية الكلام هذه ليست هي جوهر القضية، فهي فقط شرط ضروري لتمرين التفكير. 

(.....)        

يقول سقراط في جمهورية أفلاطون، بأن كل شخص يحمل بداخله إمكانيات وقدرات فلسفية، كيف يمكن لنا تطويرها؟

قبل كل شيء يجب أن تتوفر لدينا شروط ذلك، بمعنى أن نكون مهتمين وشغوفين بالأعمال الفنية والإبداعية وملمين ببعض تطبيقاتها ونمتلك حد أدنى من المعلومات العلمية، وأيضًا أن نساهم في الحياة السياسية... كل هذا يغني الحياة الإنسانية، وهذا، لا يجب أن نقوم به كواجب مدرسي، بل أن يكون بالفعل في مركز اهتماماتنا وانشغالاتنا قلبًا وقالبًا، عكس ما نظن أن قراءة الأعمال الفلسفية هي أول شيء يجب أن نبدأ به.

وفي الخطوة الثانية، يجب أن تكون لدينا القدرة على التمييز بين الفلسفة والسوفسطائية، فهي مسألة ضرورية لنواجه ونميز ما تبثه وسائل الإعلام اليوم، علينا أن نستطيع الدفاع والانتصار تناظريًا وحجاجيًا لما نعتبره رأيًا صحيحًا، وأطلق على هذا "مهمة الصحافة الجديدة"، وهذا ما يحتاجه عصرنا بإلحاح. فأنا أنتظر من هذه الصحافة الجديدة، أن تتحلى بالصرامة والدقة، وأن تكون أكثر تعليمًا وتثقيفًا وتوثيقًا، وتمتنع عن السقوط في الأشياء السهلة وأن لا تتكلم وفي الأخير لا تقول شيئًا. فأي حدث يحدث اليوم كيفما كانت طبيعته، يتم فورًا تركيبه وصياغته بالرأي المهيمن.. فالتأني وأخذ المسافة النقدية وعمق التفكير والتحليل كل هذا تم اكتساحه من طرف الصحافة السوفسطائية.

وأخيرًا، لتطوير قدراتنا الفلسفية، يجب أن نتعلم كيف نشك في قناعاتنا ويقيناتنا، فمن بين الأفكار الأكثر سيطرة على قلوبنا، من المفيد جدًا أن نحاول أن نعرف من أين هي جاءت؟ وكيف ولدت داخل عقولنا؟ فهذا التمرين هو نموذج سقراطي وأظنه في غاية الأهمية. فإذا كانت الفكرة لم يتم تسجيلها على الوضع الإيجابي، يجب البحث عن إعادة بناء تاريخها.. من قالها لك؟ من علمك إياها؟ أين سمعتها وأين قرأتها؟ أن تقتفي أثر فكرة، يعني إدراك أن أغلب هذه الأفكار لديها مسيرة مشوشة مرتبكة ومن المهم بمكان التأكد من ذلك.. وهي أيضا دعوة لعدم الانخراط سريعًا في الدفاع عن قناعة ضد أخرى.                 

(.......................)