Menu

بعد أن طال الشتات: وداعًا مريد البرغوثي

أحمد بدير

الراحل الكبير مريد البرغوثي

خاص بوابة الهدف

"من ينشغل بحزنه على فقد المحبوب ينشغل عن المحبوب، الآن أطلب من حزني أن يتجه إلى أقرب بوابة ويغادر هادئًا كما أشاء أو هادرًا كما يشاء لكن دون أن يلفت الأنظار".. بهذه الحروف ودّع مريد البرغوثي زوجته الأديبة المصرية الراحلة رضوى عاشور يومًا ما، واليوم، برحيله ربّما نعيد نحن الكرّة، ونبكي هذا الرحيل في "ليلة مجنونةٍ" تُسمع فيها "رنة الإبرة"، ونودّعه بعد أنّ "طال الشتات".

ودّع الأديب والشاعر الفلسطيني مُريد البرغوثي (77 عامًا) عالمنا مساء الرابع عشر من شباط/ فبراير الجاري، في العاصمة الأردنية عمّان، بعد مسيرةٍ مليئةٍ بالعطاء، رافضة لمغريات المواقع والألقاب، حيث ظلّ رافضًا مبدئيًا لأيّة "حلول" تنتقص من حق شعبنا الفلسطيني في الحريّة والاستقلال، ما يشكّل خسارةً كبيرة لشعبنا وقضيته وللشعر والأدب العربي والفلسطيني.

كان مثقفًا نقديًا

يقول المؤرّخ الفلسطيني د.ماهر الشريف في رحيل البرغوثي: "لم يكن شاعرًا مرهف الإحساس، خلّف لنا 12 ديوانًا شعريًا، وكاتبًا ترك لنا سيرة روائية جميلة "رأيت رام الله" صدرت في طبعات وترجمات عدة، وحازت جائزة نجيب محفوظ للآداب، فحسب، وإنما كان، في الأساس، مثقفًا نقديًا حذّر من انشغال الفلسطينيين عن صراعهم المصيري ضد الصهيونية ومشروعها بقضايا ثانوية، ورفض تجزئة الشعب الفلسطيني الواحد، واعتبر أنّ رواية الفلسطيني التاريخية لصراع على الأرض اندلع قبل أكثر من قرن من الزمن هي أحد أهم مكونات هويته الوطنية، فكتب: "لكن انزلاقات كامب ديفيد وأوسلو وحدها لا يمكن أن تبرر انزلاق المثقفين إلى اعتناق "معنى" عكسيّ للقضية برمتها وإلى غيبوبة واعية تبدد الجوهريّ وتموت فيها مفاهيم بأكملها. كيف يفسر لنا مثقفونا السعداء سكوتهم عن موت المعنى الفلسطيني وإسقاطه من عقولهم وكتاباتهم؟ هل يغتفر لمثقف أن يقبل إعادة تعريف نقطة البداية في صراعنا التاريخي الطويل فلا يبدأ تحليله السياسي إلا من نقطة الرابع من حزيران أو الخلاف بين فتح وحماس، أو حصار غزة، فيشتري من السياسي العابث مفردات مثل «هم بدأوا لا نحن» «لا بد أن ينصاعوا وإلاّ» ثم ينقسم المثقفون على مقياس انقسام سياسييهم وبنفس درجة العمى عن مسارات تاريخية بأكملها، لأن الثقافة الراضية السعيدة كانت تمارس نعاسها الأبدي وتحصر الصراع في ربع ساعته الأخيرة؟ هل يعقل أن تصبح «المصالحة» التي يهندسها أمنيون في دول الجوار هي القضية الفلسطينية! وهل يغتفر للمثقف السعيد أن يقبل إعادة تعريف الشعب الفلسطيني بصفته سكان مناطق السلطة الفلسطينية فقط، فلا يقترب من قضايا شعبنا الباقي في أرضه منذ انفجار الصراع على الساحل الأول أو قضايا أبناء الشتات واللجوء والنزوح والمخيمات والمنابذ والمنافي؟ وهل يعقل أن يشتري المثقف تلويث المصطلح ويتبناه فيصدق أن عملية السلام سلام وأن البرلمان برلمان وأن الانتخابات انتخابات وأن الشرعية شرعية وأن المعارضة معارضة وأن الواقعية واقعية بينما الواقع يقول لنا إن الأسماء زاغت عن مسمياتها ونأى عن اسمه كل مسمّى؟" ("الثقافة الفلسطينية: إني اتهم"، "فلسطين" ملحق صحيفة السفير، حزيران 2010). مريد البرغوثي وداعاً.. تفتقدك الثقافة الفلسطينية النقدية أيها الأديب المبدع".

وبدوره، قال الكاتب والروائي الفلسطيني مروان عبد العال من بيروت، إنّ "رحيل مريد البرغوثي مؤلم للغاية، خاصة وأنّنا نودّع أسماءً ليس من السهل أن ترحل، ربما أجسداهم هي من ترحل، لكن الإرث الكبير الذي تركته هذه الأسماء في العالم الفكري والأدبي والثقافي بالغ الأثر".

"لا أعرف ما معنى عالم الثقافة بعد غياب مريد"

وأكَّد عبد العال خلال حديثه لـ"بوابة الهدف"، أنّ "مريد له بصمة هائلة في الروح الفلسطينيّة وواحد من الذين أسّسوا لهذه الروح وأخذوا طابع الأدب الجميل والناقد الذي يلامس أوجاع الناس خاصة الذي سجله في المنافي والشتات والذي لم يكتب عنه بل عاش كل اللحظات متنقلاً في أكثر من منفى، من بيروت إلى عمّان إلى بودابيست إلى القاهرة ومن ثم إلى بيروت مرّة أخرى، أي لامس كل أشكال هذا الوجع خاصةّ في كتابه الثمين جدًا الذي خرج فيه بعد زيارته إلى رام الله".

وشدّد عبد العال على أنّ "تجربة مريد البرغوثي غنيّة بلا شك وأضافت درس كبير وليس بالسهولة أن نقول أنّ مريد البرغوثي قد رحل، ولا أعرف ما معنى عالم الفكر والأدب والثقافة بعد غياب شخصيّة مثل مريد"، لافتًا إلى أنّ "الوفاء لمثل هذه القامات يكون بإحياء هذا الإرث الثقافي الكبير وتجدّده ويكون في مقدمة الحركة الوطنيّة والمعركة مع الاحتلال، والنقيض الكامل لثقافة التطبيع وثقافة اللامعنى والاستهلاك هو مريد وإرثه، وعندما يتجدّد مريد يتجدّد سلالة من الشعراء، وهو لم يُورّث هذه الموهبة الكبيرة والمبدعة لابنه تميم فقط بل كان زء من فريق كبير وجدّي يجب أن يسعى ليخلّد هذا الأدب وهذه العطاءات في إطار تكريم هذا الكاتب العظيم".    

رحيله المفاجئ صدمة كبيرة

وفي ذات السياق، قال الشاعر الفلسطيني الشاب جواد لؤي العقاد لـ"بوابة الهدف"، إنّ "الرحيلُ المفاجئ للروائي والشاعر الكبير مريد البرغوثي شكَّل صدمةً كبيرة للوسط الثقافي العربي، فهو شاعرٌ له حضورُه الإنساني الواسع ليس بالمعنى الجماهيري الفوضويِّ وإنَّما قصيدةُ مُريد تتسلّل إلى عمق النفس البشريّة، لأنَّه يحولُ المعنى البسيط العادي إلى آخر شعري فخم".

وبيّن العقاد أنّ "مريد حفر في رائعته "رأيت رام الله" مأساة المغترب وتشوّقه وقلقه الوجودي، ومات في بردِ المنافي! غادره الحزنُ وعصفَ بنا، ولد هنا ومات هناك، هنا في رام الله التي أوجعها غيابُ السنين وأفجعها الموتُ، وهناك حيثُ الحياةُ موجعةٌ أكثرُ من الموت، في المنافي التي تكبر في القصائد".

وتابع العقاد: "لم تكتفِ رام الله يا مُريد بالعودة المؤقتة، كان عليكَ أن تعانقَها أكثر، وتمزجَ قصائدك بزعترها البلديِّ إلى أقصى فضاءٍ في المعنى، وندبةٍ في قلوبنا.. وداعًا يا مريد".

"بوسعنا الآن أن نقول لأطفالنا إن النعاس لن يظل نصيبهم إلى الأبد، ولا إلى بعض الأبد. لكن علينا أن نعترف لهم ولأنفسنا قبلهم بأننا مسؤولون أيضًا. جهلنا مسؤول. قصر نظرنا التاريخي مسؤول، وكذلك صراعاتنا الداخلية، وخذلان عمقنا العربي المكوّن من دول معجبة بمستعمريها حد الفضيحة"، قال مريد يومًا.

يُشار إلى أنّ مريد البرغوثي ولد في قرية دير غسانة القريبة من مدينة رام الله بفلسطين في الثامن من يوليو/ تموز 1944، وتلقى تعليمه في مدرسة رام الله الثانوية، وعام 1963 سافر إلى مصر للالتحاق بجامعة القاهرة، التي درس فيها اللغة الإنجليزية، وتخرّج في عام النكسة 1967، ولم يتمكن البرغوثي من العودة إلى فلسطين إلّا بعد 30 عاما من ذلك، حيث كتب إثر ذلك روايته الشهيرة "رأيتُ رام الله"، وحصلت هذه الرواية على جائزة نجيب محفوظ للإبداع الأدبي عام 1997. وتناولت سيرة البرغوثي الذاتية التي مثلت رحلة العودة إلى وطنه بعد 30 عامًا من الغربة. وترجمت الكاتبة المصرية أهداف سويف "رأيت رام الله" إلى اللغة الإنجليزية.

وفي عام 2009، صدرت لمريد البرغوثي رواية "وُلدت هناك، ولدت هنا" التي اعتبرت امتدادًا لروايته الأولى عن زيارته لفلسطين، وفيها يصف رحلة عودته مع ابنه الوحيد إلى موطنه الأم. وترجمت هذه أيضًا إلى الإنجليزية عام 2012، وإلى جانب أعماله النثرية، صدرت للبرغوثي 12 مجموعة شعرية، أقدمها "الطوفان وإعادة التكوين" عام 1972، و"فلسطيني في الشمس" عام 1974، و"نشيد للفقر المسلح" عام 1976، و"سعيد القروي وحلوة النبع" عام 1978، و"الأرض تنشر أسرارها" عام 1987، و"قصائد الرصيف" عام 1980، و"طال الشتات" عام 1987، و"عندما نلتقي" عام 1990، و"رنة الإبرة" 1993، و"منطق الكائنات" عام 1996، و"منتصف الليل" عام 2005.

وتعرّف البرغوثي في أواخر الستينيات إلى الرسام الفلسطيني الراحل ناجي العلي ، واستمرت صداقتهما العميقة بعد ذلك حتى اغتيال العلي في لندن عام 1987، وقد كتب عن شجاعة ناجي وعن استشهاده بإسهاب في كتابه "رأيت رام الله"، ورثاه شعرًا بعد زيارة قبره قرب لندن بقصيدة أخذ عنوانها من إحدى رسومات ناجي "أكله الذئب"، كما شارك البرغوثي في عدد كبير من اللقاءات الشعرية ومعارض الكتاب الكبرى في العالم، وقدّم محاضرات عن الشعر الفلسطيني والعربي في جامعات القاهرة وفاس وأكسفورد ومانشستر وأوسلو ومدريد وغيرها، وتم اختياره رئيسًا للجنة التحكيم لجائزة الرواية العربية عام 2015.

واحتفى البرغوثي بصدور ديوانه الشعري "مملكتي من هذا العالم" باللغة الإسبانية في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، كما عُرف عنه معارضته لاتفاقية أوسلو وهاجم اتفاقيات التطبيع العربية الأخيرة مع الكيان الصهيوني.

وفي نهاية السبعينيات، عبّر البرغوثي عن رفضه لاتفاقية "كامب ديفيد" بين مصر والكيان ليدفع ثمن ذلك بمنعه من دخول مصر سنوات طويلة بأمر من نظام أنور السادات.

والبرغوثي هو زوج الأديبة المصرية الراحلة رضوى عاشور التي توفيت في نوفمبر/ تشرين الثاني 2014، وكانا تعرفا على درج جامعة القاهرة.

وهكذا ودّعت مواقع التواصل الراحل الكبير مريد البرغوثي: