Menu

المخيم: من ثقافة المنفى إلى نفي الثقافة!

مخيم برج البراجنة بيروت لبنان المخيمات الفلسطينية المخيم مخيم اللجوء اللاجئين (5).jpg

بقلم / باسل عبد العال / شاعر وكاتب فلسطيني/ لبنان

 لن يختلفَ اثنان عن توصيفِ أزمة الثقافة بشكلٍ عام، وقد خفت صوتُ المثقف ودورُه ومكانه بشكلٍ خاص، الأمر الذي حدا بالبعض للحديث عن "عالم اللاثقافة".

لكن ماذا عن دور المثقف في مخيماتنا في لبنان؟ مع وجود تحدياتٍ وجوديةٍ حقيقية، هل الحديث عن الثقافة مجرد ترفٍ وترفيهٍ ولزوم ما لا يلزم؟ هل يكتفي الحديث عن الثقافة بالتغني بالزمن الجميل الذي نستلذ بالحنين إليه؟ وهل أزمة الثقافة هي مسؤولية المثقف أم المجتمع أم المؤسسة الثقافية؟ وما هو دور المؤسسة الوطنية عامة؟

الغاية من طرح سؤال الثقافة في المخيمات الفلسطينية، ينطلق من الدعوة للخروج من قمقم الفراغ الثقافي، لنبعث في المخيم روحاً جديدةً تعيده من جديدٍ إلى حالة الوعي والإبداع والتجدد؟

يدرك الجميعُ الدور الذي تلعبه الثقافة في حياة البشرية جمعاء، ولا سيما عند الشعوب التي تُعاني من الاحتلال، ولديها قضيةٌ مصيرية مثل القضية الفلسطينية، هذه القضية التي هي في جوهر الوجودية الإنسانية، ولها دورها الفعّال في التذكّر الذي يقاوم النسيان، بعد الاقتلاع من الأرض الأولى إلى أرض اللجوء الثانية (المخيم)، تصبح المسؤولية الثقافية أكبر، نظير المسؤولية الوطنية، وهي مقاومة من نوعٍ آخر، مقاومة بالوعي الخلّاق الذي يدفع شحنات الأمل إلى إبداعٍ آخر.

 في مخيمات اللجوء الفلسطينية في لبنان التي تُعاني الأمرين، مرارة اللجوء ومرارة المعاناة بكل أشكالها الاقتصادية والسياسة والثقافية، يرتكز البقاءُ على ضرورة الخبز أولاً، ثمّ، الأمن والأمان، وبعدها الأولويات الأخرى، فأين تقع أولوية الثقافة في المخيمات؟

مبادرات فتيّة وروح ثقافية جديدة:

في محاولةٍ لسد الفراغ، وما أدراك ما الفراغ الثقافي، الذي تسعى إلى ( سده أو إلى توطيده)، آفات اجتماعية واستهلاكية وأفكار مغلقة  تعمد على تشويه الهوية، وحرف المجتمعات عن واقعها، والمخيم عن دلالاته الوطنية ودفعه نحو "ثقافة اللامعنى"، نجد محاولاتٍ دؤوبةً من الأنشطة الشبابية للقيام بمبادرات ثقافيةٍ وتربويةٍ تحمل في طياتها رغبةً دائمةً، للملمت جراح الثقافة واستعادة حيويتها وديناميكيتها، من خلال تشجيع المكتبات والقراءات، واستضافة شخصياتٍ ثقافيةٍ، وإحياء التراث والرسم والفن والمسابقات والأمسيات الشعرية ومسرح أطفال ودروس عن الكتابة الإبداعية، إلا أنها هذه المحاولات بقيت مؤقتة ومتباعدة ومناسباتية، لا تشكل بمجملها نسقاً ثقافياً يعتمد عليه.

 وعلى سبيل المثال، وقبل حرب 2007 التي أدت إلى دمار مخيم نهر البارد / شمال لبنان، كان هناك الكثير من المبادرات والأطر الثقافية، مثل: الملتقى الأدبي، الذي لعب دوراً أساسياً في نقل صورة المخيم الجميلة إلى الآخر، وكان يشكل البيئة الحاضنة للكتّاب والمبدعين في المخيم وكان عددهم كبيراً، يجتمعون في المكتبة، التي كانت في غرفة ملجأٍ قديمةٍ في المخيم، أسبوعياً ويتناقشون في الكتب وتنظيم الأنشطة الثقافية التي أعطت صدى واسع في المجتمع.

بعد انتهاء الحرب 2007، تغيرت معالمُ المخيم الجغرافية والاجتماعية، ما حد بمثقفي المخيم أن يتطلعوا إلى إعادة تشكيل المتلقى من جديد، لمقاومة تجربة الحرب الصعبة ومشروعها في تشويه رمزية وصورة المخيم الأصيلة، وضرب ذاكرته الحية وطعنها في الصميم.

هنا بات التأكيدُ على الفعل الثقافي في هذا المخيم، هو في ذاته عملية الدفاع الوحيدة عن رمزية المخيم وثقافته الفلسطينية، التي لا يمكن لأي حربٍ أو معركةٍ أن تمزقَها مع الحجر.

أعيد تشكيلُ الملتقى من جديد، ليضمَّ حوالي 14 كاتباً وكاتبةً من أبناء المخيم، اللذين بدأوا بأبسط الإمكانيات المتاحة، في مواجهة أشرس التحديات والمعاناة التي يعانيها المخيم، ومنها المعاناة المعيشية، حيث أنّ الركض وراء لقمة العيش يُنسي الكثير من الأحيان الأولويات الأخرى، ولا سيما الإبداعية، هزمت قدرة الملتقى الأدبي على الاستمرار بقوّته السابقة، رغم نجاحه وحاجة المخيم له، ولكن بقي الأمل متمسكاً بضرورة الاستمرار بالكلمة التي حلت محل الرصاصة في بندقية الحلم، إلى أن قمنا مؤخراً بتشكيل قسمٍ ثقافيٍ داخل جمعية نواة التضامن في المخيم، ضمَّ حوالي 20 كاتباً وكاتبةً من أبناء المخيم، وكلهم من أعمارٍ مختلفة، وأقمنا عدة نشاطاتٍ ثقافيةٍ في مدينة طرابلس، وكان الحضورُ جميعه من أهل المدينة، وقد استمتعوا جداً بقصائد ونصوص الكتّاب الفلسطينيين الشباب من أبناء المخيم في ذكرى استشهاد غسان كنفاني .

 كانت هذه الأنشطة الثقافية تمثل مبادرتنا لتمثيل حقيقة المعنى الجمالي للمخيم، وإعادة بناء ما تهدم من مفهوم المخيم وصورته الحقيقية لدى الآخر.

وفي صيدا/الجنوب، هناك مبادرة مقهى محمود درويش، الذي يديره مجموعةٌ من مثقفي مخيم عين الحلوة ومخيمات الجنوب، ويقيمون فيها الأنشطة الثقافية والأمسيات الشعرية، ومعارض الرسم، والندوات الأدبية، وجلسات نقاش وحوارات في الكتب بشكل يومي، مقهى جميل ويحتوي على صورٍ لمحمود درويش واقتباساتٍ من أشعاره، معلقةٍ على الجدران، كما على مكتبةٍ متواضعة، يلعب هذا المقهى دوراً بارزاً في إحياء الثقافة الفلسطينية وتعريف اللبنانيين بالبيئة الثقافية الفلسطينية، من خلال رمزية محمود درويش للفلسطينيين وللقضية بالذات.

 المقهى موجود في مدينة صيدا، وليس في قلب مخيم عين الحلوة، بهدف استقطاب المثقفين اللبنانيين من الجوار لتعريفهم بالثقافة الفلسطينية، وإظهار صورة الفلسطيني والمخيم الجميلة والأصيلة والمبدعة التي تغير ما كانوا يظنّون سلباً.

وعلى مستوى لبنان، يشارك العديدُ من الكتّاب والشعراء الفلسطينيين من أبناء المخيمات، في أمسياتٍ عديدةٍ في الأطر الثقافية اللبنانية، وهذه مشاركات ثقافية لها معانٍ كثيرة، إذ أن هذا المبدع يعكس صورة مخيمهِ، وينقلها إلى الآخر بأدواته الإبداعية المختلفة.

مخيمُ اللاثقافة: مخيمٌ بلا هوية

تكمن المشكلة الحقيقية فيما يتعرض له الفلسطيني داخل المخيم، من جعلهِ كائن يلهث وراء لقمةِ عيشهِ، وفائضٌ باليأس والإحباط النفسي، الذي يجعلهُ غير قادرٍ على الإبداع وإن كان مبدعاً، هذه هجمة شرسة ضد وجوده الإنساني، وقضيته الوطنية ومشروعهِ التحرري، وحقهِ بالحياة والعمل والكرامة، وحقهِ بالعودة لوطنه.

 وتعمل جهاتٌ مغرضةٌ على تشويه صورة الفلسطيني، وإظهار البشع فينا وليس الجانب الجميل، حيث يتم تذكرُ أسماء نافرة لا تمثل المخيم بسلوكها وتربيتها، أدى هذا إلى تناسى دور المخيم كمنتجٍ لثقافة المنفى والثورة، التي حمت القضية، وتناسي دور أبناء المخيمات من غسان كنفاني إلى ناجي العلي وعشرات من الوجوه المبدعة والمنتجة ثقافياً وأكاديمياً.

 اليوم نحن بصدد مواجهةٍ لا النسيان والتناسي فقط، بل أيضاً نفي الثقافة، بحيث يصبح الشرخ بين الانسان اللاجئ وبين القضية كبيراً وعميقاً.

 العديد من المبدعين تركوا الكتابة والقراءة والفنون التي كان يبدعون بها بسبب الظروف القاهرة في المخيم، وحالة الإحباط، وعدم اهتمام الناس وبالذات الأجيال الناشئة بالقراءة، هذه المشكلة تتصدرها مدارسُ الأونروا والقائمون على الجوانب الإبداعية فيها، حيث يدفعون الطلاب إلى ترك حصة الرسم والفن والذهاب إلى اللعب، أو إلى البيت، لتغدوَ الثقافة في نهاية الأولويات بالنسبة لهم.

من الناحية السياسية، هناك تحدياتٌ كبيرة، ومنها: سجن الفلسطيني في المخيم، وعزلهُ عن محيطهِ، وانسداد الأفق السياسي، حتى يصبح لاجئاً معزولاً وغامضَ الثقافة والذاكرة والهوية، ناهيك عن أن الحياة الثقافية الفلسطينية تعيش انتكاساً وحالةً من الانحطاط العام، المرتبطة بانحطاط الوضع السياسي والفلسطيني.

اليوم نحن بحاجةٍ لمبادراتٍ لمواجهة هذه المشاكل والتحديات.. مبادراتٍ تفعل سلاح الثقافة والوعي، وخصوصاً في المخيمات الفلسطينية في لبنان التي لها صورتها ووضعها الخاص، وفي مخيمات الشمال "البارد والبداوي" المخيمين اللذين لهم وضعية جغرافية خاصة، وتجاورهما مدينة طرابلس التي تحتوي أيضاً على عددٍ كبيرٍ من الأطر والمنتديات الثقافية اللبنانية، التي طلبت مراراً زيارة المخيمات لفتح باب الحوار الثقافي مع الشباب الفلسطيني المثقف، أو في مخيمات مدينة صور، التي ارتكزت إلى جمعياتٍ ثقافيةٍ لبنانيةٍ في المدينة.

 اليوم، علينا استحداث وتجديد وتطوي الإطار الثقافي الفلسطيني وفتح الحوارات واستثمارها وتطويرها وفتح سبلٍ جديدةٍ لها.