Menu

الحياةُ في مكانٍ آخر

هنادي لوباني  

الشعر

بوابة الهدف

هنادي لوباني

باحثة وكاتبة فلسطينية/ كندا

صدر كتاب خيال أرضي وسماوات مفتوحة: محاورة؛ قصائد مختارة؛ ومضات تأملية للشاعر الأسترالي مارتن لانغفورد من دار خطوط وظلال للنشر والتوزيع، يتضمن الكتاب مختاراتٍ لعددٍ من قصائد لانغفورد وتأملاته الشعرية، ومقدمةً للدكتور عبد الرحمن بسيسو، وحواراً مع الشاعر أجراه الأستاذ عاطف بسيسو، يعتبر لانغفورد أحد أبرز الأصوات الشعرية في القارة الأسترالية، يتميز صوته بجرأة الولوج من/إلى الزمن، وبتكاثف العاطفي مع الفكري والسياسي في حركاتٍ شيقةٍ من الاندفاع النثري، والشعرية الصورية، والمفعمة بحس ونبض الغناء الجماعي لسكان استراليا الأصليين، الذي يستدعي قدراتٍ صوتيةً خاصة، قريبةً إلى القرار ولكن بحدة السوبرانو.

يتحدى لانغفورد بالشعر إكراهات التاريخ؛ ويخترق المساحات الفاصلة والأدغال؛ ويثير الخيال والعاطفة، الرغبات والانفعالات؛ ويحررنا من مونوكرامية براديغم التضاد والتعالي في ترحال إلى جمال ووحشة وخفايا وأسرار وبوليفينية الطبيعة، التي لا تعرف في ذاتها وبذاتها أي حدود؛ ويوسع آفاق الحوار خارج مركزية وهيمنة الذات، في سعيه لخلق مقاربةٍ جديدةٍ لذاتيةٍ تستعيد في ماضيها وإشكالاتها الراهنة، العلاقات التداولية والتبادلية، المركبة والمربكة، بين الأنا والآخر، يتجول الشاعر في مساحاتٍ رحبةٍ من الجدلية، ويثير الاختلاف لا الاختلافات، ويغزل الشعور مع التفكير في توليفةٍ قائمةٍ على الاحترام والعدالة وحقوق الانسان.

يحيلنا عنوانُ الكتاب إلى فترةٍ سحيقةٍ من التاريخ كاد الشعر يبلغ فيها منزلةَ النبوة، وكان فيها الشعراء حاملي لواء الآلهة.

كان سقراط يصف الشاعر بضوء وكائن مجنح وقديس، واعتبرهم هولدرلين، الذي أعلن انسحاب الجلالة وعزوفها عن الإنسان، آخر صلة بين اللاهوت والناسوت، وأن الشعراء وحدهم القادرون على تمهيد لقاء العالمين مرة أخرى، يكتب هولدرلين: «كما في يوم عيد، ينتصب الشاعر أمام الخالق، إنه كما لو في اتصال مع القوة الأكثر سمواً»، اتصال يُحلق فيه الشاعر في برزخٍ بين عالمين، في منزلة البين ـ بين،l’entre deux ، بين خيال أرضي وسماوات مفتوحة عل صيرورة الإنسان تتحقق شعرياً فوق الأرض.

وليس أدل على إقامة الشاعر بلغته الشعرية في هذه المنطقة البينية من أن العرب أحاطوا الشاعر بدور مهيب، واعتبروه شخصاً متميزاً وسامياً في مكانته، حتى يقال أن العرب كانت تقيم الأفراح إذا ظهر في قبيلة شاعر، وتأتي القبائل لتهنئتها وكأنهم في عرس، ولم يتولد هذا الاهتمام بالشعر في نفوسهم إلا نتاج إدراكهم لسحر الشعر في غزل الخطوط بين عالمي الحقيقة والأحلام، وفتح الأبواب التي تؤدي إلى أبعادٍ مختلفة، وإيمانهم بمنزلة الشاعر بين العالم المرئي واللامرئي، الذي فسروه بالصلات والاتصال المباشر بين الشاعر والأرواح المحجوبة: وحي، من ملائكة وشياطين، يوقظ في الشخص المختار، ما هو حلم وخيالي في مواجهة الواقع.

ولم يكن الوحي يتصل بأي شخص، بل كان له اختياره الخاص الذي يطارده نهاراً، ويوقظه ليلاً، وينقض عليه، ويطرحه أرضاً، راكعاً على صدره، ويلهمه القريض والأفكار، ومنها الجديدة وربما الثورية في عصره، فيصبح الشاعر متمثلاً للعقد بين الطرفين؛ لا يستطيع صده، ولا قدرة له إلا على الحوار مع ما توحي به، ولم تكن العلاقة عابرة، بل إن الوحي الذي كان يرتبط بشاعرٍ معين يصبح معروفاً باسم علمٍ محددٍ ومتداولٍ في بيئة الشاعر، كان للأعشى وحياً اسمه مسحل، ولإمرئ القيس وحياً اسمه لافظ بن لاحظ، وكان لحسان بن ثابت وحياً من بني الشيصبان:

إذا ما ترعرع فينا الغلام فما إن يُقال له: من هوه؟

إذا لم يُسَد قبل شد الإزارِ فذلك فينا الذي لا هوه

ولي صاحبٌ من بني الشيصبان فَطَوراً أقول، وطَوراً هوه

ولم يكن الشعر لدى العرب القدامى فناً أدبياً لفظياً، بل مكوناً ثقافياً طاغياً في الشخصية العربية، التي عدت نفسها على الدوام أمة الشعر، فالمقولة «الشعر ديوان العرب» كانت اختصاراً لحالة التميز التي وصلت حد الاستعلاء في البلاغة والثقافة والحضارة على الأمم والحضارات الأخرى، وإذا كانت المواجهة الاستعمارية، مع العثماني ومن ثم الغربي، من أهم التجارب التي أحدثت جملةً من الظروف والصدمات والتحولات، أدت من ضمنها إلى إزاحة تمركز الشعر والشعراء في المنظومة الثقافية العربية، وتبعاً إلى تراجع هذه المنظومة من على الخريطة الثقافية الكونية، فإن دور الشاعر أضحى معضلةً مع المشروع الميتافيزيقي للفكر الغربي، الذي انتصر للعقل والحكمة، وأزاح الشعر عن عرشه لصالح ثنائيةٍ تباينيةٍ تتضاد فيها مدركاتُ العقل، وتتعالى على أحاسيس الجسد، وتجليات التأمل العقلي المجرد على تجسدات التلمس الشعوري الحي.

يذكرنا الدكتور عبد الرحمن بسيسو في مقدمته للكتاب، أن هذا المشروع الميتافيزيقي الغربي سرعان ما تحول إلى سياسة التسلط وبداية النزوع الاستعماري الغربي، الذي دعم التمركز العرقي في الفصل بين الشعوب، واحتكر الغرب (الرجل الأبيض) لنفسه التفوق والصفاء والقوة، وتجسدت في العصر الحديث كمشروعٍ «استبدادي وحشي» بالغ التشابك والتعقيد، وبمؤسساتٍ وتركيباتٍ أيديولوجيةٍ مصطنعةٍ وموظفة لإخضاع مجتمعات العالم وشعوبه للأنموذج الأوروبي، وتحقيق هيمنة الغرب على الآخر المختلف، الطبيعة والأشياء والكائنات والكلمات، عبر مختلف أشكال الانتداب والاستعمار والسيطرة، كونه الأنموذج الأمثل والأصلح لمختلف الشعوب في ثنائية المتقدم/ المتخلف، التي شكلت جوهر التفكير الميتافيزيقي الفلسفي الغربي الحديث، واحتل الغرب فيها القطب الأول.

في نقد وتفكيك وتقويض هذا المشروع، كان لا بد من عودةٍ قويةٍ للشعر، ليس بغية البحث عن مبادئَ مفترضة للخطاب الشعري، أو عن قيمة الجمال الثاوية فيه، وإنّما من أجل الإنصات والانتباه، و«الادراك المتزامن بين مركزي الجاذبية، وعبر تفاعلٍ مفتوحٍ مع الأنوات المغايرات والآخرين، لفتح أفقٍ إنسانيٍ جديدٍ يفضي بالإنسان إلى التدرج في تحقيق كمالٍ إنسانيٍ محتمل»، كمل يقول عبد الرحمن بسيسو في مقدمة الكتاب، وهذا بالذات ما يراه عبد الرحمن بسيسو في شعر مارتن لانغفورد: رؤية فكرية وشعرية تنشط فيها طاقات الإنسان وعلاقاته، فتتحول الكلمات والعبارات والجمل إلى «مفتاحٍ ومصباح»، يخترق بها الشاعر الحجب والحدود، ويعيد خلق العلاقات في اللغة وباللغة، كرحلةٍ تفسح المجال أمام الآخر، ولا سيما سكان أستراليا الأصليين، لتحقيق وجودهم الإنساني والثقافي والحضاري خارج السياقات الهرمية للمنظومة الاستعمارية الاستيطانية؛ كما كخطوةٍ إلى الوراء لأبناء المهاجرين المستوطنيَن في "أستراليا"، لمعاودة النظر في تَجاربهم وذواتهم وثقافتهم، ومراجعة ما انبتت عليه من أسس، ومساءلة المفاهيم والتصورات التي وجهت رؤيتهم، ووفق منظورٍ رؤيويٍ إنسانيٍ يؤسس لخطابٍ ما بعد رأسمالي، استعماري، يشرع من فوره إلى إعادة الحقوق المسلوبة، والحريات المسروقة.

السؤال الذي يطرح نفسه: ما أهمية هذا الكتاب وهذا الشاعر وهذا الشعر للقارئ العربي ولثقافتنا العربية، التي هي نص كبير وطويل من الشعر والنثر المثقل بالحروب والاحتراب والهدر في حقوق الناس؟ وللإجابة يقول عبد الرحمن بسيسو: «أن للشروع في قراءة هذا الكتاب أن يجذب القارئ الإنسان للِانخراط، بشغفٍ معرفيٍ وجماليٍ وقاد، في تلك الرقصة الْحميمية التي تكمل قوس التواصل الإنساني على نحوٍ يغير الذات، ويفتح مدارات آفاقٍ وفضاءاتٍ سيكون لولوج رحابها أن يفضي إلى تغيير العالم». وفي حواره مع عاطف بسيسو، يقول لانغفورد: «للحرب أن تكون نوعاً من الجنون، وللشعر أن يكون مقاومةً لهذا النوع من الجنون، إيماءة معرفية تهبط على الأرض لتذكرَ الناسَ بحقيقة ما هي عليه الأمور، وكيف هي، حقاً، تسير في بعض الأحيان، لا يحب الناسُ سماع هذه الإيماءة، وذلك بالطبع، لأن واقع الحرب يُمكن أن يصبح واقعاً لا يحتمل، غير أن هناك، دائماً، وقتاً سيأتي، وسيتوجب فيه إيجاد الكلمات الصحيحة لوصف ما جرى، وعندها سيحتاج الناس إلى الإصغاء إلى أفضل ما يُمكن للشعر أن يقدمه: أي شيء أقل من ذلك إنما هو ارتخاصٌ، وتحقيرٌ للمعاناة البشرية التي حلت، وازدراءٌ بها».

في زمن الحروب والعولمة والدعشنة والصهينة، يبقى الشعر وحياً من إلهامٍ وفيض ، وأجمله ما هو سينوغرافيا حلمية يتشابك فيها الماضي مع الحاضر ويخترقها المستقبل؛ ما يحفر حفراً متواصلاً ومحموماً في جسد العالم، وجسد اللغة باعتبارها اللاوعي الواعي به، ويثور الكلمات وقواعد النحو، ويبتكر التعابير والمفاهيم؛ ما يخط خطوط الانفلات علناً، نخرج من خلالها من إطار كل بنية وقبضة مكبلة للإنسان، ومانعةً إياه من التحرر والانطلاق؛ ما يصيرنا ذاتية ترفض أن تَسجن الآخر وأن تُسجن ذاتها في هويةٍ مغلقة، وذاتية عصية على الاحتلال: أروض وسماوات وموارد وكائنات وحيوات؛ ما يسافر «صَوبَ صَوبٍ آخر.. على طريقِ رياحٍ مُعاكِسَة..

غيرَ أن الكلماتِ المسؤولةَ تحملُ عِبئَنا الآن.

ما إن فَكرنا في أن نسألَ "لماذا؟"، وشَرعنا في مقاربة المُعادلات:

هَوت على قلوبنا ظلالُ التعقيبِ والنقد ـ

ولكن اليقظةَ، المُفعمة بأسبابٍ طالت مُواجهتُها،

تأخُذُنا بقُوةٍ،

صَوبَ الحُبِ. (لانغفورد: «السفر مع الطيور»)

المختارات الشعرية التي نبحر فيها مع لانغفورد ليست مجرد زينةٍ أو حماسةٍ أو فورةٍ عابرةٍ أو تزجيةٍ للوقت، بل الشعر كثالوثٍ من الرقص والموسيقى، والغناء على الإيقاعات الحركية للكلمات والآراء والأفكار والصور والتعابير والأخيلة وشتى أشكال الجمال، الشعر كتفاعلٍ وجودي، لا هو ترف روحي أو فكري، بل حوارية نبني فيها علاقاتٍ نكتسب من خلالها الانفتاحَ والاحترامَ و القدس يةَ في تفاعلنا مع الأنوات المتعددة فينا، والآخر الإنسان، والآخر الطبيعة، الشعر كسند التاريخ، يقول ما لا يمكن لغيره أن يقول لأنه، وبوصف أوكتافيو باث، «يتعذر اختزاله إلى مجرد أفكارٍ وإلى نظامٍ (مغلق)، إنه الصوت الآخر، فهو ليس كلمة التاريخ أو التاريخ المضاد، لكنه الصوت، الذي في سياق التاريخ يقول شيئاً آخراً».. الشعر كعطاءٍ حر، يوقظ ما هو مستحيل، وما هو حلم، وما هو خيالي في مواجهة الواقع لاستنهاض قوامه وتحرير ايقاعاته لفجرٍ جديد، الشعر كوساطة، إسراءٍ ومعراج بين الأنا والآخر، الواقع والخيال، بين الأصوات والنصوص والحكايات والهوامش والأسلاف والمعاصرين، وسلك الطرائق بينهم من جديد والعودة لهم بشكل متجدد، الشعر كرسالة، يتلقى الشاعر فيها الإشارات ويبدعها في هبة وعطاء من تأملاتٍ وتصورات وخلاصات وخيالات، تتجاوز حدود المدرك وفي استشراف وبشارة لما يمكن أن يتحقق، الشعر كـ «الحياة في مكان آخر»، كما عنون ميلان كونديرا روايته عن الشعر والشعراء.. الشعر كبراكسيس، praxis، والأخطر براءة وسحراً وصدقاً ونبوءة.