Menu

البنية الفاشية للدولة: العنف

طبيعة إسرائيل: النموذج الصهيوني للفاشية الحلقة (14)

أحمد مصطفى جابر

خاص بوابة الهدف

يتأسس العنف كعامل عضوي في بنية النظام الفاشي، وقد ذكرنا سابقًا أن الفاشية في صراعها ضد القوى الأخرى لا تهدف إلى تحقيق (مجرد) النصر، وإنما إلى تدمير الخصم وإنهاء وجوده، من هنا تنطبع الفاشية بالعنف القياسي المدمر، الذي يعني في حالة الفرد قتل الخصم، ولكنه في حالة المجموع يعني الإبادة الجماعية، هذه الإبادة قد تعني الإفناء الكامل الجسدي أو الإبادة المعنوية.

في النظام الفاشي رغم أن العنف جزء من بنية، إلا أنه يتمظهر منفلتًا من كل عقال، وهكذا بناء على تحليل أرندت(1) فإن «العنف مهما كانت درجة الرقابة التي يخضع لها فإنه يتمتع بدرجة معينة من الانفلات عن رقابة وسيطرة من يمارسونه، والواقع أن رقابة كلية مستحيلة» حتى أنه يفاجئ هؤلاء الذين يخططون له ويديرونه ويمارسونه، مما يدفعهم لمحاولة يائسة لضبطه، عبر أطر قانونية غاية في الإحكام، ولكنها خاوية مضمونًا وتفتقر كليًا إلى ضمير العدالة فيحول تحقيقاتها ومحاكماتها إلى مهزلة، كما هو وضع المحاكمات الإسرائيلية الشكليّة للقتلة ومرتكبي المجازر من مستوطنين وجنود وضباط؛ هذه المحاكمات تنتهي عادة إلى استخلاص يكاد يكون واضحًا في جميع الحالات مفاده أن مرتكبي المجازر؛ إما مجانين أو يعانون من اضطرابات نفسية، ما لم تقله هذه الاستخلاصات هو لماذا ينصب جنون هؤلاء ولا تتفجر نوباتهم الهستيرية إلا ضد المواطنين الفلسطينيين؟! لأن قتل الفلسطينيين ببساطة هو جزء من الأيدلوجية التي تحكم مواطني الدولة الصهيونية بما فيهم المجانين، الذين يعرفون تمامًا أن «العربي الجيد هو العربي الميت».

يقول سارتر في المقدمة التي كتبها لفرانز فانون(2) «أن قتل أوربي هو عبارة عن إصابة عصفورين بحجر واحد، حيث أن الأمر يسفر عن إزاحة مضطهد (بكسر الهاء) ومضطهد (بفتحها) في الوقت عينه، حيث يتبقى لدينا رجل حر ومستعمر ميت». في الحقيقة نستطيع صياغة الكلمات السابقة بلغة أقرب؛ ففي الأيدلوجيا الصهيونية «قتل عربي هو عبارة عن إصابة عصفورين بحجر واحد، إزالة (غوييم) وتكريس صهيوني حق، فما يتبقى لدينا هو (غوييم ) ميت وصهيوني حر».

فالفاشية عبر العنف المطلق الذي تنتجه تخلق نموذجًا جديدًا من القتلة؛ راشدون لا سبيل إلى دحض ذريعتهم الفلسفية التي تستخدم لكل شيء حتى لتحويل القتلة إلى قضاة(3)، لا شك أن خليط العدوانية القومية واتخاذ دور الضحية في نفس الوقت ينتج مستوى من العنف داخل المجتمع الإسرائيلي من الصعب قياسه من الخارج، ولكن يكفي الاستماع إلى ما يذاع من جلسات الكنيست لتعرف ذلك، أحد أعضاء الكنيست صرح أن زملاؤه العرب سوف يقفون أمام فرقة تنفيذ الإعدام رميًا بالرصاص (4) أمام تصريحات من هذا النوع لممثلي الجمهور، يصبح عاديًا جدًا أن يطلق الجنود النار على الشبان العرب المتظاهرين ويقومون بقتلهم ببرود وبطلقة في الرأس كما حصل في أكتوبر 2000، وكما تمارس يوميًا عصابات كلاينر ومارزال الفاشية؛ فالمواطنون المعتادون يتعقبون خطى قادتهم.

 

يتبدى عنف الصهيونية ممأسسًا بشكل كبير ولعل التجلي الأبرز له هو في عنف الجيش وعنف الشرطة، وإذا كان عنف الجيش ضد الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة عام 1967 صار معروفًا جدًا؛ فإن عنف الشرطة داخل إسرائيل يقدم وثيقة لا يمكن دحضها عن الفاشية في وجهها البوليسي القبيح.

وتعول المؤسسة الحاكمة على جهاز الشرطة الإسرائيلية بشكل كبير في قمع وضبط واستمرارية الرعب في الأقلية العربية داخل إسرائيل وليس غريبا أن المجلس الإسرائيلي للأمن القومي أوصى بتغيير قانون الخدمة الأمنية، بحيث يتم الاعتراف رسميًا بالشرطة كجسم يعمل في المجال الأمني وليس فقط في مهمات الشرطة الكلاسيكية، مما يعني أن الشباب في جيل الخدمة العسكرية بإمكانهم التجند للشرطة والعمل في مختلف الوظائف فيها، وتظهر هذه التوصية في الوثيقة التي يعدها مجلس الأمن القومي بالتعاون مع شعبة التخطيط في الجيش والشرطة(5).

بدون أدنى شك إن نقل الشرطة من مجال الخدمة المدنية للمجتمع إلى مجال العسكرة يمثل خطوة أساسية في الانتقال إلى نظام القمع العسكري الصارم، يعزز هذا المهمات المنوطة بهذا الجهاز وهي مشاركة الجيش في مهمات أمنية جارية، ومكافحة الإرهاب وإحباط عمليات.

فيما يلي سنحلل أمثلة مباشرة على عنف الشرطة الإسرائيلية، وكيف أن هذا العنف هو ممأسس وبنيوي، وليس مجرد شطحات عابرة، وطبعًا يجب أن يتذكر القارئ دائمًا أن ما يدرس هنا ليس سجلًا رصديا، وإنما هو نموذج للتحليل لا أكثر؛ لأن الرصد والتوثيق ليس من مهمات هذا العمل من جهة، ولأن العملية تحتاج إلى مجلدات ضخمة لرصدها.

دعهم يختنقون(6):

طبعًا، تستمر المعاملة العنيفة التي يلاقيها أبناء فلسطين في الداخل المحتل من قبل أجهزة الأمن الصهيونية في مجالات مختلفة، وتعتبر تنفيذ أوامر هدم البيوت أحد خطوط المواجهة بين الشرطة والأقلية الفلسطينية صاحبة الأرض؛ فالشرطة التي يفترض أنها "جهاز مدني" تتعامل مع المواطنين الفلسطينيين كأعداء يمكن التعامل معهم فقط من خلال استعمال العنف المفرط. وفي نظام الاحتلال ينقلب دور الشرطة من حماية السكان إلى قمعهم وممارسة العنف ضدهم، وهنا القصد بالسكان، أولئك الذين لا ينتمون إلى العرق أو الدين الحاكم؛ فاليهودي محمي تمامًا، ولا يشعر بأي مساس بأمنه أو حريته، نتيجة العصابات وتفشي الجريمة، على العكس من المواطن الفلسطيني الذي تتكالب ضده جرائم العصابات، وليس فقط لامبالاة الشرطة الصهيونية بل أيضا تواطؤها مع العصابات الإجرامية. ولا يمكن طبعًا إدراج هذه الأمور في خانة الفساد أو تهتك النظام، بقدر ما هي في الواقع خطة محكمة من الاحتلال لتدمير المجتمع الفلسطيني وتفكيكه وتسهيل ترحيل الفلسطينيين وهجرتهم من بلادهم، وتهويد ما تبقى منن الأرض، حيث ومنذ لحظة إعلان دولة "إسرائيل" تم اعتبار من تبقى من فلسطينيين بمثابة طابور خامس، وفرض عليهم الحكم العسكري الذي استمر عشرين عامًا، وقطعت أوصال المدن والقرى؛ فلم يكن هؤلاء محرومين فقط من التواصل مع امتدادهم الفلسطيني في الشتات أو الضفة وغزة، بل أيضًا محرومين من التواصل فيما بينهم وبناء مجتمع متماسك؛ يشكل خطرًا على الكيان حديث الولادة، لذلك دأب قادة الكيان على استخدام تعبيرات لوصف فلسطينيي الداخل مثل "خطر استراتيجي" و "وباء داهم" و "خاصرة رخوة في الجبهة الداخلية لإسرائيل" وغيرها من مصطلحات وتوصيفات، هي نتاج سياسة وينتج عنها إجراءات عملية لمحاربة هذا التهديد من منظورهم، كتسهيل ودعم تفشي الجريمة وحماية المجدريمين وملاحقة الوطنيين والحراكات الوطنية التي توحي أو تهدد باستيقاظ الهوية الوطنية الفلسطينية وصعودها، وهكذا مثلًا، نجد الاحتلال لا يحرك ساكنًا تجاه آلاف قطع السلاح الإجرامي المنتشر في الداخل الفلسطيني، بينما يستنفر أمنه وجيشه كله لملاحقة مقاوم واحد بسلاح رديء.

لقد جاءت الاعترافات حول هذه المسألة حتى من القضاء "الإسرائيلي"؛ فإثر أحداث أكتوبر عام 2000 في انتفاضة الأقصى أكد رئيس لجنة التحقيق القاضي أور «على الشرطة أن تدرك أن الوسط العربي في إسرائيل ليس عدوا ولا يجب التعامل معه بهذا الشكل»، ولكن جهاز الشرطة لم يتغير أبدًا وبقي على حاله؛ لأن هذا وضع بنيوي بالنسبة له، وقد كشفت لجنة أور عن وجود ثقافة عنصرية مؤسسة داخل قوات الشرطة، وقالت أن ذلك ساهم أيضًا في أحداث أكتوبر.

 

نماذج للتوثيق..

                                                                 

حادثة كفر قاسم (أيلول 2003) (7)

يوم 11/9/2003 دخل جنود حرس الحدود إلى قرية كفر قاسم وتوجهوا إلى كراج تصليح سيارات، حيث كان ثلاثة عمال عرب يستعدون لإغلاق الكراج، وادعوا أنهم يبحثون عن تراكتورون (جرار صغير) مسروق، وعندما باءت جهودهم بالعثور عليه بالفشل قاموا بالاعتداء على العمال وعندما فر هؤلاء من المكان طاردهم أفراد الشرطة وأطلقوا عليهم الرصاص الحي، وعندما وصل والد أحد العمال إلى الكراج وحاول الدفاع عن ابنه أطلقوا الرصاص وأصابوه في قدمه.

حادثة عماد سليمان وسعيد أبو خيال (تشرين ثاني 2003) (8)

صادف وجود مواطنان عربيان يوم 3/11/2003 من الناصرة عندما خرجا من مسجد حسن بك في يافا بعد صلاة العصر، فألقي مفك على سيارتهما، التي كانت عالقة في زحمة السير، وعندما حاول السائق معرفة الأداة الملقاة فوجئ بقدوم شخص تبين أنه شرطي وقام بضرب السيارة وشتمهما، وعندما حاول السائق الاتصال بالشرطة لتقديم شكوى حضرت عدة سيارات شرطة واعتقلت الشابين ومنذ اعتقالهما وحتى إطلاق سراحهما مرا بسلسلة من الضرب والتنكيل والشتائم؛ ادعت الشرطة أن شخصًا حاول سرقة سيارة ورمى المفك باتجاه المواطنين، فظنت الشرطة أنهما يساعدانه ولم يطلق سراحهما إلا بعد اعتراف السارق أنهما ليسا معه، لكن ليس قبل تهديدهما بالقتل إذا حاولا تقديم شكوى ضد الشرطة.

حادثة إياد حرب:

في 12/5/2004 كان مواطنان عربيان يعملان في راديو إسرائيل باللغة العربية يسيران في شارع يافا ب القدس وعند مرورهما قرب محطة الباصات قام أحد رجال أمن المواصلات بالاعتداء على إياد بالضرب وهرع رجال أمن آخرون لمساعدة زميلهم لم يكن هناك من سبب مباشر للاعتداء إلا أنهما كانا يتحدثان العربية فيما بينهما.

هذه الحوادث جميعها جاءت بعد أحداث أكتوبر 2000 التي انتهت بالنتيجة المأساوية المتمثلة بقتل 13 مواطنًا عربيا فلسطينيًا؛ بسبب الرد العنيف من قبل الشرطة على المظاهرات والاحتجاجات التي جاء التعبير عنها باستخدام مفرط للقوة، بما في ذلك استعمال الرصاص الحي من قبل الشرطة؛ لم يكن هناك صدامات بين قوتين مسلحتين، بل استعمال مفرط للقوة من قبل الشرطة بهدف قمع مظاهرات واحتجاجات مدنية وشرعية.

لقد سجلت لجنة أور(9) أنه «يجب العمل على اقتلاع ظاهرة الآراء المسبقة والسلبية التي وجدت لدى كبار ضباط الشرطة القدامى تجاه الوسط العربي»، وأضافت اللجنة أن العنف المفرط «ينبع في حالات معينة كنتيجة للآراء المسبقة الشائعة بين أوساط في المجتمع الإسرائيلي». وتضيف لجنة أور أيضًا «لجوهر الأمور تعتقد اللجنة أنه يجب التوضيح بشكل قاطع أن إطلاق الرصاص الحي بما فيه إطلاق النار بواسطة قناصة، ليس وسيلة بيد الشرطة لتفريق التجمهرات»، وأيضًا «في حالات كثيرة تميل الشرطة إلى الرد على تحرشات تخلو من طابع التهديد بقوة قد تكون قاتلة وعليها (الشرطة) أن تعمل بشكل مكثف من أجل القضاء على هذه الميول».

من هنا ليس صعبًا الاستنتاج إنه في مجمل الحوادث «دعهم يختنقون» و «يا مخربون سنهدم لكم كل بيوتكم»، كما في البعنة أو «عربي مجرم»، كما في حادثة عماد سليمان وسعيد أبو خيال؛ تكشف النظرة العنصرية للشرطة التي ترى في المواطنين العرب الفلسطينيين مجرمين محتملين. وكذلك عبارات مثل «عربي نتن» و«عربي قذر» في حاثة عماد سليمان وسعيد أبو خيال.

ويجدر التنبه إلى أنه في كل الحوادث (ما سجل هنا مجرد نماذج دراسية فقط)، لم يكن هناك أي مبرر لاستعمال العنف الجسدي، ولم يكن هناك أية خطورة تبرر استعمال العنف من قبل رجال الشرطة.

يضاف إلى ذلك أنه في كل الحوادث علم رجال الشرطة أن الحديث يدور عن مواطنين عرب فلسطينيين، بما يعزز الاستنتاج بأن الدافع الأساسي لعنف الشرطة هو انتماء الضحايا العرقي. وقد تحدثت وسائل الإعلام  وتقارير منظمات حقوق الإنسان عن عشرات الحوادث الإضافية التي قتل فيها مواطنون عرب فلسطينيون على أيدي الشرطة، وفي الفترة ذاتها لم يشر ولو لحادث واحد قتل فيه يهود على أيدي الشرطة.

إن النظرة والمعاملة العنصرية من قبل قوات الشرطة ضد الأقلية العربية لا يميز الشرطة العادية فقط، وإنما يميزان توجه مؤسسات وأجسام الشرطة المختلفة كلها؛ مثل حرس الحدود (حادثة كفر قاسم) والوحدات الخاصة (حادثة عماد سليمان وسعيد أبو خيال) وشرطة المواصلات العامة (حادثة إياد حرب). طبعًا رجال الشرطة لا يقدمون إلى المحاكم رغم تصرفاتهم العنيفة ورغم أن الضحايا قدموا شكاوى، إلا أن الملفات أغلقت على غرار قرار وحدة التحقيق داخل الشطة (ماحش) بعدم توجيه أي اتهامات في أحداث أكتوبر 2000.

إن إغلاق ملفات الشكاوى(10) من قبل الهيئات العليا، يعطي رجال الشرطة الشرعية لاستعمال العنف ضد المواطنين العرب ويجذر عميقا النظرة العنصرية تجاه الأقلية العربية الفلسطينية.

ولدى مناقشة موضوع عنف الشرطة في لجنة الداخلية البرلمانية في الكنيست في جلسة 8/9/2004 تقدمت النائبة في قسم التحقيق مع أفراد الشرطة من وزارة القضاء هيلة برون-أولمن(11) معطيات تقول أنه خلال عام 2003 قدمت 6 آلاف شكوى ضد رجال الشرطة حول قضايا تتعلق بالعنف تم التحقيق بـ 1531 شكوى منها، ومن بين هذه التي تم التحقيق فيها قدمت لوائح اتهام جنائية ضد 58 شرطيًا فقط، وقدم 119 شرطيًا لمحاكمة تأديبية.

عنف محمي بقوة القانون:

لا يقتصر الأمر في الكيان الصهيوني على مسألة أن القانون يحمي العنف، ويضع له التشريعات اللازمة لحماية ممارسيه، بل إن القانون نفسه عنيف سواء في نصوصه أو ممارساته القضائية، ويتجلى العنف القانوني عبر التمييز الصارخ الذي تمارسه دولة فاشية في قضية معيارية مثل القتل العمد، وحتى لو بذلنا جهدًا هنا لتحييد الصراع السياسي والكفاح الوطني الفلسطيني، وتعاملنا فقط  مع هذه القضية المعيارية (القتل) وكيف يتعامل معها القانون والقضاء في الدولة الفاشية، مما يجعل قضاة دولة الاحتلال أكبر مشجعي العنف اليهودي العنصري ضد الفلسطينيين.

على سبيل المثال؛ نورد هنا بعض المقارنات في الأحكام لأعمال قد تكون متساوية أو متفاوتة قليلًا(12)، سنجد كيف أن الأحكام التي تصدر عن المحاكم المدنية الإسرائيلية تكون أقل بكثير من تلك الصادرة عن المحاكم العسكرية، كما تتفاوت الأحكام لنفس التهمة ما بين معتقل فلسطيني أو سجين "إسرائيلي يهودي" حتى لو ان الاثنان مواطنان "اسرائيليان" .

لدينا مثلا الأسرى الفلسطينيين سامي خالد يونس وكريم يونس وماهر يونس، وقد أدينوا ثلاثتهم بالمشاركة في قتل جندي، وصدرت ضدهم أحكام بالسجن المؤبد، بينما نجد في المقابل أن اليهودي داني وايزمن: اشترك مع زملاءه (هليل وأريكس) بقتل سائق تكسي عربي يدعى (خميس)عام 1985، وحكموا بالمؤبد وخرجو من السجن بعد 7 سنوات.  

في مقارنة أخرى، حكم على كل من وليد دقة وإبراهيم أبو مخ وإبراهيم عبد الرازق ورشدي أبو مخ بالحكم المؤبد لاشتراكم حسب الاتهام بقتل جندي، بينما يهوديا يدعى عامي بوبر: قتل عام 1990 سبعة عمال فلسطينيين وجرح 12 في عيون قارة (ريشون ليتسيون) وحكم عليه 7 مؤبدات وحدد حكمه بعد 8 سنوات فقط ب 40 عام وتزوج وأنشأ عائلة ويعيش حياة 5 نجوم (يمنح إجازات بلا حدود وعمل خارج السجن وتلفونات...الخ).

نموذج آخر؛ الفلسطينيان مخلص برغال ومحمد زيادة، اتهما بإلقاء قنبلة على باص ولم تنفجر وحكم عليهما بالسجن المؤبد، وفي المقابل لدنيا اليهودي ديفيد بن شمعون: أطلق صاروخ وقتل عربيا وجرح اخرين حكم مؤبد وأفرج عنه بعد 11 عامًا من سجنه.

نموذج أخير وليس آخر؛ الفلسطينيون محمد وإبراهيم ويحيى اغبارية وزميلهم سعيد جبارين، محكومين بالمؤبد بمشاركتهم في قتل ثلاث جنود عام 1992، بينما الخلية اليهودية الإرهابية (المعروفة باسم خلية الخليل)؛ قامت بقتل طالبين فلسطينيين في جامعة الخليل، وسلسلة تفجيرات في الضفة الغربية، وخططت لتفجير قبة الصخرة، واستهدفت رؤساء بلديات فلسطينيين منتخبين بينهم بسام الشكعة الذي فقد قدميه، وحكمت الخلية بالمؤبد وسرعان ما أطلقوا بعد سبع سنوات.

قضية التعذيب/ سامر العربيد كنموذج

طبعًا من المعروف أن الكيان الصهيوني يتعامل مع فلسطينيي الضفة الغربية المحتلة بشكل مختلف (شكليًا فقط) عن فلسطينيي الداخل، وفي الواقع لايوجد يقين أي الأمرين أسهل أن يتعرض الفلسطيني لقمع الشرطة (في الداخل) أو لقمع الجيش (في الضفة).

على العموم يمكن قول الكثير عن السلوك الذي يمارسه محتل فاشي في المناطف المحتلة، ولكن سأكتفي هنا بعرض إحدى أبشع ممارسات أداة القمع الرئيسية لسلطة الإحتلال، أي جهاز الأمن العام) الشاباك، أو الشين بيت، أقصد هنا تعذيب المعتقلين الفلسطينيين، وقضية الأسير سامر العربيد كنموذج بحثي.

من المعروف أن تعذيب المعتقلين الفلسطينيين هو ممارسة أصلية وكلاسيكية لدى محققي جهاز الشاباك، ومع ذلك، فمن النادر نقل المعتقلين الفلسطينيين إلى المستشفى نتيجة هذه الاستجوابات العنيفة، ولكن احتل دخول سامر العربيد إلى المستشفى عناوين الصحف وأثار تساؤلات جدية حول سلوك الشاباك، مما دفع المؤسسة الصهيونية إلى تقديم وعود رسمية بسرعة بأن الأمر قيد المراجعة وسرعان ما تم إغلاق الملف(13).

يذكر أنه وفي إحصائية موثقة منذ عام 2001، تم تقديم 850 شكوى تعذيب من قبل معتقلين فلسطينيين، ولم يتم فتح تحقيق جنائي واحد، بل نجح المدعون العامون الصهاينة الثلاثة الذين تناوبوا على المنصب في هذه الفترة، في منع التحقيق في شكاوى التعذيب بشكل مستمر، حيث يُسمح للمدعين العامين بتجاهل سيادة القانون الصهيوني نفسه، عندما ينطبق ذلك على الشخصيات في المؤسسة الأمنية.

لماذا كان هذا الأساس الاستدلالي بعيد المنال من قضية العربيد؟ لم يكن هذا بسبب نقص الأدلة، ولكن بسبب أن ممارسات محققي الشاباك ليست ممنوعة في الواقع، بل هي مترسخة بعمق في البروتوكولات الداخلية للشين بيت، مما يجعل استنتاج ماندلبليت أمرًا لا مفر منه.     

تبرير التعذيب

التفاصيل الدقيقة لما يُسمح للمحققين الصهاينة بفعله تظل سرية بالطبع، لكن مئات الشهادات الفلسطينية على مر السنين ترسم صورة حية ومرعبة لما يجري خلال هذه الاستجوابات - بعضها يمكن أن يستمر لأسابيع.

بالنسبة للمبتدئين، يمكن للمحققين إبقاء المعتقلين معزولين في زنازين صغيرة ومظلمة وقذرة، ويُسمح لهم بحرمان المعتقلين من الطعام لأيام أو تقديم طعام فاسد وغير مطبوخ وغير صالح للأكل، ويُسمح لهم بضربهم ومنع دخول المراحيض، ويمكنهم التهديد بإيذائهم أو بإيذاء أسرهم وإهانتهم والصراخ عليهم، وقد يربطون المعتقل على كرسي في أوضاع مؤلمة لفترات طويلة من الزمن، ويمكنهم نفخ الهواء البارد في زنازينهم ورفض طلباتهم للحصول على البطانيات. ويمكنهم منعهم من الاستحمام أو تغيير الملابس أو تنظيف أسنانهم بالفرشاة لأيام، ويمكنهم كذلك منع العلاج الطبي المناسب وحرمانهم من النوم لأيام متتالية... ولا شيء من هذا مخالف للقانون؛ فلجنة لانداو التي شكلتها الحكومة الصهيونية في عام 1987، خلصت إلى أن "الضغط البدني المعتدل" مسموح، ولكن لم يتم تحديد ما معنى "الاعتدال" هنا، على الرغم من أن تقرير اللجنة تضمن ملحقًا سريًا سمح بأساليب إضافية لاستخراج المعلومات من المعتقلين.

وفي حكمها الشهير عام 1999، ألغت المحكمة العليا استنتاجات لجنة لانداو وحظرت استخدام مجموعة من أساليب التعذيب. ومع ذلك، ترك القضاة للمحققين خيار التذرع بـ "دفاع الضرورة" - تبرير استخدام التعذيب بالادعاء أنه ضروري لأغراض أمنية عاجلة، يشار إليه باختصار "بالقنبلة الموقوتة". ولهذا لا يحتاج المحققون الصهاينة إلى إخفاء أي شيء عن رؤسائهم؛ على العكس من ذلك، فإنهم يسجلون بدقة استجواباتهم في وثائق سرية، ويوافق القضاة باستمرار على طلبات الحبس الاحتياطي، وغالبًا ما يمددون الأوامر لحرمان الفلسطينيين المحتجزين من الوصول إلى مستشار قانوني.

وإجمالاً، هذه الشبكة الهائلة من القواعد والمؤسسات بمثابة تركيبة للكيان لإخفاء حقيقة أنه يسمح، بل ويرحب، بالاستجواب من خلال التعذيب؛ يقوم هذا المكياج بعمل جيد في إخفاء الجرائم والفظائع الصهيونية، ولكن بين الحين والآخر، يحدث شيء ما ينحرف وتظهر الحقيقة، كما حدث في حالة سامر العربيد. عندما يحدث ذلك، تكرس السلطات القانونية الصهيونية كل طاقتها ليس لمسح المكياج، بل لتحسينه، وما يسمى بأجهزة إنفاذ القانون في الكيان، على دراية جيدة بتبييض هذه الجرائم حيث تحتشد بسرعة لخلق مظهر تحقيق جاد وشامل يهدف إلى كشف الحقيقة. وعندما ينتهي كل شيء، يتنفس الجميع الصعداء، وكل شيء يعود إلى مكانه ويُمنح الختم القانوني بالموافقة، والأهم من ذلك، يظل التعذيب بحد ذاته قانونيًا(14).

قد يتساءل المرء، لماذا تثير الدولة الصهيونية ضجة حول مكياجها وصورتها أمام العالم؟ ولماذا لا يخرجون ويقولون أن تعذيب الفلسطينيين أمر مقبول؟ ربما لأن الصهاينة يعتقدون أن "الغرباء لن يفهموا"؛ ربما ستواجه "إسرائيل" ردة فعل خطيرة تجاه هذه السياسة، بل وستعاني من بعض العواقب، لكن ربما هناك سبب آخر؛ فالتعذيب بطبيعته يسلب إنسانية الإنسان؛ يجعله إناءً فارغًا، كائنًا مصممًا للإيذاء. لا يريد "الإسرائيليون" الاعتراف بأن هذه هي الطريقة التي يرون بها الناس الآخرين. لذلك فإن الكيان الصهيوني حريص على إظهار نفسه في محافل حقوق الإنسان العالمية ويواصل التشدق في هذا المجال، ولكن وكما يجمع الخبراء القانونيون، وكما قال أعضاء اللجنة الدائمة لمناهضة التعذيب في "إسرائيل"، فإن رفض الحكومة والكنيست إدخال آليات حماية ضد التعذيب يتعارض تمامًا مع تصرفات "إسرائيل" والتزاماتها في المعاهدات التي وقعتها وصدقت عليها، وهي تشمل التوثيق السمعي البصري لاستجوابات المشتبه بهم الأمنيين أو آليات الزيارات المفاجئة لمنشآت الاستجواب من قبل هيئات مستقلة، والتوثيق السمعي البصري هو أيضًا جزء من التوصيات الأساسية للجنة توركل التي حققت في اقتحام قوات الاحتلال واختطاف السفينة مافي مرمرة، التركية.

 

المراجع

  1. حنة آرندت. في العنف. ترجمة إبراهيم العريس.ط1 (لندن: دار الساقي 1992 ) ص37.
  2. فرانس فانون. معذبو الأرض. ترجمة ساني الدروبي وجمال الأتاسي. ط1(لم يذكر مكان النشر: سامي الدروبي للنشر. 1990)
  3. كامو. الإنسان المتمرد. ترجمة نهاد رضا. ط1(بيروت- باريس: منشورات عويدات.(1983  ص7
  4. ميخائيل وارشوفسكي. ديمقراطية إسرائيل. في: رؤية أخرى العدد 36/37 ربيع وصيف 2005 (القدس – بيت لحم : مركز المعلومات البديلة )
  5. توصية بالتجند الإلزامي للشرطة. عرب 48- 28/9/2005
  6.  دعهم يختنقون: عنف الشرطة خلال هدم منازل في قرية البعنة في الجليل الأعلى في 25 شباط 2004. تقرير المؤسسة العربية لحقوق الإنسان (دراسة رقم1) نشر في أيار 2004
  7. أربع سنوات على أكتوبر. عنف الشرطة تجاه المواطنين العرب الفلسطينيين خلال العام الأول من نشر تقرير لجنة أور في أيلول 2004. تقرير المؤسسة العربية لحقوق الإنسان.
  8. المرجع السابق.
  9. المرجع السابق
  10. المرجع السابق.
  11. ج ألون: أعضاء في لجنة الداخلية التابعة للكنيست: قسم التحقيق مع الشرطة لا يقوم بدوره ولا يمنع عنف الشرطة ضد المواطنين. هآرتس 9/9/2004 .
  12. العنصرية في القضاء الإسرائيلي. وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية وفا: https://info.wafa.ps/ar_page.aspx?id=7995

 

  1. بوابة الهدف الإخبارية: hadfnews.ps/post/77563، 24 يناير 2021.
  2. بوابة الهدف الإخبارية: https://hadfnews.ps/post/78028/. 3 فبراير 2021.