Menu

الكفاح المسلح: وجودٌ وهوية

بوابة الهدف الإخبارية

مقاومة

خاص_بوابة الهدف

في ١٩ مارس ٢٠١٩ نفذ عمر أبو ليلى عمليته المزدوجة؛ وانسحب من موقع العملية مشتبكا، متجاوزًا جنود ونقاط الاحتلال وحواجزه وكاميرات مراقبته، من سلفيت إلى رام الله؛ في رحلة مطاردة قصيرة  استمرت ثلاثة أيام فحسب.

كان تنفيذ العملية سريعا، كما هي المطاردة التي تبعتها، كما هي حياة عمر، سريعة وقصيرة، وجسورة كتبت نهاية شحاعة، جعلت من عمر ومضة برق في سماء فلسطين، ضربت صاعقتها العدو لتعطي دفقة جديدة للشبكة الحية والمقاومة.

بعيدًا عن المبالغات اللفظية والاستعارات، تقودنا أي محاولة لفهم دينامية عمل الكم الهائل من العمليات البطولية "الفردية"، خلال الأعوام الماضية لإدراك أن هناك شبكة عصبية تربط كل هؤلاء الشهداء ببعضهم البعض، قد يكون تجسيدها الملموس هو المجتمع، أي الناس وتفاعلاتهم وصلاتهم الاجتماعية وعيشهم في ذات البقعة وتحت نفس الظروف، وكذلك عوامل لا يمكن رصدها، مثل ذلك التذاكر الجماعي حول الشهداء كلما صعد شهيد جديد، وما يشعله هذا الطقس؛ السلوك؛ النمط، من عوامل جديدة للتمرد ضد المحتل والذهاب نحو العنف الكفاحي المسلح، وهناك حقيقة يجب أن يتم استيعابها هاهنا؛ فلم يعد الكفاح المسلح، محض أداة تستخدم في الصراع مع العدو الصهيوني بقرار سياسي، ولكن آلية دفاعية مبرمجة، يستخدمها المجتمع بمجموعه أو عببر بعض أفراده نيابة عنه، كردٍ مباشرٍ على سياسات الاحتلال، دون إذن من أحد.

 هل غادر  هذا العنف غايته السياسية؟ لا بالتأكيد، بل عانقها، فيما غادرت الممارسة السياسية في الحالة الفلسطينية اغراضها الوطنية.

لفهم هذا لا بد من العودة مجددًا لتناول العدو؛ فالمشروع الصهيوني المصمم على ارتكاب الإبادة الشاملة لكل ما هو فلسطيني، يفرض العنف في مقابله كتعبير عن الوجود، وليس مجرد أداة كفاح سياسي، وجود يثلم الفولاذ، وجود يرد الرصاص، وجود يمزق صدر وباطن الميركافا، ويتصدى لآلات القتل، وجود يأتي تارة بوجه باسل الأعرج، ومرات باسم كلاشنكوف، ومرات أقل أو أكثر على شاكلة قنبلة يدوية أو قذيفة أر بي جي، هذه الوجود كله بالنسبة للفلسطيني، قضيته؛ أنصاره؛ أعداء المشروع الصهيوني؛ أعداء المُستعمِر، هو فلسطين؛ هويتها؛ تعبير عن بقائها في مواجهة المستعمرة المسلحة.

في فلسطين لا يمكن النظر للكفاح المسلح وفق الحسابات العسكرية الرقمية المباشرة؛ فمنذ بداية التمرد الفلسطيني ضد الانتداب والمشروع الاستعماري، كان الكفاح المسلح جزء من بنية الهوية وبؤرة لتكثيفها، لحد أن تصبح فلسطين في لحظة ما طلقة خرجت من رشاش عتيق في ساحة المسجد الأقصى لتردي جنود الاحتلال؛ فالمنفذ من أم الفحم كجزء من الأرض المحتلة عام ١٩٤٨، والمكان هو ساحة المسجد الأقصى، والمتلقي هو عربي متصهين اختار خدمة عدونا جميعا.

هنا نتحدث عن عملية الثلاثي جبارين في ساحة المسجد الأقصى ومعتز وشحة؛ أحمد جرار؛ عمر أبو ليلى ضياء تلاحمة؛ محمد علي؛ أشرقت قطناني، هم مثال على وعي يشق صدر مشروع التسوية والاستسلام بسكينه المشرعة، وبرصاصه وقبل كل ذلك بتضحيته، ويعيد رسم فلسطين المشروع والمعركة والمستقبل؛ فلسطين العدل، ويذكرنا أن "فلسطين دولة بناها السلاح، بدم الشهيد بنار الكفاح".