قبل يومين من انطلاق الانتخابات الصهيونية الرابعة والعشرين، وبينما تظهر استطلاعات الرأي تقاربا كبيرا بين الكتلتين المتصارعتين، يواجه بنيامين نتنياهو معركته الرابعة خلال عامين لإعادة انتخابه من جديد، والسعي لتشكيل حكومة يمينية تواصل قيادة الكيان الصهيوني، ولكن حكومة تحت إدارته فقط باعتبار أنه يرى في نفسه الشخص الوحيد القادر على تشكيلها، فيما تشير استطلاعات الرأي أنه يكافح للحصول على الأغلبية اللازمة لذلك في الكنيست المؤلفة من 120 عضوا، يحتاج إلى 61 منهم ليحصل على الاستقرار اللازم.
ويخوض نتنياهو المعركة على مستويات عدة أهمها معركته داخل اليمين الصهيوني نفسه، في مسعى لتعزيز القوى اليمينية وتعويض الليكود عن خسارة جزء وإن صغير من قاعدته الانتخابية بعد انشقاق جدعون ساعر وتأسيس حزب (أمل جديد) العام الماضي، مستعينا بمجموعة بارزة من الليكوديين الذين ضاقوا ذرعا بنتنياهو، وردا على ذلك ساعد نتنياهو في تنظيم تحالف جديد من القوميين الدينيين اليمينيين المتطرفين حيث شهد معسكر اليمين اتحادا بين حزب "الصهيونية الدينية" برئاسة بتسلإيل سموتريش و"قوة يهودية" بزعامة اليميني المتطرف إيتمار بن غفير برعاية نتنياهو الذي لم ينف دوره في التحالف وإن كان شدد رغم ذلك أن بن غفير لن يحصل على منصب وزاري في حكومته، لكنه سيكون جزءًا من "ائتلافه".. وهي خطوة وصفها يائير لابيد زعيم المعارضة بأنها "عار". كما انتقدت زعيمة حزب العمل ميراف ميخائيلي عودة بن غفير للظهور السياسي، مستشهدة بسلوكه التحريضي قبل اغتيال رئيس الوزراء يتسحاق رابين عام 1995. وكان بن غفير و قبل أسابيع من إطلاق النار على رابين في تل أبيب من قبل متطرف يهودي معارض لعملية أوسلو قد انتزع شارة كاديلاك من سيارة رئيس الوزراء، و تفاخر بن غفير في ذلك الوقت: "مثلما وصلنا إلى هذا الرمز، يمكننا الوصول إليه أيضًا".، وقد قالت ميخائيلي، تلميذة رابين، قال مؤخرا عن بن غفير: "البندقية التي قتلت رابين ورؤية السلام في 1995 عادت لاغتيال الديموقراطية الإسرائيلية"، كما وصف باروخ غولدشالين مرتكب مجزرة الحرم الإبراهيمي في الخليل بأنه بطله.
إذا تجاوزت هذه الكتلة الجديدة، الصهيونية الدينية، الحد الأدنى المطلوب للجلوس في الكنيست، فمن المحتمل أن توفر للمعسكر الموالي لنتنياهو أربعة مقاعد إضافية هو في أمس الحاجة إليها.
من جانبه قال المحلل السياسي شموئيل روزنر لوكالة فرانس برس أن تعزيز نتنياهو الضمني لبن غفير هو دليل آخر على أن لديه "شغفا كبيرا بالحكم و (مستعد) لبذل الكثير للبقاء في السلطة". و"إنه أقل اهتمامًا بالآداب وما سيقوله أو يفكر فيه الناس وأكثر تركيزًا على العمليات الحسابية البسيطة لكيفية الاحتفاظ بالسلطة". ووقال روسنر: "إذا كان ذلك يعني أن عليه دفع بن غفير إلى البرلمان، فلن يمنعه ذلك".
في سعيه للحصول على مقعد في البرلمان، يسعى بن غفير إلى اتباع تلميذ آخر من عصابة كاهانا الإرهابية ميخائيل بن آري، ( عضو كنيست من 2009 إلى 2013)، والذي تم حظره من المجلس التشريعي من قبل المحكمة العليا بسبب آرائه العنصرية والمتطرفة. وأشار روزنر إلى أن السياسة "الإسرائيلية" قد تغيرت منذ عهد بن آري، حيث ركز الناخبون بأغلبية ساحقة على مسألة ما إذا كان نتنياهو يستحق البقاء أم الرحيل. وقال إن التسامح مع الأصوات المتطرفة "أصبح أكبر". حيث أن " السباق ضيق للغاية وقريب ... يتم إزالة المزيد والمزيد من الحواجز النفسية."
وبينما ظل بن غفير ثابتًا في آرائه المتطرفة ولم يتنصل من دعمه السابق للقاتل الجماعي غولدشتاين، فقد نأى بنفسه بشكل هامشي عن كهانا خلال الحملة. وصرح بن غفير لصحيفة هآرتس الشهر الماضي أنه بينما كان يعتقد أن كهانا كان "رائعا"، فإنه لا يعتبر نفسه خليفة للحاخام الراحل وأن أيديولوجياتهم "مختلفة". يذكر أنه في أعقاب مذبحة الحرم في الخليل التي ارتكبها باروخ غولدشتاين، كان الكيان الصهيوني قد اضطر تحت وقع الغضب الدولي إلى وصف حركة كاخ التي تزعمها مائير كاهانا وينتمي إليها القاتل بأنها منظمة "إرهابية".
هناك لاعب آخر على اليمين مهم بالنسبة لنتنياهو وإن كان زعم في حديث صحفي عكس ذلك، بل قال نتنياهو إن هذا الخصم أصبح بلا صلة، أي نفتالي بينت، الذي قال بدوره إنه لن يتوج نتنياهو كرئيس حكومة في أي ظرف كان، ولكن هذه التصريحات الصاخبة تبقى بلا معنى حقيقي في ميدان الممارسة السياسية، فهل سيدعم بينت الكتلة الأخرى مثلا، ويسمح ليائير لابيد بالوصول إلى المنصب هذا يبدو مستحيلا، في ظل عجز لابيد أصلا عن تقديم الثمن المطلوب لبينيت.
يعتبر حزب نفتالي بينيت، "غير محدد للهوية". وهو يميني أيديولوجي، من لحم ودم الكتلة اليمينية، فهل من الممكن أن يكون قادرا على منح نتنياهو المقعد 61 ويمتنع عن فعل ذلك؟
حتى شهر مضى، كانت إمكانية أن يكون بينت صانعا للملوك، والمكمل للوحة بازل الحكومة قائمة تماما وكانت لديه القدرة على المساومة التي سمحت له نظريًا بإغلاق الهواتف في منزله وانتظار وصول الأطراف إليه. ومع ذلك، فإن هذا السيناريو غير وارد الآن. خصوصا بعد أن تبين إمكانية أن تتجاوز الصهيونية الدينية و راعم نسبة الحجب.
ولكن ما يصنع التوازن على اليمين على ما يبدو أن نتنياهو أيضا فقد القدرة على المساومة، لأنه يحاول إرضاء الجميع. لذلك، فإن الاحتمال الأرجح هو أن بينيت سيصل في نهاية المطاف إلى وزارة الحرب وهذا المنصب الذي خدم فيه سابقًا، بل وعُرض عليه قبل حل الحكومة كما ادعى هو، ما لم يعلق عليه لافانتس ولانتنياهو، وأيضا حليفته الأيدلوجية طويلة الأمد أييليت شاكيد قد تتلقى أيضًا محفظة مهمة. وسيعتمد الباقي على عدد المقاعد التي يحصل عليها الحزب.
لكن المعضلة والخوف الأساسي لدى اليمين أن لايحصل على 61 مقعدا، وسيحتاج إلى دعم حزب راعم، وستكون هذه كارثة حقيقية على اليمين .

