Menu

الدولة الأمة: المأزق والمخرجات

المصطفى زوبدي

نُشر هذا المقال في العدد 24 من مجلة الهدف الإلكترونية

مدخل:

يثير الحديث عن الدولة في إطار الأمة بعض التعقيدات، بحكم الالتباس الحاصل في المفاهيم المرتبطة بها، ونتيجة التباين في تناولها، إن على مستوى الفكر الغربي أو العربي أو هما معاً، نتيجة اختلاف المنطلقات، وهذا ما يستدعى التعاطي مع المسألة منهجية تحديد نوعٍ من المواءمة ولو نسبياً، علّ ذلك يفضي إلى عملٍ يثمر خلاصاتٍ منتجة، وهو ما يقتضي الاشتغال انطلاقاً من:

النظر في المفاهيم:

مفهوم الأمة: سيتم تناوله من خلال:

* مسار يرتبط بتكون الدولة في إطار الأمة من منطلقات وتجربة الغرب.

* مسار آخر يرتبط بها في إطار البيئة العربية بكل تعقيداتها وتشعبها عبر المسار التاريخي الملتبس.

* مسار ينطلق من توجهٍ ثوريٍ أو ماركسي، يري في الدولة أداةً للسيطرة الطبقية، ويتغير اضمحلالها في أفق تحقيق مجتمعٍ تنتفي فيه الطبقات (الحلم الشيوعي النبيل)

لقد اعتبرت الدراسات الغربية أن الأمة نتاج عاملين اثنين:

    • عامل موضوعي ويتمثل في اللغة والتاريخ، ووحدانية الجنس والإقليم، والمصالح المشتركة، والآمال الواحدة، والعادات والتقاليد والثقافة الواحدة.
    • عامل ذاتي يتجسد في وعي الأفراد بأن شخصيتهم المتميزة والمنفصلة تدفعهم إلى التعبير التنظيمي عن ذلك الانتماء، كما اعتبرت الدراسة أن التفاعل النوعي من العوامل المفضية إلى تكوين أمة ذات أداءٍ حضاري مشترك، وذات وحدة سيادية، وقد اعتبر المفكرون الألمان اللغة والتاريخ يشكلان أهميةً قصوى في تشكل الأمة، في حين يري المفكرون الفرنسيون أن العامل التراثي يعتبر  الأول في تشكل الأمة، واعتبروا الدولة العنصر الأهم في تحقيق ذلك، فوحدة الأمة وشخصيتها مستمدة من التنظيم السياسي، لذلك يعتبرون الدولة سابقةً عن الأمة، وهي سبب وجودها، والعكس صحيح، لهذا رفض المستشرق الفرنسي رينان(1882) خلال محاضرة له بعنوان: ما الأمة/ رفض اعتبار عامل اللغة والتاريخ أساس تشكل الأمة، فأكّد أن اللغة المشتركة مثلها مثل الأصل الواحد أو المصالح المشتركة، كلها عوامل غير مكتفية بذاتها لتكوين أمة، ومن ثمّ فهي عوامل مساعدة للمعيار الأهم، وهو وحدة التراث، فالتاريخ المشترك أهم عوامل التقريب بين الأفراد، وتوليد الرغبة في الحياة المشتركة، فتنشأ الأمة التي يكون لها الولاء الأول.

بينما مفهوم الأمة في الحضارة الإسلامية فقد أتى في عدة سياقات تبعاً لما ورد في القرآن وفي الكتابات التراثية، ففي القرآن ورد في العديد من الآيات بمعانٍ متباينة تبعاً للسياقات التي وردت فيها، ومن ذلك

-اجتماع المسلمين على صعيد واحد، زيادة على ضرورة اتصافهم بصفات أخرى يحققونها في وجودهم وكيانهم.

-الشهادة على الناس (وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً لتكونوا شهداء على الناس)

- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإيمان بالله (آل عمران-210)(1)

يستخلص من هذه المعطيات التي تعكس رؤى نخبة الغرب ومسلمي الشرق بالأساس، على أن هناك تبايناً كبيراً في شأن مفهوم الأمة، وأهم ما ميزه أن رؤية مثقفي الغرب أكثر دقةً وانسجاماً، وأنها تعطي تصوراً واضحاً يفضي إلى الانسجام والتناغم بين الدولة والأمة، وهو ما أفضى ويفضي إلى إعطاء دينامية للتطور، وأكيد أن التطور والسبق العلمي، والحسم مع الكثير من القضايا المعيقة كان له الفضل في بناء دولة المؤسسات، على خلاف ذلك أتى مفهوم الكثير من مفكري الحضارة الإسلامية ضبابياً وهلامياً وفضفاضاً، ولم يكشف لا تصريحاً ولا تلميحاً  علاقة الأمة بالدولة، ويبدو أن مردّ ذلك يعود إلى ربط مصير البشرية بالدين في كل المجالات بعيداً عن المنطق والفكر العلمي، إضافة إلى الرغبة والنزوع إلى الهيمنة اعتماداً على الفكر الخرافي، انطلاقاً من هذه الخلاصة، فإن الموضوعية تقتضي التعاطي مع مفهوم الدولة من زوايا متعددة، على أن يفضي هذا التناول إلى ملامسة تصور للدولة في إطار الأمة انطلاقاً من التنظيرات الفكرية الجادة، ومن التجارب التي عرفها تطور الدولة بالغرب والشرق، وهذا يستدعي تناول مفهوم الدولة في علاقة بالأمة.

مفهوم الدولة:  إذا كان القانون الدستوري يحدد الدولة في أرض محددة ذات سيادة، ومجموعة بشرية يؤطرها قانون ولها لغة رسمية، فإن مقاربة مفهومها  أتت مختلفة بين منظري الاتجاهات، فمنظرو الاتجاه الديني (الإسلامي) ينظرون إلى الدولة نظرةً ميتافيزيقية في الغالب الأعم، ويربطونها بالمقدس من منطلق الخلافة، بينما منظرو الرأسمالية يرون في الدولة أداةً حياديةً لضمان الاستقرار والرفاه، في حين يعتبرها ومنظرو الفكر الماركسي أداةً للسيطرة في إطار الصراع الطبقي، بمعنى أنها تشكل هرم الطبقة السائدة، ووفق المنظور الثوري فإن وجود الدولة أمر عرضي، وسيكون مصيرها الاضمحلال بعد تحقيق المشروع الحالم المتمثل في المرحلة الشيوعية كما يرى ذلك انجلز وباقي منظري الماركسية.

  وحيث أن المفكر فيصل دراج ينتمي إلى الاتجاه الاشتراكي، فقد بدا لي اعتماده في الحديث عن القومية والدولة، وفي ذلك يرى "أن تحول التاريخ إلى زمن مجرد متجانس، وإلغاءه دور السياسة باعتبارها صراع اجتماعي مفتوح، أدى بالفكر القومي السابق إلى:

*إهمال مفهوم الدولة بالمعنى النظري الدقيق

*صادر الفكر هذا مفهوم الدولة، ورمى به إلى أحد حقلين:

- حقل النسيان، حيت لا تستدعي القومية الدولة وتقوم خارجاً عنها

-حقل البداهة، حيث يكون دور الدولة تطبيق معاني القومية  التي هي سابقة عنها، وتغيب الدولة لأنها لحظة زمنية عارضة لا تغير شيئاً في طبيعة القومية التي تتجاوز الزمن دائماً، وهكذا يغوص مفهوم الدولة في مثالية مطلقة، شأنه في ذلك شأن القومية، فيقفز الفكر القومي على مفهوم الدولة، ليتمحور دائماً حول مفهوم الوحدة، لأن دور الدولة البديهي هو تحقيق الوحدة= سذاجة تعتقد أن إضافة القومية  إلى الدولة  ينتج أتوماتيكياً دولةً قومية، ودورها الأساسي في استرجاع الماضي العربي المجيد(منظور سلفي حالم)، وحيث إن موضوع المقالة يتعلق بالدولة في إطار الأمة، فإن الأمر يقتضي التعاطي مع هذا المفهوم في كليته من خلال التعريف الآتي: "الدولة الأمة منطقة جغرافية تستمد شرعيتها السياسية من تمثيلها أمة أو مدينة مستقلة، وذات سيادة، والدولة كيان سياسي وجيو سياسي، بينما الدولة القومية هي كيان ثقافي وإثني، مصطلح (دولة القومية) يفيد التقاء وتوافق السياسي والجيوسياسي مع الثقافي والإثني معاً، تشكل "دولة القومية" يمكن أن يحدث في أوقات مختلفة، وفي بقاع مختلفة (2 ) انطلاقاً من هذا التعريف واستحضارا لتصور المفكر فيصل دراج المتعلق بالقومية والدولة، وبغاية الإغناء، استعرض مضمون طرح للباحث مهنا الحبيل  يرى فيه أن الفكر القومي الحديث يعتبر مدخلاً للسعي إلى إنشاء الدولة القومية العربية(، وإن شئت القول إنشاء الدولة في إطار الأمة العربية ) وأكيد أن الفكر القومي العربي الحديث الذي يعتبر مدخلاً لبنا الدولة المأمولة(الأمة العربية) نشأ وتبلور في إطار الصراع مع الدولة (الإمبراطورية) العثمانية في تقابل للطورانية التركية (قومية تركية متشددة)، وبحكم التفاعل  فقد كان تأثير التجربة التركية بادياً على بعض التطبيقات المتبعة من لدن مفكري القومية العربية، وهذا ما سيتضح في الدينامية الجامحة لكلتا القوميتين من منطلق فكرة البناء الجمهوري لدى القوميين العرب، مقابل القوميين الأتراك، كما يؤكد ذلك الباحث مهنا الحبيل،  والملاحظ أن العهد الجمهوري الذي تبناه الطرفان حسب رأيه وإن تحدث عن فكرة الحداثة الديمقراطية، فقد هيمنت عليه نزعة النظام الجمهوري الحامي للولادة الجديدة، لتشكيل أمةً منفصلةً عن أمة الرسالة الإسلامية، وبالتالي هيمنة نزعة النظام الجمهوري الاستبدادي بدل الديمقراطي( 3)

• وحتى تكتمل الصورة يقتضي الأمر استعراض أهم التجارب العربية وفق تمفصل يحدد ما قبل وبعد الظاهرة الاستعمارية المجسدة في الاستعمار العثماني والغربي، وعليه أمكن التساؤل هل كان العرب قبل الحكم العثماني يشكلون دولةً أمة يمكن اعتبارها دولة الأمة العربية، وتحديداً مع نشأة الدولة الاموية إلى الانهيار والهيمنة العثمانية تحت نفس الغطاء الذي كان يستظل به من سبقها، ونعني بذلك الغطاء الإسلامي، وهذا يستدعي القيام بإطلالةٍ على تجربتي الفترة الأموية والعباسية، نشأة وانتهاء.

  • قيام دولة ما بعد الخلافة:
  • بتأسيس الخلافية الثانية على يد معاوية ابن أبي سفيان، أمكن الحديث عن تكون الدولة الأمة (الأمة الاسلامية ) انطلاقاً من مرجعية التأسيس الجامع بين العقيدة الدينية والعصبية القبلية، وقد بنت أمجادها على ما اصطلح على تسميته بالفتوحات، حيث بلغت مساحة امتدادها ما يناهز 12 مليون كلم مربع، وقد استفادت من بزنطا على مستوى الحكم والإدارة، وتميزت فترتها التي دامت لمدة 88  سنة  (662 م- 750م) بثوراتٍ عديدة قام بها الخوارج والشيعة، على اعتبار أن الخلافة اغتصبت من أهلها (آل البيت) بعد هزم معاوية لعلي على خلفية فتنة مقتل الخليفة عثمان بن عفان، وهكذا سيؤول الحكم للعباسيين الذين استعانوا في ثورتهم بالمسلمين الأجانب، مستغلين التهميش والتمييز العنصري الذي كان يطالهم بحكم عدم انتمائهم للعنصر العربي.
  • تأسست الدولة العباسية على أنقاض الدولة الأموية سنة 750م، ولئن تقلصت مساحتها إلى حوالي 6 ملايين كلم مربع، فإنها تمكنت من الاستمرار في الحكم زهاء3 قرون  (750 -2517 ) وبحكم انفتاحها على مجتمعات متحضرة وتعاونها مع دولها، من قبيل الرومان والفرس، عرفت ازدهاراً ونهضةً علميةً وخاصة في فترة هارون الرشيد وابنه المأمون، وقد بدأ الوهن يطال مرتكزاتها بفعل اتساع رقعتها، وبفعل تنامي النزعة الشعبوية وتوسع الخلاف السياسي بين مواطنيها، وساعد على تصدع الوحدة العقائدية التي هي أساس الوحدة الياسية، التي يعتمل فيها تناقض الديني بالعصبية القبلية للعرق العربي، وقد تولد عن هذه الوضعية انشقاقات أدت إلى  نشأة الدولة الإدريسية والغالبية والفاطمية، وبذا انهارت الدولة العباسية(4)
  • تحت يافطة الإسلام، وباسم الخلافة الإسلامية، شرع الأتراك في بسط نفوذهم على المناطق التي كانت تابعةً للدولة العباسية، وقد احكمت سيطرتها بقوة الحديد والنار، واعتماد محوي الهويات وخاصة العربية، وتكريس الهوية العثمانية المقنعة بمسحة الاسلامية، والتي يصطلح على تسميتها بسياسة التتريك، وقد استمرت في الحكم زهاء 6 قرون، وإن كان الوهن قد طالها في المراحل الأخيرة، وفق ما يعبر عنه ابن خلدون بدخول مرحلة التراخي والإسراف على يد الجيل الأخير الهادم للدولة، وبذلك أصبحت تلقب من طرف المؤرخين ورجال السياسة بالرجل المريض، إذ ذاك سيتدخل المستعمر الغربي الذي كان يترقب الفرصة، فيفرض خريطةً جديدة بمواصفات تخدم مصالحه، مستغلاً بعض التململ في أوساط العرب وإن بشكل محتشم، والذي قاده بعض المتنورين  أمثال عبد الرحمان الكواكبي الذي انتقد الاستبداد العثماني من خلال كتابه طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد.

بحكم هذا الالتباس الذي يطال ماهية الأمة ويطال دولتها الراعية، وبحكم التجارب العديدة والتي كان مآلها الإخفاق لاعتبارات موضوعية وذاتية، نتيجة  التدخل الاستعماري بكل تلاوينه تحت غطاء ديني كما فعال العثمانيون، أو بشكل سافر لاعتبارات توسعية تخدم المصالح الاستعمارية على جميع المستويات، وبفعل الشرط الذاتي الذي تمثل في الضعف العسكري، والتأخر المعرفي تمكن المستعمر من بسط نفوذه على الوطن العربي لمدة قاربت 400 سنة بالنسبة للعثمانيين، وحتى عندما حدثت هبة التحرير فقد استطاع الاستعمار الغربي الذي هيمن بقوةٍ على العالم العربي لعشرات السنين، بفعل القوة والخبرة- فيما يبدو- استغفال واستبلاذ أبناء الأمة العربية بصنع دول قطر ية على المقاس، وفق محددات اتفاقية " سايس بيكو" بعضها يفتقر إلى مقومات الدولة، وقد نصب على معظمها فئات موالية أو قابلة للتدجين، وهكذا فبدل التحرر والانعتاق، تم تأبيد الاستبداد والديكتاتورية التي تكرس التبعية المطلقة، وهذا ما يثبته الواقع المعيش وتؤكده الدراسات الموضوعية والجادة، ويبدو أن إطلالة على بعض التجارب، أبرزها التجربة الناصرية والبعثية، ستقربنا أكثر من الصورة، فبماذا تميزتا ؟(5)

التجربة الناصرية والبعثية:

• التجربة الناصرية: استطاعت  ثورة  يوليو 1952 التي قام بها الضباط الأحرار بقيادة جمال عبد الناصر، أن تلفت الانتباه على المستوى الدولي عامة، وعلى المستوى العربي بصفة خاصة، بفعل ما حققته من انجازات مهمة، تمثلت بالأساس في الانتصار على العدوان الثلاثي الناتج عن قرار تأميم قناة السويس، وفيما حققته من إصلاحات اقتصادية واجتماعية ولو في حدود دنيا، إضافة إلى مساعيها الرامية إلى تحقيق الوحدة العربية، وبغض النظر عن وطنية القائد وكرزميته، فإن المشروع الناصري عانى من إعطاب عبر عنها  المفكر سمير أمين (باسمه الحركي حسن رياض) بما مفاده، "اعتبر ما قام به الضباط الأحرار سنتي 1962 و1954 انقلاباً جسدت فيه الناصرية محصلة لفترة المد الثوري، انطلاقاً من سنة 1919، وأنتج النظام ما كان يستطيع أن ينتجه في ظرف 10 سنوات لا أكثر ثم فقد نفسه، وانتهز الاستعمار الأمريكي عن طريق الصهاينة هذا الضعف فضربه في عام 1967 (وبالفعل  الضربة  كانت فاصمة وأحدثت  نكسة مازالت تداعياتها وتبعاتها تطال الشعوب العربية العرب، وفي مقدمتهم الشعب الفلسطيني، الذي تتعرض قضيته للاجتثات بفعل التكالب الإمبريالي الصهيوني الرجعي )(6)

 

-التجربة البعثية: تأسيس حزب البعث بدمج أساسه حركة البعث سنة  1947 تحت اسم حزب البعث العربي على يد مشيل عفلق وصلاح البيطاروزكي الأرسوزي، ثم عرف عملية اندماج ثانية مع الحزب العربي الاشتراكي لمؤسسه أكرم الحوراني سنة 1952 تحت اسم حزب البعث العربي الاشتراكي، ويعني مفهوم البعث النهضة أو الصحوة، وتبنى خليطاً إيديولوجيا غير متجانس من القومية عربية والوحدة العربية والاشتراكية عربية واللاإمبريالية، ويدعو إلى توحيد الوطن العربي  في دولة واحدة  تحت شعار" وحدة- حرية- اشتراكية" وقد سار له تواجد في العديد من البلدان العربية، غير أن وصوله إلى السلطة لم يتحقق إلا ب سوريا والعراق، وإن كان هذا الوصول أدى إلى عكس الشعار الوحدوي، فكان الفشل والانهيار والذي نتائجه الكارثية في بلاد الرافدين باديةً للعيان، نتيجة:

- فشل التجربة الوحدوية الفوقية والمتسرعة بين مصر وسورية سنة 1958.

-هزيمة 1967 النكراء التي تعرض لها العرب في شخص مصر وسوريا و فلسطين بالأساس على يد الكيان الصهيوني، كان لها الدور الأكبر في ضرب كل الآمال المرتبطة بالوحدة.

- وعوض إعادة ترتيب الأمور من أجل بناء الوحدة، والاستعداد لموجهة العدو الصهيوني من أجل تحرير فلسطين، قامت الانظمة الثلاثة باعتماد أجندة تخدم مصالحها، وتمكنها من إحكام قبضتها على شعوبها، ومن الأمثلة على ذلك(انبطاح السادات وصفقة كامب ديفيد- الحرب العراقية الإيرانية-تعويض فقدان الجولان  بالهيمنة على لبنان-) إنها بداية الانهيار الذي ستجسد حرب الخليج الأولى والثانية، والتكالب والتآمر على القضية الفلسطينية من أجل تصفيتها أسطع تجليات الانكسار، ليخلو الجو للكيان الصهيوني فيصبح المتحكم بالمنطقة، باختصار فإن كل هذه التجارب المريرة كان مآلها الفشل(7)،

وجدير بالإشارة أن هناك دراسات جادة ورصينة لمثقفين ومفكرين يساريين يكشفون مسببات هذا المأزق، وفي هذا الإطار يرى المفكر اليساري فواز طرابلسي بأن السياسات النيولبرالية، تطال  الدول بدل الانظمة الاستبدادية، وهي تستهدف إضعاف الدولة، نادراً ما تعمل على تغير الأنظمة الاستبدادية وتحويلها ديمقراطياً، بل غالباً ما تعمل على دعم الانظمة الاستبدادية ( نموذج : مخلفات حرب الخليج الأولى 1991التي تم فيها تدمير مقومات الدولة العراقية، مع الحفاظ على النظام الاستبدادي، (وأكيد أنه حتي عندما تم تفكيكه إبان حرب الخليج الثانية سنة 2003، فقد عوض بالأسوأ في إطار تأبيد السيطرة الإمبريالية الصهيونية عبر ما سمي بالفوضى الخلاقة التي تعمل على تفتيت المفتت من الكيانات، وتصفية القضية الفلسطينية لضمان تفوق الكيان الصهيوني الغاصب).

- شعار الأسواق والديمقراطية والمجتمع المدني ينطوي على مخاطر تخدم الأسواق فقط، ويتجاهل الارتباط العميق بين عملية تحقيق الوحدة الوطنية والقومية وبين الدولة.

-  تفكيك الدولة يفضي وبسهولة إلى تفكيك الكيانات الوطنية والقومية... (نموذج ما يجري بالشرق الأوسط.

• وفي نقده للديمقراطية البرجوازية اعتمد حجتين متكاملتين:

-المساواة السياسية والقانونية، غالبا ما تستخدم كمسوغٍ إيدولوجي وسياسي للحفاظ على اللامساواة الاقتصادية والاجتماعية، وهي فكرة تبناها المفكر سمير أمين في حديثه عن المساومة الديمقراطية.

-المساواة السياسية والقانونية تظل مهددة دوماً ما لم تقترن بالمساواة الاقتصادية والاجتماعية.

الماركسية نظرية ديمقراطية منسقة، والماركسيون يسمون أنفسهم دعاة الديمقراطية الاقتصادية والاجتماعية، ليخلص إلى أن مهمة بناء الدولة الجمهورية الديمقراطية تطرح نفسها في جدول أعمال بلادنا، وستبقى لفترة طويلة.(8)

 

بناء الدولة في إطار الأمة:

تماشيا مع الطرح الوارد أعلاه، وباستحضار ما يطال البشرية عامة، وجماهير دول المحيط خاصة من قهر واستغلال، نتيجة التوجه النيولبرالي المتوحش، وإمعاناً فيما يتعرض له الوطن العربي من تكالب إمبريالي صهيوني يستهدف محو القضية الفلسطينية، وإعادة تفكيك الكيانات العربية وبنائها وفق ما يخدم المشروع الصهيوني الإمبريالي، واستحضاراً للتصور الاشتراكي الذي يرى في الدولة أداة للسيطرة الطبقية، يبدو أن منطلق بناء الدولة في أطار الأمة يقتضي؛

- الاقتناع بضرورة امتلاك مشروع بناء الدولة الوطنية الديمقراطية بأفق اشتراكي، بكل فطر عربي على حدا، يحس فيه كل مواطن(ة) ودون تمييز بأنه كامل المواطنة، إذ لا يمكن بناء الوحدة في غياب الدولة الديمقراطية.

-العمل وبأفق تحرر متعدد الأبعاد بما في ذلك بعد المقاومة بكل أشكالها من أجل حل القضية الفلسطينية، بغاية تمكين الشعب الفلسطيني من استرجاع أراضيه المغتصبة، من طرف الكيان الصهيوني المجرم وكامل حقوقه، وإنشاء دولته تكون عاصمتها القدس ، وأكيد أن حل القضية الفلسطينية جوهري، وبتحقيقه يحسم الصراع لصالح القضية العربية، إذ لا بناء وحدوي مادام الشعب الفلسطيني مسلوب الحقوق لصالح الكيان الصهيوني العنصري اللقيط.

- لإنجاز هذه المهمة التاريخية والشاقة، يستدعي الأمر قراءة التجربة العربية بما لها وما عليها، واستخلاص الدروس والعبر لنبذ ما هو سلبي وتثوير ما هو إيجابي ودمجه في مشروع وحدوي ديمقراطي حداثي تلقى فيه كل الأطراف ذاتها، وتقتنع بضرورة العمل على إنجازه وضمان استثماره، وأكيد أن هذا الأمر يتطلب الإرادة الصلبة، وطول النفس، والاستعداد للنضال عل كل المستويات وفي جميع الجبهات،( الجبهة الطبقية- الجبهة الامبريالية- الرجعية ...)، ومهما كانت صعوبة المهمة، وجسامة المسؤولية، فسيكون هناك من ينبري لها من حاملي وحاملات الهم التحرري الذي يمنح من القيم الثورية، ويبدو أن المهمة ملقاة على الأداة الثورية لاستنهاض تحالف شعبي واسع يكون بديلاً طبقياً  قوامه كل القوى الاجتماعية المناهضة للبورجوازية، والمحددة في الطبقة العاملة والفلاحين  وأوسع الفئات الاجتماعية المسحوقة، إنه الطرح العلمي الذي عبر عنه المفكر فيصل دراج، وسيكون دور هذا الحلف الشعبي إلغاء الاستغلال والتبعية معاً، وهو ما يعني اعتبار النضال من أجل تحقيق الديمقراطية بأفق اشتراكي، يندرج ضمن التحرر الوطني، إذ لا يمكن الحديث عن التحرر القومي دون ربطه موضوعياً بالتحرر الاجتماعي، ولا يمكن لأحدهما التحقق دون أن يتحقق الآخر حسب طرح الباحث فيصل دراج ( 9)، ويبدو أنه طرح في الصميم، وبه أنهى هذه المساهمة، وهي مساهمة قابلة للنقاش والإثراء. 

المصادر:

71) موسوعة العلوم السياسية –المادة 257 ص:405

2) د فيصل دراج / مجلة الطريق اللبنانية عدد مزدج5/6 بتارخ: كانون الأول/دجنبير1988 ص:267 وما بعدها.

2) صفحة المدينة فيسبوك بتاىيخ:18/2/2019

3)   مقال بعنوان القوميون العرب وأسئلة العمق الديمقراطي لـ: مهنا الحبيل مدير مركز الدراسات الإسلامية باسطنبول/ الجزيرة بتاريخ: 14/5/2014

4) ويكيبيديا جريدة الإلكترونية

5) كتاب طبائع الاستبداد لعبد الرحمان الكواكبي

6) عن المقهى الثقافي بتاربخ:20/9/2012>بوابة الأهرام

7) جريدة ويكيبيديا الإلكتروني .

    8)  فواز طرابلسي/مجلة الطريق اللبنانية عدد 4 - بتاريخ:1997 ص:158>161

  9) فيصل دراج العدد المزدوج (5/6) السابق لمجلة الطريق اللبنانية.