لم يكن الاجتماع الذي عقده بنيامين نتنياهو مع الرئيس الكولومبي إيفان دوكي في آب/أغسطس الماضي عبر الفيديو كونفرانس، البداية الحقيقية للعلاقة اليمينية المتجددة بين الجانبين وإن كان اللقاء توج بإطلاق اتفافقية التجارة الحرة بين الكيان الصهيوني وكولومبيا.
إضافة إلى مجالات التعاون المختلفة التي تم الإعلان عنها في حينه، التزم دوكي بفتح "مكتب ابتكار" كولومبي في القدس المحتلة، تماشيًا وإن مضطربًا مع التيار الذي أطلقه دونالد ترامب، الرئيس الأمريكي السابق، لتكريس القدس المحتلة كعاصمة للكيان الصهيوني ودعوة الدول التي تقيم علاقات مع الكيان إلفى نقل سفاراتها إليها.
كان الإعلان الكولومبي بمثابة خطوة صغيرة إلى الأمام في مسار الاستجابة للضغوط الأمريكية من جهة وتجاوبًا مع المنحى اليمين الذي استولى على الحكم في الجمهورية اللاتينية، دون تحدي الفلسطينيين والقانون الدولي، بشكلٍ لارجعة فيه عن طريق نقل مفاجئ للسفارة الكولومبية إلى القدس.
لم يتردد بنيامين نتنياهو في مخاطبة صديقه الجديد بأن "برنامج التعاون" من شأنه أن "ينقل شراكتنا، صداقتنا، أخوتنا... إلى مستويات سياسية واقتصادية جديدة". ومضى يقول "إيفان، قيادتك في الحرب ضد الإرهاب هي مثال لبقية أمريكا اللاتينية"..
الجميع حول العالم يعلم، سواء أنكر أو اعترف بهذا أن النسخة الخاصة بنتنياهو لمكافحة الإرهاب، تتضمن التنكيل وقتل الفلسطينيين وتعذيبهم وهدم بيوتهم ومصادرة أرضهم، وبالتالي فإن "الصديق الكولومبي" يعرف طبعًا إلى أي مدرسة "لمكافحة الإرهاب" قدم أوراق اعتماده، حيث ومنذ تولى دوكي السلطة، كان مستجيبًا تمامًا للمعايير الخاصة بنتنياهو ومنذ 2018 سجلت زيادة كبيرة في المذابح الكولومبية لم تكن الحكومة بعيدة عن الكثير منها.
ومن المعروف أن دوكي كان معارضًا شرسًا لعملية السلام التي أطلقتها الحكومة السابقة له مع القوات المسلحة الثورية لكولومبيا (فارك)، وهي حركة حرب العصابات اليسارية التي ظهرت في الستينيات ردًا على الاستبداد المحلي المدعوم من وكالة المخابرات الأمريكية.
على الرغم من أنه تم إبرام اتفاق سلام ظاهريًا في عام 2016 لإنهاء الحرب الأهلية المستمرة منذ فترة طويلة في البلاد ، فقد تبين أن "السلام" كان بمثابة استمرار للعمل كالمعتاد، وقد سارت عمليات اغتيال نشطاء حقوق الإنسان ومناهضي اليمين والحرب على قدم وساق - ومع ذلك، كانت وجهة نظر دوكي تماما مثل وجهة نظر نتنياهو بأن مجرد التذرع بكلمة "سلام" هو لعنة على ما يبدو، وربما يكون هذا هو السبب الذي يجعله ونتنياهو يتمتعان بمثل هذه "الأخوة".
كما ذكرنا أعلاه فإن هذا النوع من الشراكة الصهيونية الكولومبية ليس وليد مؤتمر آب المذكور، فقد سبق للرئيس الفنزويلي الراحال هيوغو تشافيز أن وصف كولومبيا بأنها "إسرائيل" أمريكا اللاتينية، سواء بطبيعة علاقاتها مع مخابرات الولايات المتحدة، أو بسلوك التآمر على جيرانها من حكومات يسارية خصوصًا النظام البوليفاري، أو السياسة الداخلية المشابهة للسياسة الصهيونية في فلسطين، والقتل والتهجير القسري لمجتمعات السكان الأصليين.
وأيضًا على الدوام، كانت العلاقات العسكرية الكولومبية الصهيونية متميزة سواء في مجالات التسلح أو مجال التدريب، واستنساخ الأطرر العسكرية، وبالتالي بمن الطبيعي أن تكشف التقارير الكثيرة العلاقات النوعية لكولومبيا مع صناعة السلاح في الكيان الصهيوني، وقد لعب الرئيس الكولومبي السابق خوان مانويل سانتوس - سلف دوكي - دور البطولة في فيديو ترويجي عام 2011 لشركة أمنية صهيونية خاصة، وأصدر سانتوس نفسه ردًا متفائلاً على نقد شافيز: "لقد اتُهمنا حتى بأننا إسرائيليون [كذا] في أمريكا اللاتينية، وهو ما يجعلني شخصيًا أشعر بالفخر حقًا".
ومن المعروف أن سانتوس كان يتمتع بعلاقة خاصة مع بنيامين نتنياهو بسبب ما قيل أنه صداقة طويلة بينهما. ومما يثير السخرية أن سانتوس هذا الذي كان خلال فترة توليه منصب وزير الدفاع متواطئًا بشكل طبيعي في الجرائم غير المعقولة التي ارتكبها الجيبش، والذي كان يعمل تمامًا مثل الجيش الصهيوني، ففي فلسطيني يقوم الافتراض على أساس أن كل الفلسطينيين إرهابيين، وكذا في كولومبيا، كل مدني وخاصة من السكان الأصليين هو إرهابي كحكم مسبق، وسيفوز سانتوس بجائزة نوبل للسلام عن " جهوده الحازمة " لإنهاء الصراع الكولومبي، وبالتالي اختبار الحدود الخارجية للسخرية.
توقع المعجزات
بالطبع، هناك أيضًا طرق غير عسكرية لشن الحرب كما يرى الأستاذ الفخري في كلية الحقوق بجامعة هارفارد آلان ديرشوفيتز - المروج المتحمس للرأي القانوني الذي هو إلى حد كبير ما يرام بالنسبة لإسرائيل لذبح المدنيين العرب - وقال فيما يتعلق بحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على إسرائيل أجل الحقوق الفلسطينية BDS "ليس هناك سلاح أكثر قوة في الحرب ضد المقاطعة أكثر من تطوير إسرائيل لتقنيات لا يستطيع العالم العيش بدونها"، وهكذا مثلا تذهب تقنية صهيونية مزعومة لتروج إمكانية استخراج الماء من الهواء، وهو ما روج له دير شفيتز عام 2017 أمام لجنة الشؤون العامة الامريكية الاسرائيلية، حيث "لا شيء مثل القليل من الماء العفوي لتبييض صورة إسرائيل".
في وقت سابق من هذا العام، وعبر نفس التقنية، من شركة Watergen الإسرائيلية، تم تقديم حيلة إنسانية جديدة في قطاع غزة، وفي الحقيقة لأن هذه المناورة لم تفعل شيئا لطمس حقيقة أن "إسرائيل" جنائيًا ومنهجيًا تحرم الفلسطينيين من المياه. نتنياهو نفسه أجرى العلاقات العامة لووترجين، وسفير الكيان السابق لدى الأمم المتحدة ساوى بين تكنولوجيا الشركة ومعجزة إلهية.
وماذا أيضًا، ها هي الشركة تذهب إلى كولومبيا، حيث صرحت الجيروزاليم بوست في 12 آذار/مارس بأن "شركة إسرائيلية تصنع الماء من الهواء" قد أتت لإنقاذ مقاطعة لاغواخيرا الكولومبية، ويمكن توقع العديد من هذه "المعجزات" على الأرجح.
ولكن رغم ذلك، وأخيرًا، كان إيريز زايونسي رئيس البعثة الاقتصادية والتجارية "الإسرائيلية" إلى كولومبيا قد صرح عام 2015 أن "السوق المحلي في كولومبيا مطور ومتعطش "للابتكار الإسرائيلي"، الآن، بينما تتقدم "الأخوة" الإسرائيلية الكولومبية إلى الأمام وتصبح العلاقات الثنائية أكثر خصوصية من أي وقت مضى، من الضروري أن نتذكر أن الاضطهاد اليميني لا يمكن أن يروي العطش.
كاتبة المقال: بيلين فرنانديز مؤلفة كتاب "المنفى: رفض أمريكا والعثور على العالم" و "الرسول الإمبراطوري: توماس فريدمان في العمل". هي محررة مساهمة في مجلة Jacobin.

