Menu

مدخل لتجربة ثقافية مرئية في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين

بوابة الهدف الإخبارية

نشر في العدد 24 من مجلة الهدف الرقمية

خاص "الهدف"

من الصعب أو ليس من السهل الحديث عن التجربة الثقافية المرئية منها والتي تبنتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وذلك لثرائها على صعد كثيرة ضمن ظروف بالغة الصعوبة فلسطينياً ولبنانياً وعربياً وأيضاً عالمياً، فالتجربة في مجال الثقافة المرئية، في إطار الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين دوّنها مؤسس قسم السينما والمسرح الرفيق قاسم حول في مذكراته التي سوف تصدر قريباً، والتي تشكّل تجربة الجبهة الشعبية في الثقافة المرئية السينمائية والمسرحية حيزاً واسعاً في المذكرات التي امتدت منذ العام 1970 وحتى بعد عام 1982.

حين حصل اللقاء بين السينمائي والكاتب العراقي قاسم حول والمفكر والروائي الكبير غسان كنفاني الذي كان رئيساً لتحرير مجلة الهدف وعضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عام 1970، وجد غسان كنفاني في قاسم حول الموهبة والوطنية التي ربما كان غسان يبحث عنها، ووجد قاسم حول في غسان كنفاني وفي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين المكان الذي يستطيع من خلاله التعبير عن رفضه للدكتاتوريات المريضة في المنطقة العربية والعمل من أجل الحلم الفلسطيني، هكذا كان اللقاء، وهكذا كان الاتفاق، اتفاق لم يختلف فيه اثنان من محبي الوطن ومحبي فلسطين، سرعان ما بدأ النشاط.

لم تكن الجبهة الشعبية والمقاومة الفلسطينية تملك إمكانيات مالية لكي تغطي هذا الجانب الذي يشكل المال عصب الإنتاج السينمائي، فبادر قاسم حول في شراء جهاز عرض سينمائي قياس ستة عشر ملمتراً، ودق أبواب السفارة الكوبية للحصول على أفلام صار يحملها وينتقل بين القواعد والمخيمات لينشر ثقافة السينما في صفوف المقاتلين وفي صفوف شعبنا في المخيمات الفلسطينية، وفي زيارة له لمخيم النهر البارد خطر في ذهنه بناء مسرح متنقل على ساحل البحر، فأبلغ غسان كنفاني أن نبدأ في المسرح لحين أن تتوفر لنا خميرة مالية نحرك فيها الكاميرا السينمائية.

أقام قاسم حول مدرسة في مخيم النهر البارد لتجربة يدرس فيها التمثيل وكتابة النص من خلال أحاديث الناس وتولى الكاتب جمعة اللامي كتابة النص وعملت النحاتة منى السعودي تصميم ديكور المسرحية، كل ذلك المسرحية تكتب وهي بلا عنوان، في ذات يوم وفيما قاسم حول يدرب الممثلين على التمثيل، قفز أحد الأطفال وقال لماذا لا نسمي المسرحية "طفل بلا عنوان"، وفجأة فرح الجميع وتم تثبيت عنوان المسرحية التي كانت بلا عنوان، وتمت تسميتها "طفل بلا عنوان"، ويوم تم افتتاح المسرحية لم يكن أحد يتوقع الزخم الذي حظيت به المسرحية، وبدلاً من عرضها ليلة واحدة، استمر عرضها أربعة أيام، وسرعان ما توالت الطلبات من كل المخيمات لتقديم المسرحية وصارت الفرقة المسرحية فرقة جوالة تقدم مسرحية طفل بلا عنوان.

تمت صياغة التجربة بتفاصيلها في دراسة نشرتها مجلة مواقف التي يملكها الشاعر أدونيس ونشرت الدراسة بقلم جمعة اللامي وقاسم حول، جمعة اللامي الكاتب وقاسم حول المخرج.

كان الحلم أن نعتمد ثقافة الصورة، يقول قاسم حول "كنا بحاجة إلى كاميرا ستة عشر ملمتراً وكنا بحاجة إلى جهاز صوت" حتى نوثق ونصور الأحداث التي كنا نحتاج إلى توثيقها يومياً.

ولقد التحق مع قسم السينما الذي سمي بداية "اللجنة الفنية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" عناصر من الشباب الفلسطيني الذي عمل الرفيق قاسم على عمل دورات سينمائية لهم في مجال التصوير، وحتى نبقي التفاصيل المشوقة جداً لأهم تجربة سينمائية في ساحة المقاومة الفلسطينية في مذكرات قاسم حول، فإننا هنا نلخص أهم المحطات في هذه المسيرة الثقافية المشرفة التي أشرف عليها المكتب السياسي للجبهة ممثلًا بغسان كنفاني وبسام أبو شريف بعد استشهاد الرفيق والكاتب الكبير غسان كنفاني:

1 – توثيق الحياة اليومية تقريباً للقواعد والمخيمات الفلسطينية

2 – التثقيف السينمائي والمسرحي للجماهير الفلسطينية

3 – خلق كوادر فلسطينية وعربية في مجال التصوير وإنتاج الأفلام الوثائقية

4 – حققت الجبهة الشعبية أول مشاركة عالمية في مهرجانات السينما ورفعت العلم الفلسطيني بين أعلام البلدان المشاركة وذلك في فيلم "النهر البارد"

5 – حصلت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين على فيلم بيوتنا الصغيرة على الجائزة الفضية "حمامة بيكاسو الفضية" في مهرجان لايبزغ في ألمانيا الديمقراطية

6 – أنقذت الجبهة الشعبية التاريخ المصور من قبل البريطانيين في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية ونقلته من عدن إلى بيروت على نفقتها وقامت بترميمه وطباعة نسخة سالبة وموجبة منه وأعادته إلى جمهورية اليمن، وهذا عمل استثنائي وغير عادي وقوفا مع تجربة اليمن الطليعية

7 – قامت الجبهة بدورة سينمائية لشباب اليمن في بيروت وتم اختيار المتفوقين منهم وحصلوا عبر وزارة الثقافة اليمنية على دورات سينمائية في ألمانيا

8 – حقق قسم السينما في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين دورات فلسطينية وإرسال بعثات لبعض البلدان الاشتراكية

9 – وفرت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين معدات تقنية ساعدت الكثير من السينمائيين العرب باستخدامها لخدمة القضايا الوطنية العربية وذلك بتقديم التسهيلات التقنية للمخرجين الطليعيين العرب.

10 – أنجز قسم السينما أربعة أعداد من مجلة الهدف السينمائية "المجلة السينمائية المرئية" تضم الأحداث الفلسطينية المصورة.

11 – ساهم قسم السينما في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في تحرير القسم الثقافي الأدبي والفني لمجلة الهدف المجلة المركزية الناطقة بلسان الجبهة الشعبية حيث كانت التقارير الصحفية وأخبار نشاطات السينما في العالم والدراسات النقدية تصدر كلها من قسم السينما للصفحة الثقافية لمجلة الهدف.

12 – أنجزت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين من خلال قسم السينما أول تجربة سينمائية روائية في الساحة الفلسطينية ممثلة بفيلم "عائد إلى حيفا" الذي أصبح إشارة ثقافية هامة جدا في السينما وهو الفيلم الروائي الوحيد في مسيرة حركة المقاومة الفلسطينية وما يزال الفيلم مرجعاً ثقافياً لتاريخ القضية الفلسطينية ورؤية واعية فكرية وثقافية، ما يزال الفيلم يعرض في المهرجانات والجامعات في العالم كعينة متميزة في السينما، الفيلم عن رواية الكاتب الفلسطيني الشهيد غسان كنفاني وسيناريو وإخراج قاسم حول وإنتاج مؤسسة الأرض التابعة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين

33.PNG
 

13 – قامت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين من خلال قسم السينما وعبر الأمين العام الدكتور جورج حبش بتكريم أول سينمائي فلسطيني منذ الثلاثين في فلسطين، وكان الرفيق قاسم حول قد اكتشف هذا السينمائي من خلال عمله في المخيمات واكتشف أن هذا السينمائي يعمل سنكرياً فقابله ودون تجربته ونشرت في كتاب السينما الفلسطينية صدر عن دار العودة وأصبح مرجعاً للباحثين وطلبة الجامعات في العالم وما يزال هذا الكتاب المرجع الوحيد ترفد منه المؤلفات والأطروحات السينمائية وبعد التكريم تقرر تخصيص مرتب لأول سينمائي فلسطيني وهو إبراهيم حسن سرحان وألتحق بقسم السينما تاركاً مهنة السنكرة الاضطرارية

14 – سعت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ممثلةً في قسم السينما في الدعوة إلى وحدة العمل الثقافي مع فصائل المقاومة الفلسطينية، وترجمت موقفها هذا في الوفود الموحدة لمهرجانات السينما في العالم وهذه المشاركة الموحدة جاءت أساساً بمبادرة من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، التي كانت توفر فرص المشاركة السينمائية ليس للجبهة وحدها بل لجميع السينمائيين في الثورة الفلسطينية.

بهذا الصدد ينبغي القول المؤسف بأن جهة واحدة في ساحة المقاومة الفلسطينية لم يكن يروق لها النجاحات الوطنية التي حققتها الجبهة، فكانت منذ البداية تحاول عرقلة أهدافها ولم تنجح، وتحاول الاستئثار بالعمل الثقافي الفلسطيني، وما يؤكد رأينا هذا، فنحن اليوم والعمل ما يزال قائماً لجمع الأرشيف السينمائي المصور فلسطينياً ومركزته في مؤسسة أرشيفية يعمل الكثير من الأكاديميين الفلسطينيين على إنجازه، تحاول تلك المؤسسة الاستئثار حتى بالأرشيف المصور الذي هو ملك لفلسطين وملك فلسطيني، فأصدروا كتاباً لم يكن فيه ذكر للجبهة الشعبية، ويحاولون العمل على جمع الأرشيف الفلسطيني للاستئثار به حزبياً، فيما توجهات الجبهة الشعبية هو إنشاء مركز أرشيف للذاكرة الفلسطينية.

في مذكرات الرفيق قاسم حول تفاصيل مثيرة، كيف كان مصورو الجبهة الشعبية يغطون الأحداث الصعبة في الخطوط الأمامية، وكثيراً ما واجه المصورون الغزو الإسرائيلي لمدينة صور عام 1978 وهو مجرد مثال، ونضع هذه الصورة التي التقطت للرفيق قاسم حول في تبنين وهو والمصورون يواجهون الغزو بكاميراتهم، وهو ما يثبت تواجد الرفاق الفنانين الشجعان في توثيق الواقع الثقافي الفلسطيني

بعد تخرجه من معهد السينما في ألمانيا، التحق السينمائي جبريل عوض بقسم السينما في الجبهة وعمل مخرجاً مساعداً في فيلم عائد إلى حيفا، وواجهة الغزو الإسرائيلي في لبنان عام 1982 وأخرج فيلماً وثائقياً بعنوان صباح الخير يا بيروت.

مدخل الجبهة 1.PNG
 

صورة تاريخية نادرة، قاسم حول في تبنين مع المقاتلين لمجابهة الغزو الإسرائيلي لمدينة صور 1978 وكان معه اثنان من المصورين.

التقاط.PNG