Menu

شباب غزة.. من واقعٍ مُر إلى لجوءٍ أكثر مرارة

تعبيرية

غزة _ خاص بوابة الهدف _ أسماء السيد

أخبروا ذاك الشاب أنّ الهجرة هي جنّة، وعند رؤيتك الجمال في بلاد الغربة، سيلفظ لسانك السباب غضبًا على غزة المحاصرة التي صارت جحيمًا من مخرجات الانقسام اللعين، في بلاد المهجر متاع الحياة وفيرة، وعند وصولك ستحصلُ على منزل وراتب وإقامة ومن ثم تُمنح الجنسية، لتتخلص بعدها من أشكال الذل والهوان الذي أنتجه ساسة الوطن، هذا ما يحسبه الشباب لحظة خروجهم من بوابة معبر رفح البرية؛ فتلك الصورة الشخصية المبهجة في مكوناتها، والتي تلتقطها عدسة الكاميرا للمغترب، دائمًا ما تكون خادعة، وتخفي وراءها رحلة من الموت والمعاناة وليالي طوال كالحة من الوحدة والقهر، تلك الصورة باستطاعتها إغواء السكان المتعبين داخل القطاع بأنّ ما يسمع هو الحقيقة الكامنة.

كشوفات السفر الأخيرة التي تصدر عن الهيئة العامة للمعابر والحدود في غزة، لوحظ أنها تستحوذ على عدد هائل من عائلات هاجرت بأكملها للمجهول.. وإلى أين المفر؟ ومن المسؤول عن رغبة الشباب الجامحة بترك الوطن الذي من المفترض أنّ يكون ملاذهم رغم ملاقاتهم لأهوال جهنم في طريق الموت لأجل الحياة؟.

الشاب معتصم (30 عامًا) من مخيم جباليا، هو أحد الشباب الفارين إلى اليونان هروبًا من الفقر والقهر في غزة منذ عام 2017، حيث رفض نشر اسمه كاملًا تحسبًا من معرفة ذويه في غزة حقيقة معاناته التي يخفيها عنهم بالطمأنة الدائمة 2017.

استقر في جزيرة ليروس، وحدثنا عن عواقبَ ومآسي الغربة وهو يعتصر ألمًا من معاناته التي كان على أمل أن تنتهي بعد مغادرته من مسقط رأسه في مخيم جباليا.

يقول: "إنّ الوضع المعيشي صعبٌ جدًا فوق التصور؛ كرفانات مليئة بالحشرات لا تصلح للسكن الآدمي"، ويضيف "الطعام الذي يتم تقديمه سيءٌ للغاية، إذ إنّ وجبة الفطور عبارة عن (حبة مولتو، فتلة شاي، تفاحة أو إجاصة شبه تالفة)، أمّا وجبةُ الغذاء أو العشاء فلا تكفي طفلًا صغيرًا، وغالبًا ما تكون (بطاطا أو عدس أو فاصولياء، وقطعة خبز يابسة)، مشيرًا إلى أن المبلغَ الشهري الذي يحصل عليه هو تسعون يورو لا يكفي لأسبوعين، وفي حال كنت مدخنًا فهذا يعني أن المبلغ لن يكفي لأسبوع.

أمّا عن إجراءات الحصول على الإقامة فذهب معتصم يقول: "قد تنتظر من سنة إلى سنة ونصف لأجل الحصول على الإقامة، وبعدها تحتاج لانتظار شهرين أو ثلاثة للحصول على كرت الإقامة والجواز" مشيرًا إلى أنه يعيش في _جزيرة لورس_ وجميع سكانها فلسطينيون من أبناء غزة، حيث يوجد بها العشرات من شباب مخيم جباليا.

وعن سبب عدم بقائه في تركيا كانت الإجابة: "أنا خرجت من غزة، وخطتي الذهاب لأوروبا، لكن تركيا ما هي إلا وسيلة عبورٍ لا أكثر، ويضيف: "الظروف الاقتصادية في تركيا لغير التركي صعبة جدًا، أنت تعمل فقط من أجل توفير الإيجار، والأغلبية من الشباب وجهتهم أوروبا".

التعقيد والصعوبة في الوصول إلى بلجيكا

أشار معتصم إلى أن سبب هذا التعقيد والصعوبة في الوصول إلى بلجيكا، جاء بعدما أصبحت ترفض طلب اللجوء للحاصلين على الإقامة اليونانية، أي أن معظم الشباب بات مصيره مجهولًا بعد الفشل المستمر في الحصول على إقامة دولة أخرى.

الشاب خالد (٢٧ عامًا) من مخيم جباليا الذي لجأ إلى اليونان في جزيرة متليني، كـغيره من الشباب الفارين، فلم تختلف معاناته عن معاناة الشاب معتصم، إذ يقول إن الوضع الاقتصادي السيء لليونان، وضعف الخدمات المقدمة للاجئ، لن تمكنه من الحصول على عمل جيد، ثم لن يتمكن من الحصول على عمل في إحدى دول أوروبا الجيدة، والعمل بالنظام الأسود، مبينًا إلى أن العمل ممنوع في باقي أوروبا لأصحاب الإقامة اليونانية.

ويضيف: "أرى التخبط في عيون الشباب، وجلّ أسئلتهم: هل هناك حل لكسر الإقامة؟  ومناقشاتهم الدائمة يحوم عليها التخبط والسير في طريق مظلم، واختتم قائلًا: "المحظوظ هنا نوعًا ما؛ هو من يستطيع توفير مبلغ (4500-5000) يورو ليكمل مسيرته في التهريب نحو بلجيكا قبل حصوله على الإقامة اليونانية، رغم أن ذلك لن يضمن له الحصول على إقامة بلجيكية.

الشاب أحمد فياض من غزة، مستشهدًا بتجربته في السفر إلى أوروبا مع الشركة التي يعمل بها؛ يقول: "يظن البعض أن الهجرة أمر سهل، وبمجرد دخولك الأراضي الأوروبية أنت في أمان، لافتًا: "أنا ذهبت لأوروبا في زيارة عملٍ مع مسؤولين من شركتنا، والله رأيت مناظرَ تشيّب الرأس"، وأضاف: "للأسف هناك سوريون وفلسطينيون وعراقيون بالآلاف مشردون ولا يجدون ما يسد جوعهم، وبعضهم تعرض للسجن والإذلال والبعض أصبح متسولًا وآخرين داخل أماكن احتجازٍ لا ترتقي للآدمية"، مشيرًا إلى أنّ "الكثير منهم يتمنى العودة بدلًا من هذا الذل والتشرد"، مؤكدًا أنّ المشهد مؤلمٌ بكل ما تحمله الكلمة.

ويؤكّد فياض أنّ "البعض يعتقد بمجرد الموافقة من الدولة التي وصلتها بالسماح لك بالبقاء بأن ذلك يمنحك الحصول على إقامة، بل هناك إجراءات طويلة معقدة وتحقيقات قد تؤدي لرفض طلبك"، مشيرًا بحسب معلوماته أنّ مجموعة كبيرة منهم عادت لتركيا، حيث المعاملة التركية أفضل بكثير من حيث الجانب الإنساني، ناهيك عن ارتفاع الأسعار بشكل جنوني وفرض الضرائب المرتفعة في أوروبا، حتى على الأوروبيين أنفسهم.

وبحسب تجربة الشاب فياض أشار لأهمية دور وسائل الأعلام بتوعية الشباب بعدم التفكير بالهجرة في حال لم تكن مؤهلاً ماديًا ودراسيًا، لأن دون ذلك ستعيش جحيمًا.

كسر الإقامة بالتزامن مع انتشار فايروس "كورونا"

هل ستزداد معاناة الفلسطينيين اللاجئين إلى اليونان بعد انتشار وباء كورونا، وهل سيكون رد الإقامة رحمة لتخفيف المعاناة؟

الشاب عاهد الخالدي (27 عامًا) من مخيم البريج والذي لم يمانع من ذكر اسمه "للهدف"؛ يُقيم عاهد في جزيرة خيوس اليونانية، والذي أطلعنا على معاناته في ظل فايروس "كورونا" استكمالًا لسلسلة القهر التي أفادنا غيره من الشباب بها، ما قبل انتشار الوباء، قائلاً: "بعد انتشار فايروس كورونا في العالم، أقيم على (الكامب) حجر مدة ثلاثة أشهر بغير ذنب، بما أنهم يتصفون بالعنصرية كـ شعب، ولا يسمحون لنا الذهاب إلى المدينة أبدًا، وكل شهرين تقريبًا يتم تجديد الحجر على الكامب مدة عشرة أيام".

وعن سبل الوقاية والإجراءات المتبعة تجاه اللاجئين للحماية من انتشاره بينهم، أكد أنّه: "عند الاشتباه بإصابة أحد اللاجئين؛ يتم حجره مدة أربعةَ عشرَ يومًا، مع انعدام سبل الوقاية كافةً"، واصفًا إياها بالصفر، والعلاج المتوفر هو حبوب أكامول المسكنة فقط".

وعن وجود طبيب في حال تعرض أحد اللاجئين لوعكة صحية أفاد بأنّه: "يوجد طبيب عام وغير متخصص بجانب معين، ولا يوجد علاجٌ كافٍ، ونبقى على باب الدكتور نحو خمسِ ساعات تحت الشمس في انتظار الدخول إليه".

طعام لا يقدّم إلى كلاب

أما عن التغيرات التي طرأت بعد انتشار الفايروس، تحدث الخالدي بصوت ظهر عليه الحزنُ والتعب: "إن الأمم المتحدة قلصت الراتب من تسعين يورو إلى سبعين يورو، والطعام لا يقدم للكلاب".

وفي حديثه عن ظروف الكامب الذي يعيشُ فيه أفاد بأن "الكامب لا يسع في المعدل الطبيعي إلى ألفٍ ومئتي شخصٍ، وفي ظل توافد اللاجئين أصبحت كارثة، حيث في اليوم التالي من الوصول لا يعرف اللاجئ إلى أين يذهب فأصبح يعمل خيمة صغيرة من النايلون والخشب، والحمامات بعيدة عن الخيمة تقريبًا ثلاثمئةٍ متر".

وحين السؤال عن مصير من حصل على رد الإقامة، قال الخالدي: "إن هناك ألفًا ومئةَ شخصٍ من اللاجئين مهددون بالطرد من السكن وقطع المساعدات المالية؛ بحجة أنها غير ملزمة بـتوفير كل المتطلبات لمن حصل على رد الإقامة عنهم، حسب تصريحات مجلس اللجوء اليوناني والحكومة اليونانية، وعلى هؤلاء الأشخاص البحث عن عمل وسكن.

وفي ظل تلك المعاناة المريرة التي يعيشها الخالدي وصدمته بأول يوم وصل فيه إلى اليونان التي أدت إلى امتناعه عن الكلام من هول الواقع الموجود فيه، دفعني سؤاله عن السبب الذي يجبره لخوض هذه التجربة الصعبة، قال متألمًا" أصبح عمري سبعةً وعشرين عامًا ولم ينظر لي أحد، حياتي كانت في غزة دون مصير محدد وبلا عمل، وشعور الضياع دائمًا ما يلاحقني، صحيح أن الغربة صعبة؛ لكن هذا الجحيم أفضل من غزة ألاف المرات".

الخدمات الطبية في ظل "كورونا" ورحلة العبور

الشاب وليد هنية، من غزة والذي وصل اليونان بتاريخ 10/12/2018 وصف رحلة العبور الى اليونان بالقاتلة، قائلًا: "تعرضت للإصابة في البحر بعد تعثر قدمي بفراشات ماتور المركب الذي استقلّناه وسيلة للوصول إلى اليونان، إذ كانت الإصابة متوسطة، ولكن بسبب الإهمال الطبي للاجئين؛ تحولت إلى تعفن وكادت أن تبتر قدمي لولا لطف الله".

وأضاف الشاب هنية: "السكن الذي نعيش فيه لا يصلح للعيش الآدمي والحياة لم تختلف بعد رد الإقامة، بل ازدادت سوءًا"، مُؤكدًا أنهم "قاموا بإصدار قرارات بقطع الرواتب على من يحصل على رد الإقامة وطردهم من الكامب، في ظل وضع اقتصادي متردي، وهذا دفعني للنوم بالشارع مدة ثلاثة أيام".

الأسباب التي جعلت غزة بيئة طاردة

في ذات السياق حول معرفة أسباب الهجرة المريرة للشباب الغزيين، تحدثنا مع نائب مدير مركز الميزان الأستاذ سمير زقوت، الذي بيّن أنّ هناك أسبابًا موضوعية متنوعة دفعت الشباب للهجرة، منها ما هو مرتبط بالاحتلال "الإسرائيلي" وسياساته العنصرية وانتهاكاته المباشرة التي تقوض شعور الإنسان بالأمان، ولا سيما حصار غزة والعدوانيات واسعة النطاق المتكررة عليه والهجمات شبه اليومية التي تطال مدنيين وممتلكات وأعيان مدنية، مشيرًا إلى أن منها ما هو مرتبط في الأداء الفلسطيني الداخلي.

وقال زقوت إنّ "الأراضي الفلسطينية تشهد تدهوراً غير مسبوق في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأوضاع الإنسانية بشكل عام، بعد أن شهد الاقتصاد انهيارًا ولاسيما القطاع الخاص"، مؤكدًا أن "أوضاعًا من انعدام الأمل سادت بين الشباب، ولا سيما بالنسبة للشباب عموماً وعشرات آلاف الخريجين الجدد، في ظل تفشي مشكلة البطالة التي تطال نحو ٨٠٪ من الخريجين، وتفشي الفقر المدقع الذي تحول إلى جوع هنا في قطاع غزة".

وتابع: "تواصل الخدمات العامة ولا سيما الأساسية تدهورها، كصلاحية المياه ووصولها للمنازل والتيار الكهربائي والتلوث البيئي وتدهور خدمات الصحة والتعليم والعمل"، مشيرًا إلى أن "كل هذه المشكلات وضعت الشباب أمام تحديات كبيرة وانعدام في الخيارات".

وأشار زقوت إلى أن "تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية رافقة تصاعد في انتهاكات حقوق الإنسان من قبل السلطات المحلية"، لافتًا إلى أنّ "عمليات الاعتقال التعسفي شاعت في القطاع على خلفية التعبير عن الرأي، وقيّد الحق في التجمع السلمي وتشكيل الجمعيات كما قيدت حرية الرأي والتعبير والعمل الصحفي، كل هذه المعطيات شكلت عوامل تدفع الشباب إما إلى الانتحار والتخلص من هذا البؤس أو المغامرة بالهجرة وبطرق غير شرعية إلى أوروبا الغربية".

احصاءات مرتفعة رغم عدم دقتها

الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، في بيانٍ حول أوضاع الشباب في المجتمع الفلسطيني، عشية اليوم العالمي للشباب في 10 اغسطس لعام الـ2017 أفاد بأن أكثر من ثُلث الشباب في قطاع غزة يرغبون بالهجرة الى الخارج، إذ أظهرت نتائج مسح الشباب الفلسطيني 2015 أن حوالي 24% من الشباب (15-29) سنة في فلسطين لديهم الرغبة للهجرة للخارج، ويبدو أنّ الأوضاع السائدة في القطاع دور في زيادة نسبة الرغبة في الهجرة للخارج، إذ بلغت نسبة الشباب الذين يرغبون في الهجرة للخارج في قطاع غزة 37% مقابل 15% في الضفة الغربية. كما يلاحظ أن الذكور الشباب أكثر ميلًا للتفكير في الهجرة للخارج مقارنة بالإناث الشابات إذ بلغت هذه النسبة للذكور 29% مقابل 18% لدى الإناث الشابات.

ومن الملاحظ أنه لا توجد إحصاءات دقيقة للذين هاجروا من قطاع غزة لغاية اللحظة، لكن في منتصف مايو/ أيار العام الماضي نشرت هيئة البث "الإسرائيلية" الرسمية "كان" تقريرًا تلفزيونيًا حول الشبان الفلسطينيين الذين هاجروا من قطاع غزة، والذين تجاوز عددهم وفقًا للتقديرات الـ40 ألفًا، حتى منتصف عام 2018، إلّا أنّ بيانات صدرت عن منظمات الإغاثة التابعة للأمم المتحدة تفيد بمغادرة حوالي 61 ألف مواطن عام 2018، عاد منهم حوالي 37 ألف. بينما تفيد تقديرات مختصون حقوقيون من غزة إلى أن أعدادهم فاقت 70 ألف شاب منذ عام 2014 حتى بداية 2020.