Menu

عن "حنظلة الراكض على حافة البحر"

أحمد مصطفى جابر

نُشر هذا المقال في العدد 25 من مجلة الهدف الرقمية

عن "حنظلة الراكض على حافة البحر"

أو الولد الذي استعار بارودة خاله ولا يريد ردها!

رواية لنصار إبراهيم

يُقال إن الرواية تبدأُ من حيث ينتهي المؤرخون؛ تأتي لتحفرَ عميقًا في القصص الخفيةِ الأكثر شخصية وحميمية؛ قصصُ الأغلبية الذين لا يحفلُ بهم المؤرخ.

أزعمُ أن الرواية في الواقع تبدأ من حيث قرر المؤرخ التجاهل، والقفز على التفاصيل التي لا يعبأ بها المنتصرون، والمؤرخ بسطوته الثقافية الفكرية هو نوعٌ من المنتصر، والانتصار في النهاية تُحققه طبقة معينة، ثَمّة طبقة تُهزم، وأخرى تنتصر، ويبقى للآخرين، مهزومين ومنتصرين القهر والنسيان أو راوٍ يخرجهم من عتمة النسيان، وهذا ربما ما فعله نصار إبراهيم، إعطاء صوت فردي وجماعي، لهؤلاء الذين لا ينتبه أحد إليهم، وإلى أدوارهم.

 لا أقصد في صنع التاريخ حتى لا أبدو مُحمِلًا الرواية فوق ما تحتمل، بل في صنع الحدث الإنساني، حيث يُبنى التاريخ في الواقع على يومياتهم الصغيرة والإنسانية الحميمة التي تمثل كل شيء؛ مقدمًا لنا نصًا يليق بنا نحن المنسيين الحالمين؛ نص يكشف كم أن لغتنا الأصلية جميلة بدون بهرجة الرموز وتكلف اللغة، وهو في هذا يعيد الاعتبار الكتابة للناس؛ الكتابة لأصحاب القصص الذين تدور القصص حولهم أصلًا وتنقل فرحهم وحزنهم وبؤسهم ولحظات انتصارهم أو انكسارهم لا فرق المهم إنها قصتهم هم؛ تكتب بدون تكلف وبدون الاتكاء في برج عاجي مع نظارة ملونة.

لذلك، ينحو نصار إبراهيم في روايته هذا السبيل، وعلى نحو معاكس وليس مناقض، مستلهمًا صوت الوعي الشعبي، ويعطي الصوت للجماعة التي هي الأغلبية المُسكَتة أو المُتجاهَلة؛ عبر حنظلة؛ العابر للزمان والمكان؛ كشخصية رئيسية حاسمة وكلية وفريدة.

وحنظلة عند نصار إبراهيم، كما عند صانعه أو خالقه الأصلي ناجي العلي ؛ اسم حركي لفلسطين؛ فلسطيني محدد، له ملامح محددة ومن المؤسف أنه لا يصلح اسمًا حركيًا لأي فلسطيني على الإطلاق، بل فقط لأولئك الذين يختارون اتباع خطى الصبي الحالم.

"هذا الولد مثل شجرة الزيتون - راسخ وهادئ-  غاضب وعنيد - فرح وحزين-  جرئ وشجاع - واضح وغامض - لا يتوقف عن مطاردة أمنياته حتى لو كانت في آخر الكون، وقبل كل هذا وبعده يعرف لغة الزيتون"  (ص15).

تنجح الرواية في اقتناص جذوة الشعر، عبر موسيقى داخلية لا يمكن إغفالها، تُحيل النص الطويل إلى قصيدة أو أغنية، بلغة مرهفة سلسلة وجُمل رشيقة ومفرداتٍ في مكانها تمامًا، مُعيدًا القارئ إلى زمن الرومانسية الواقعية، ولكن التي تنضح بالرمز الذي لا يمكن أن يفهمه إلا من اختار طريق الولد حنظلة على ما أزعم؛ ينقل القارئ الحالم إلى تفاصيل تُعادل الحقيقة وكأنه بلغة الوصف البديعة لزمان ومكان بديع يستعيد دنيا كاملة عابرة للنسيان والوجود.

"في تلك اللحظات كان قلبي يرقص وأنا أتابع حبات القمح تنهمر من يده كحبات المطر. كانت تضئ قليًا في أشعة الصباح ثم تذهب في طريقها؛ فأصغي للحظة التقائها بالأرض، يشدّ والدي المحراث ويمي بعزم. كنت أسر بجانبه وأتابع السِّكة وهي تغوص في أعماق التربة فتنفتح بلون مدهش؛ ألقي بنفسي على التراب المحروث فتغمرني رائحة الأرض، كنت لحظتها أتمنى لو أبقى هكذا إلى الأبد" (ص 8).

فلا تُقَصِر الرواية عبر حُلم رقيق وغلالة من الأسى السحري، في تحديد ما كان وما يجب أن يكون، دون أن يبخل بالتفاصيل التي لا تعبأ بالتطويل وتسعى لاحتلال النص كله، بل أنها قادرة على التلخيص بل التكثيف، بل التحقق والتداخل في وعي القارئ وكأنه كان هناك وكأن ذلك الذي يحدث، يحدث هنا والآن.

"في ذلك اليوم البهي، الثامن من شهر نيسان 1948 تقدم الرجال وهم لا ينتظرون من السماء ولا من "العرب" شيئا، ذهبوا إلى أقدارهم، تصاعدت أهازيج القتال، غنّت بنادقهم فردّدت الهضاب صدى أصواتهم الباسلة ونبض عيونهم الذي لا يخون: تقدموا... وتقدموا... وتقدموا، ومع تقدمهم وبسالتهم كانت حفنات الرصاص تنفذ. لكنهم واصلوا التقدم فليس خلفهم سوى القدس ؛ اشتبكوا مع عدوهم حتى الموت، راحوا يقاتلون ويسقطون، كانت القدس تتابعهم بقلبها الذي يعرف أنهم لن يعودوا، فهمست: مع السلامة، لقد وعدتم ووفيتم، فاذهبوا في رعاية الله والأرض" (ص47).

هي إذن؛ سيرة ذاتية لحنظلة الغافي على شاطئ يافا أو المستظل بخيمة متهتكة في عين الحلوة؛ الشاهد على اللحظات الأخيرة لصلب نبي أو إعدام قمر في سجن عكا، وتكاد بالأحرى تكون سيرة لأولئك الذين صار حنظلة اسمهم الحركي؛ فحنظلة ليس فردًا، وليس جماعة، بل بالأحرى فكرة من لحم ودم؛ تعيد رسم التاريخ وروايته كما يجب أن يكون.

في الرواية، أو النص الطويل أو القصيدة الغنائية الرقيقة التي بين أيدينا، سمها كما شئت؛ استعادة ذاتية لبقع الذاكرة وذل المنفى وحلم الثائر. يمكنك أن تعثر فيها على ما تشاء من شجن أو دموع أو فرح أو ضحكة منفلته أو لحظة تأمل في الوجود أو إرادة صلبة لا تعرف الاستسلام، كما أرواح فؤاد حجازي وعطا الزير ومحمد جمجوم التي يستحضرها المؤلف في روايته كما غيرها، بدون تكلف أو معاندة للنص؛ فتأتي طبيعية منسابة كخيط ماء في سفح عشبي، وكيف تكون متكلفة أو غريبة وهي أصلًا القصة بذاتها؟ أليس حنظلة في النهاية هو ميراث الوقفة الشجاعة الباسلة في تلك الليلة من نيسان في سجن عكا؟

وهكذا "في الزمن الصعب واللحظات المنحوسة ينهض دائمًا وكالعادة دمٌ باسلُ في مكان ما فيعيد المجد للحقيقة والبديهيات الأولى".. هي سيرة شعب.. مراجعة عميقة بدون لغة السياسة المتعجرفة، وبدون وصاية لا على الشخصيات ولا على الأحداث؛ سيرة شعب قتيل بدون أن تغيب عنه إرادة القتال، كما قلنا، من الزيداني يبني ويحصن عكا وأسوارها، إلى الثلاثة بعد قرنين في سجن عكا إلى الشيخ القادم من جبلة ليشعل ثورة في فلسطين ويستشهد في يعبد، إلى كاتب ينفجر في صباح بيروتي حزين، إلى رسام يُردى برصاصة غادرة في إحدى ضواحي لندن، إلى فتى يدعى منصور يستعير بارودة خاله ويشرق إلى صفد، هي قصتنا جميعًا، وكأنها كما أرى قصة فتى استيقظ هذا الصباح بينما أكتب هذا النص، وقرر أن يرشق حجرًا في وجه الظلام في حارة من حارات القدس؛ فتى مقدسي شجاع راسخ وباسل ربما كان اسمه حنظلة.

يطرح نصار في روايته أسئلة وجودية؛ نجد أنفسنا إما نطرحها بتعسف أو نتراجع عنها، ونتركها للنسيان؛ أسئلة عن معنى الوطن وعما إذا كان ما يزال فكرة نبيلة، وعن الاشتباك الأول وعن طعم ماء البئر الأولى وصمود الصبار وتشرش التوت.

 في نص روايته الرهيف والشعري الحالم الذي أراه كقصيدة أكثر منه كرواية، يضع نصار إبراهيم؛ الحد الفاصل والنهائي والحاسم بين رمزية الواقع ورمزية متعالية هجينة، ويعيد الاعتبار للكتابة الواضحة، ولكن الفخمة والعذبة الجميلة.

على واقعيتها؛ لا تجد في الرواية أي صراخ أو تهويل أو بكائيات لا لزوم لها ولو كانت محقة؛ تحملك على جناح موسيقى هادئة، إلى روابي الكرمل وسفوح الجليل وشاطئ في غزة، أو شارع في دمشق، وعلى رمزيتها لا يوجد فيها جنوح المثقف المتعالي إلى الغموض المتعجرف، بل هي رمزية يفرضها الواقع نفسه؛ رمزية تولد من افتراق خيمة عن أخرى، ومن ولد في السادسة لا يريد أن يكبر، ومن حبل مشنقة تدلت منه ثلاث زهرات.

تنبني الرواية على حكايات متداخلة، ومتكاثفة ومكملة لبعضها البعض، مما يجعل الإمساك بخيط السرد مريحًا للقارئ وممتعًا في آن ما؛ بتنوع اللغة مع الاحتفاظ بالرتم والجملة الرشيقة، وكلها في خدمة حكاية بسيطة أصلية؛ تختصر كل الحكايات، بدون شذوذ لتصنع تاريخ وطن وإنسان؛ قصة حب لا تنتهي؛ أبطالها بحر وشاطئ وجبل وسهل ونهل ورابية؛ زيتون وسرو، وسنديان وريح، وولد لا يستسلم.