Menu

الفيلم كفعل مواجهة

صورة تعبيرية

خاص الهدف

حين التقى الشهيد غسان كنفاني في أوائل السبعينيات من القرن الماضي بالسينمائي والكاتب العراقي قاسم حول وطرح عليه فكرة تشكيل قسم للسينما كدائرة من دوائر الإعلام المركزي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين؛ سمي في حينه اللجنة الفنية وضمت السينما والفوتوجراف والفنون التشكيلية.

 لم يكن العمل المراد التأسيس له استعراضًا إعلاميًا يستكمل صورة ديكورية توثق بعض الفعاليات والنشاطات والزيارات التي يقوم بها هذا المسؤول أو ذاك لبعض من مواقع الثورة، وكان هذا بطبيعة الحال عملًا توثيقيًا ضروريًا للإنجاز اليومي في الذاكرة البصرية، بل إن التكليف تعداه إلى إدراك أعمق لأهمية الصورة في المواجهة المفتوحة على كل المديات كأداة من أدوات الفعل الثوري في وعي أعمق وتعبئة أشمل.

وعند الاستعراض السريع يمكننا ملاحظة أن البدايات السينمائية الفلسطينية؛ رافقت الثورة باستعراضها للمقاتلين في قواعدهم؛ مبشرة بالنهوض من تحت رماد الهزيمة، في صورة الفدائي الملثم شديد الكبرياء يمتشق الكلاشنكوف ويصوب النظر نحو الشمس.. تستمد شرعيتها من شرعية الفعل المقاوم.

نحن لسنا بصدد الدراسة النقدية للفيلم الفلسطيني من حيث قيمته الفنية والمعرفية، وهي بلا شك ضرورة، لكن ليس هذا مجالها، يهمنا هنا أكثر؛ القول بأن الفيلم الفلسطيني أعلن انطلاقته بنفسه وتمتع بالدفء الجماهيري والسياسي واكتسب التفافًا اتسعت دائرته وحقق إبهارًا لافتًا واستعيرت  مفرداته في أعمال سينمائيين من خارج الدائرة الفلسطينية إلا أنه لم يغادر طفولته، ولهذا أسبابه العديدة، والتي لا تبتعد عن عثرات المشروع الفلسطيني برمته وما تزال؛ من جملتها أن احتجزت الرؤية في جزء منها في الإطار الوظيفي المباشر قصير النظر، عند البعض، ووضعت على سلم الأولويات في المُلّح والأقل الحاحًا عند البعض الآخر؛ علاوة على ذلك  ثنائية الفنان السياسي _"ابن التنظيم".

في الفنون الأخرى يملك المبدع وعيه الفني والثقافي، وفي حالتنا الفلسطينية يفترض امتلاك قدر من الوعي السياسي ومن ثم يبحث عن المتلقي... أدواته هي الريشة واللون، أو القلم، أما الفيلم عدا عن مشاركته الفنون الأخرى فيما عليه امتلاكه كشروط إبداعية يتخطاها إلى شروط إنتاجية؛ تبدأ بالمالي ولا تنتهي عند المتلقي، وعلى كل الصعد تحكمه المنافي واللحظة السياسية، وهنا تواجهه جملة لا تنتهي من المساومات؛ الحسم فيها ليس دائمًا في يد الفنان الفلسطيني "ابن التنظيم".

كيف كانت الحال في الجبهة الشعبية؟

بالوقوف أمام شرطيّ الإنتاج... والمنافي اللذين نتشارك فيهما جميعًا؛ كان للشرط الإنتاجي في شقه المالي سطوة كبيرة في الجبهة، فهي تعاني باستمرار من شح الموارد المالية، لذا كان سلوكها المالي؛ "سلوك اقتسام رغيف الخبز"؛ الحاجات، فالمهمات، فالضرورات.

في التربية الفكرية عند الجبهة تلمس في سلوكها أهمية "حصانة" الجبهة الثقافية، فإذا كان مقبولًا المساومة في العمل السياسي وفق ما تقتضيه الضرورة؛ فليس هناك أية ضرورة تقتضي أو تجيز المساومة في المسائل الثقافية أو على الجبهة الثقافية؛ لأننا أمام موقف وجودي فلسفي يتعلق بالكينونة والهوية، نجد ذلك واضحًا وبشكل كبير فيما كان الرفيق الراحل الحكيم: جورج حبش ، يدعونا باستمرار إلى التمترس في الحصن التقافي وتعزيزه وتوفير مقومات صموده والدفاع عنه باستماته: "قد نخسر معركة عسكرية؛ نعود وننهض، وقد نخسر موقعة سياسية؛ نعود وننهض، ولكن لا يجوز ولا نستطيع أن نخسر معاركنا الثقافية، لأن النهوض هنا؛ سيكون صعبًا جدًا". ولمنع الاختراقات الثقافية، لأنها اختراقات للهوية والوعي وللذاكرة الجمعية، وهنا تكون مسؤوليتنا في حشد كل الطاقات والأسلحة كضرورة استراتيجية لا تحتمل التلكؤ. في هذا السياق كان علينا فهم الفيلم ولدورنا في توظيفه، ليس من قبيل الترف الفكري وإنما في مواجهة مفتوحة لغزوة فكرية بصرية شديدة الشراسة والعدوانية، تستهدف كل وجودنا؛ إنها رؤية طموحة، دونها صعوبات وإمكانات.

قبل الاسترسال لا بد من الإشارة إلى لقاء تم مع الحكيم لمناقشة مشروع فيلم روائي وكانت الانتفاضة الكبرى عام 1987م في أوج عنفوانها، واحتياجات الأرض المحتلة في تعاظم، ولم تكن الميزانية المقترحة للفيلم كبيرة، ولكنها لم تكن في مقدور الجبهة، لكن الحكيم أكد على أهمية الفيلم في جانبين؛ التوثيقي في التقاط هذا الزخم البطولي التاريخي لحظة توهجه وحفظه؛ التراجيدي للملحمة الفلسطينية المستمرة، وهنا طرح الحكيم سؤالًا وضعنا أمام سلّم الأولويات... هذا وضعنا المالي وهذه احتياجات الناس أبناء شعبنا في فلسطين، هناك عائلات شهداء وأسرى.. وهي ضرورية وعاجلة وهناك مقاتلون، والكل يحتاج مقومات صمود؛ فأي الضرورات أرجح؟

من بديهيات الحال أن ينهض التنظيمي - السياسي في داخلنا ليتنصر على الفنان حامل راية الفيلم... هي معادلة الأولويات لا جدال دون الانتقاص من أهمية وضرورة الطرف الثاني في المعادلة؛ إنها مسألة "خطوتين للخلف من أجل خطوة للأمام"

قبل حصار بيروت 1982 بقليل

استضفنا إلى طاولة المونتاج في قسم السينما في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين شخصيتين فلسطينيتين هامتين؛ هما الرفيق أبو علي مصطفي والأخ صلاح أبو إياد، وكلاهما في ذمة الخلود لنعرض عليهم حصيلة ما صورناه في ألمانيا، للفيلم الوثائقي "برلين المصيدة"؛ من إخراج جبريل عوض، والذي تناول موضوع اللجوء السياسي الفلسطيني إلى برلين، في سبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن الماضي، ولم تكن الاستضافة مجرد عرض للمشاهد المصورة، كانت أبعد من ذلك؛ إنها "توريط فني" لاثنين في رأس الهرم القيادي للإسهام في الفعل الإبداعي الفني والمعرفي وإقحامهم في العمل، ليس فقط للمقابلة وإجراء الحوار أمام الكاميرا، بل ومشاركتهم في الصياغة الفنية للصورة بالاستماع إلى ملاحظاتهم عند قراءتهم لها سياسيًا؛ أثناء مشاهدتهم مقاطع من العمل على طاولة المونتاج، وكانت الكاميرا لهم بالمرصاد؛ تسجل هذا التفاعل واللقاء أثناء المشاهدة الأولية ليكون لاحقًا جزءًا من بنية الفيلم؛ يقودنا هذا إلى إعادة طرح السؤال الهام حول رؤية الجبهة لقسم السينما وعن الدور المنوط به المطلوب القيام به  .

وفي هذا نؤكد على كيفية فهمنا لوظيفة الفيلم كسلاح فعَّال (ربما بدت وتبدو رومانسية، لكنها جرعة يحتاجها الفنان على أية حال!!) على القيادة وأصحاب القرار أخذه بالاعتبار، حين وضع البرامج والمهمات سواء كانت مرحلية أو استراتيجية، ليس فقط كحالة إعلامية تستدعيها الضرورة الاحتفالية، إنما كفعل مقاوم ومستمر؛ محرض وكاشف يتخطى اللحظة وهو يلتقطها كذاكرة إلى تعميقها كوعي يصاحب سلوكنا إلى المستقبل.

والآن عودة للتجربة، وفي ضوء هذا الفهم، وقبيل حصار بيروت، كان قاسم حوّل؛ يعد لإطلاق عروض الفيلم الروائي الأول فلسطينيًا "عائد إلى حيفا"، وكنا قد انتهينا للتو من مونتاج فيلم "برلين المصيدة" وسلمنا علب الفيلم لاستوديو الصخرة الواقع في منطقة بير حسن في بيروت؛ لعمل نسخة الصفر استعدادًا لبدء مشوار العروض في المخيمات، وفاجأتنا الغارة الأولى على بيروت؛ لتستمر المواجهات ويشتد الحصار مدة ثلاثة شهور؛ سقطت خلالها مناطق في الجنوب وعلى أطراف بيروت، وصمدت بيروت وتصدت، وسقط الصوت والموقف الفاعل للنظام العربي الرسمي.

 وصل الغزاة الإسرائيليون إلى مشارف بيروت الجنوبية وأصبحت منطقة بير حسن واقعة تحت سيطرة النيران الإسرائيلية وصار الوصول إلى استوديو الصخرة متعذرًا والفيلم بات في خطر ومعرض للتلف أو السرقة، كما حدث لاحقًا مع كامل الأرشيف الفلسطيني ومراكز البحث؛ حين نهبت جميعها من قبل الإسرائيليين وتم نقلها إلى فلسطين المحتلة، وصار علينا إنقاذ الفيلم بالتسلل ليلًا إلى استوديو الصخرة في منطقة بير حسن، وبموافقة الرفيق عمر قطيش مسؤول دائرة الإعلام المركزي في الجبهة الشعبية في حينه.

تحت الحصار

حين تعرضت بيروت الغربية "للتمشيط"؛ القصف الممنهج مترًا مترًا، من الجو والبر والبحر؛ انقطعت عنها المياه والكهرباء، واشتد الحصار، ولم يكن لدينا إلا القليل من الأفلام الخام، وما كنا نصوره لا يحفظ بطريقة سليمة، وتعذر إلا فيما ندر؛ إعادة شحن بطاريات الكاميرات لعدم توفر الكهرباء.. فما العمل؟

نقوم بالتصوير ما أمكن نهارًا، ونقوم بعروض كلما سمحت الأوضاع الأمنية، كمساهمة في رفع الحالة المعنوية، واخترنا لهذا الغرض بعض الأفلام؛ كان من بينها حصار ستالين جراد، نعرضها في تجمعات صغيرة؛ مستشفى؛ ملعب  أو مخيم، وفي الملاجئ طالما سمحت الحالة الأمنية –وطالما توفرت الكهرباء- ويحضر هنا موقفان لا بد من التنويه إليهما لأهميتهما على الأقل بالنسبة لنا؛ كنا قد وعدنا نزلاء مستشفى المقاصد لتعزيز صمودهم ورفع معنوياتهم، بعرض فيلم حصار ستالين جراد كمدينة توأمت نفسها مع بيروت الصمود، وعند المساء اشتد القصف المتواصل وسقطت الصواريخ والقنابل العنقودية وامتلأت الطرقات بالحفر، ولم يكن في مقدور الرفيق الذي سينقلنا بالسيارة التحرك مع معداتنا والفيلم إلى حيث يتم العرض، وهنا نهض الرفيق عمر قطيش قائلًا لن نلغي العرض؛ أنا سأقود السيارة، وتحركنا تحت هذا الوابل ومسؤول دائرة الإعلام وعضو المكتب السياسي في الجبهة الشعبية؛ ينقلنا إلى حيث نفي بالتزامنا وننجز المهمة؛ لم يتوانَ الرفيق في اللحظة الصعبة ولم يُسوّف. رحل الرفيق عن عالمنا لكنه باق فينا مثالًا للالتزام وللقائد.. لك المجد يا رفيق.

الموقف الثاني؛ كنا نعرض نفس الفيلم في ملعب مدرسة وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين في مخيم مار إلياس في بيروت، وكان الحضور يتوزع أرض الملعب ليلًا غير مكترث للطيران المحلق في السماء، وعلى أثر انبعاث الضوء من جهاز العرص وانعكاس الصورة على الجدار الأبيض في الملعب تكثف الطيران من فوقنا.. إنها لحظة تحدٍ رومانسية؛ إنها مواقف فرضتها إرادةٌ رفضت الانكسار ولم تغادر الملعب.

 صورنا بعضًا مما عانت بيروت، ولم يكن في الذهن حينها إلا أن نقدم لها باقة ورد؛ فكان فيلم "صباح الخير يا بيروت"؛ أخرجه جبريل عوض وكتب له النص الشعري الشاعر السوري الراحل ممدوح عدوان. وجاء يوم الرحيل عن بيروت، وحملنا معنا بضعة علب نيجاتيف 16 ملم؛ صورناها كمادة خام؛ تركنا المقرات والمكاتب والأرشيف، ولم نكن ندري أن المواثيق الدولية والاتفاقيات وضمانات فيليب حبيب لن تحمي الأرشيف ومراكز البحث من النهب، وصعدنا إلى الباخرة صوب اللاذقية في سوريا. 

وللموضوع بقية ما بعد الحصار