Menu

القيادي في الشعبية ناصر أبو خضير للهدف: العدو استغل مرحلة الانهزام السياسي في اعتداءاته بالقدس

القيادي في الجبهة الشعبية ناصر أبو خضير

نشر في العدد 25 من مجلة الهدف الرقمية

القيادي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين "ناصر أبو خضير":

  • قضية الأسرى والحركة الأسيرة تحتاج إلى أنّ يعاد ترتيبها ضمن جدول أولويات العمل الوطني
  • ستحتفظ الذاكرة الجمعية الفلسطينية بهبة القدس الرائعة وبالانتصار الذي تحقق في هذه المعركة

 

* لم يتوقف العدو الصهيوني عن تطوير أساليبه التنكيلية الإرهابية بحق الأسرى الفلسطينيين، حيث عمل على ابتكار أساليب جديدة، بهدف تحطيم إرادتهم، وسلبهم كرامتهم وصولًا إلى سلبهم الامتيازات التي حققوها بالمعارك مع إدارة مصلحة السجون.. كأسير أمضى سنوات طويلة في المعتقلات الصهيونية وخرجت منه حديثًا: كيف تقيّم وضع الأسرى في ضوء الإجراءات التصعيدية المستمرة بحقهم؟

** تمثل قضية الأسرى واحدة من أهم قضايا الصراع الملتهبة مع عدونا على مدى سنوات المواجهة، حيث شكّل الأسرى أحد أهم العناوين الثابتة لهذا الصراع وهو ما عكس وسيظل يعكس ثبات واستمرارية المواجهة والمقاومة، فطالما هناك مقاومة سيظل يسقط الشهداء ويعتقل المناضلين، وباعتباري أسير قضى أكثر من 16 عامًا في الأسر على فتراتٍ مختلفة بدءًا من العام 1977 وحتى العام 2021 ولا أعرف حقيقةً متى ستنتهي يمكنني القول أن كل مرحلة من مراحل وجود الحركة الأسيرة كان لها سماتها الخاصة ومضامينها المميزة وذلك كنتيجة لتحكم عاملين أساسيين: الأول بما أن الأسرى هم جزءًا نخبويًا من الحالة الفلسطينية العامة؛ فمن الطبيعي أن يحتكم واقعهم لذات الظروف والحالة العامة التي تتحكم بالوضع الفلسطيني عمومًا وتحديدًا ظروف الحالة النضالية والسياسية والتنظيمية للقوى السياسية والحالة الجماهيرية العامة السائدة سواء لناحية القوة أو الضعف، والعامل الآخر وهو مرتبط بالأول وهو يتمثل بسمات وطبيعة الأفواج المتلاحقة من الأسرى؛ من حيث نوعيتهم النضالية ومستوى الوعي والقيم والمستوى السلوكي، وانطلاقًا من ذلك أستطيع القول أن الحركة الأسيرة احتكمت تاريخيًا لهذين العاملين لنجد أن الذي دشن المداميك الأولى الأساسية في بنية الحركة الأسيرة المقاتلة من الذين كانوا من النخب السياسة التي تتبوأ مكانة قيادية تاريخية في الخارج؛ حين كان الصراع محتدمًا على الصعيد الوطني، وكانت تلك النخب الأسيرة هي امتداد بنيوي طبيعي للنخب الوطنية القائمة في كافة الفصائل المقاومة، وقد تعاملت تلك النخب مع مرحلة الاعتقال كساحة معركة حقيقية استكملت من خلالها شروط الصراع والمواجهة واستطاعت أن تواجه وتحقق الانتصارات المتتالية المعبدة بعشرات الشهداء من الأسرى وأن تقود معارك الأمعاء الخاوية لتخلق واقعًا أسيرًا مميزًا حوّل السجون والمعتقلات إلى مدارس حزبية ونضالية تخرّج منها المئات من الكوادر القيادية والمناضلين الأشداء في كافة المجالات ويمكن القول أن تلك المرحلة استمرت بعنفوانها حتى العام 1985 عام تبادل الأسرى الشهير والذي أسهم في تحرير أكثر من 1200 أسير تحرر معظمهم إلى الأرض المحتلة ليلعب المئات منهم الدور القيادي الأبرز في الانتفاضة الشعبية الكبرى عام 1987، وفي السنوات اللاحقة استمر هذا الواقع عالي المستوى بالتوازي مع الحالة الانتفاضية، ولكن بمنسوب أقل في نوعية وطبيعة المناضلين الأسرى نظرًا لانقطاع الامتداد القيادي بفعل تفريغ الحالة القيادية التي تحررت في العام 1985، ولكن يمكننا القول أنّ الخط العام ظل متماسكًا نسبيًا وظل يعكس قيم النضال والمواجهة والنضج ليبدأ هذا الواقع بالتراجع منذ أواسط التسعينيات وصولاً إلى مرحلة أوسلو وما أفرزته من سريان عدوى الهبوط والتراجع الوطني العام وما أشاعته من أوهام وآمال لدى الأسرى وخاصة حين تخللها بعد افراجات الاحتواء والتنفيس من جانب الاحتلال وسلطة أوسلو على حدٍ سواء، ومن هنا بدأ الوهن يدب في أوصال الحركة الأسيرة ليجلل المرحلة وصولاً إلى انتفاضة الأقصى 2000 وما زودته من دماء في عروقنا، ولكن خراب مرحلة التسعينيات وما رافقه من سياسات احتواء وتنكيل من جانب عدونا، إضافة إلى سياسات التدجين وحرف اهتمامات الحركة الأسيرة من جانب سلطة الحكم الذاتي نحو تحويلهم لمتلّقي معاشات شهرية وتأثير ذلك في نقل اهتمامات الأسير إلى الخارج بدل التركيز على مواجهة عدوه في الأسر وتخريب الحالة التنظيميّة لمعظم الفصائل وتحويل السجون إلى اقطاعات حكم ذاتي لنخبٍ أسيرة تمت صناعتها بسياسات التنسيق الأمني داخل السجون، وتخريب الاهتمامات الثقافية التعليمية لدى معظم الفصائل وانتشار ظاهرة الأسلمة الحياتية لدى بعض الفصائل ردًا على أسلمة السياسة في الخارج، ونوعية الأسرى المتدفقين إلى السجون من خارجٍ مدمّى بكل الأمراض السياسيّة والاجتماعية والفئوية؛ ففي ضوء التخريب الممنهج الذي مرت به الحركة الأسيرة؛ بتحكم العاملين: التنكيلي الداخلي لإدارات قمع السجون باستغلال حالة التراخي والتراجع الوطني العام الذي تمر به معظم الفصائل الفلسطينية؛ استغلت مصلحة السجون هذا الواقع وحاولت الانقضاض في أكثر من مناسبة على الحركة الأسيرة ومكتسباتها إلا أن الحركة الأسيرة رغم حالة الهبوط العام التي تعاني منها إلا أنها في السنوات الأخيرة واجهت الحملات الممنهجة من جانب إدارة القمع وأن تقف في اكثر من مناسبة لتثبت أن النضال والمواجهة لدى هؤلاء الأسرى هو سيد الموقف، وهذا ما أكدته من خلال الإضرابات التي خاضتها في أعوام: 2011 – 2012 – 2017، وإن كان فشل بعضها، وخاصة إضراب 2017.

* كان رد الأسير صالح (رشدي) أبو مخ على صحفي بارك له بالتحرر من الأسر قائلًا والألم يعتصره: "أنا لم أتحرر، لم يحررنِ أحد؛ انتهت محكوميتي ٣٥ سنة و12 يوم وبعدها خرجت من السجن"... رده في جانب منه دليل على فشل القيادة الفلسطينية في إدارة هذا الملف من جهة، ومن جهة أخرى يطرح تجاوز قضيتهم في اتفاق أوسلو ووضع تحررهم عند حسن نوايا العدو، فكيف يمكن أن يكون شكل الوفاء لقضيتهم شعبيًا وفصائليًا وإخراجها من الموسمية والنخبوية؟!

** لا يزال الأسرى وسيبقون يواجهون الاحتلال وإجراءاته، وفي السنوات الأخيرة وتحديدًا منذ عام 2017 استطاعت الحركة الأسيرة أن تستفيد من فشل إضراب عام 2017، ولكن يصعب القول الآن بقدرة الحركة الأسيرة على أن تواجه عدوها بشكلٍ موحّد؛ الانقسام لم يكن في الخارج فقط، بل عكس نفسه على الحركة الأسيرة وأضعف من قوتها على مواجهة العدو، ورغم أن الأوضاع الداخلية للحركة الأسيرة بدأت تتماسك رويدًا رويدًا، لكن مرض التشظي وتحديدًا داخل تنظيم حركة فتح باعتباره التنظيم الأكثر عددًا داخل السجون مستمرًا، وهذا التشظي سيظل مضعفًا للحركة الأسيرة إلى حين.

لقد تحولت السجون لدى فتح إلى اقطاعيات مناطقية وجهوية؛ الأمر الذي يعكس نفسه حتى على تنظيم حركة فتح أولاً، وهذا ما عُبّر عنه في التعاطي مع إضراب 2017 أو ما سُمي بإضراب مروان البرغوثي، إن ما يضعف الحركة الأسيرة أكثر هو الحالة الوطنية العامة للواقع السياسي والتنظيمي الذي تمر به سلطة أوسلو ومنظمة التحرير بكافة فصائلها، الأسرى يشعرون وبمرارة منذ انهاء انتفاضة الأقصى 2000، أن قضيتهم باتت طي النسيان وأنهم تحولوا إلى مجرد أجراء لدى السلطة الفلسطينية تتركز اهتماماتهم في متابعة معاشهم الشهري وما الذي سيصنعونه بهذا المعاش، أيضًا شعورهم بالإهمال حتى من المؤسسات التي تعني بشؤون الأسرى مثل نادي الأسير ومؤسسة الضمير وإلى آخره من مؤسسات وجدت خصيصًا للدفاع عن الأسرى وحمل قضيتهم إلى كل المحافل، إلى جانب تنظيماتهم وفصائل العمل الوطني؛ أشاع لدى الأسرى شعورًا بالوحدة والانعزال، خاصة بعدما حدث من إهمال شديد لمن أعيد اعتقالهم من أسرى صفقة شاليط والذين شارف البعض منهم على انهاء 42 عامًا في الأسر وعلى رأسهم المناضل الكبير نائل البرغوثي، إضافة إلى مناضلين فلسطينيين من الداخل الفلسطيني المحتل تركوا لمصيرهم وتم استثنائهم من صفقة شاليط؛ فهناك الأخوة  والرفاق كريم يونس وماهر يونس ووليد دقة؛ ينتظرون اكمال محكومياتهم دون أي أمل بالإفراج عنهم في صفقةٍ مشرّفة، والأخوة في حماس منذ سنوات عديدة يتحدثون كل موسم عن قرب تبادل الأسرى وللأسف هذا أصاب الحركة الأسيرة بالمزيد من الإحباط والانتظار غير المجدي.

إن الحركة الأسيرة تحتاج إلى أنّ يعاد ترتيبها ضمن جدول أولويات العمل الوطني لدى كل الفصائل والكل الوطني، لأنها ليست قضية إنسانية بل قضية وطنية سياسية بامتياز يجب التعامل معها كإحدى ثوابت مشروع تحرر شعبنا الفلسطيني، ويجب الكف عن التعامل مع الأسرى كأرقامٍ لدى البنوك أو لدى مؤسسات لا تعنى بقضيتهم سوى بشكلٍ شكلي.

* تضمنت بعض من القوائم الانتخابية للمجلس التشريعي العديد من الأسرى والأسيرات.. برأيك: ما الهدف من وراء ذلك؟ هل سيساهم في التأكيد على دورهم وموقعهم النضالي وإبراز قضيتهم بأبعادها الوطنية والإنسانية؟

** تضمين الكثير من القوائم الفصائلية لبعض الأسرى في قوائمها من الواضح أنه يعكس لدى تلك الفصائل أن الحالة الشعبية العامة الوطنية تكن للأسرى احترامًا من نوعٍ خاص، باعتبارهم عنوانًا كفاحيًا لدى الكل الوطني، وبالتالي إدراج الفصائل للأسرى على رأس قوائمها يعكس رسالة لدى هذه الفصائل وتحديدًا قائمة "نبض الشعب" الممثلة للجبهة الشعبية؛ حين وضعت على رأس القائمة الأمين العام وفي الرقم الثاني الرفيقة خالدة جرار وفي الرقم العاشر الرفيق عاهد أبو غلمى ليتلوه بعض الأسرى في أرقام لاحقة، هذا يعكس من جانب الرفاق ومن جانب قائمة "نبض الشعب"؛ إبراز الجانب الكفاحي لهذه القائمة وأن الأسرى هم رأس حربة الكفاح الوطني الفلسطيني ورأس حربة مشروع تحرر شعبنا، وهذا يعكس احترام وتقدير عالي لقضية الأسرى، خاصة إذا كان الأسير هو رأس الهرم التنظيمي لدى قائمة "نبض الشعب" ،ولا أعتقد أنه في هذه الحالة كان القصد منها المتاجرة بقضية الأسرى، بل على العكس تمامًا؛ كون الأمين العام هو أسير فهذا مفخرة لهذه القائمة وهذا عنوان لكفاحية هذه القائمة ولإصرار هذه القائمة على إبقاء قضية الأسرى على جدول اهتماماتها الوطنية والتنظيمية عمومًا.

* تتعرض القضية الوطنية الفلسطينية إلى مخاطر وجودية ومصيرية، في ذات الوقت الذي لم ترتقِ الحالة الوطنية إلى مستوى هذه المخاطر وجديتها: ما السبيل أمام حالة الاستعصاء القائمة وطنيًا؟

** هناك اتجاهان رئيسيان في الساحة الفلسطينية، اتجاه يرى أنّ التسوية السياسية الطريق الوحيد لإحقاق ما يعنيه من حقوق وطنية، وطريق آخر يرى بالمواجهة والنضال السبيل الوحيد لهزيمة المشروع الصهيوني والاستيطاني؛ صراعنا مع نهج التسوية والتنازل والتفريط صراع مرير؛ صراع يعكس عمليًا ميزان القوى القائم في الإقليم والمنطقة والعالم؛ تيار التسوية تربّى في حضن النظام الرسمي البترودولاري العربي، واستطاع هذا النظام أن يجرّ هذا الفريق إلى أحضان التسوية الأمريكية منذ أواسط السبعينيات، متغطيًا بكل الصيغ السياسية بما يسمى بالواقع الجيوسياسي والبراغماتية وإلى أخره، وقد ناضل الرفاق طويلًا ومريرًا ضد هذا النهج وصولًا إلى انقسام الساحة الفلسطينية إلى طرفين أساسيين؛ حينما تم تشكيل جبهة الرفض وصولًا إلى جبهة الإنقاذ، وتجرؤ هذا التيار المهيمن على عقد اتفاق شباط التفريطي والتقاسم الوظيفي مع النظام الأردني، وصولًا إلى قطيعة شبه تامة مع هذا النهج؛ لم يسعفها سوى الانتفاضة الشعبية الكبرى 1987، حيث اضطرارنا إلى التعاطي السياسي بالوحدة الوطنية التي كرستها ساحات الفعل الانتفاضي، لكن هذا النهج استمر في عملية التخريب والتدجين الممنهج للمؤسسة الفلسطينية والسيطرة عليها وعلى معظم الفصائل الصغيرة التي تدور في فلكه، وصولاً إلى تجرؤه على عقد اتفاق أوسلو  عام 1993.

بصراحة، أحياناً أستغرب من الذين يتفاجؤون من الممارسات السياسية والتنظيمية لهذا النهج؛ فحالة الهيمنة والتفرد والإقصاء هي سمة طبيعية لأصحاب نهج تربّوا على ربط المصلحة الطبقية والسياسية الفئوية بالسيطرة على المؤسسة وتخريبها؛ نحن أمام نهج مرت عليه تغيرّات كثيرة في بنيته الطبقية والسياسية والاجتماعية، واستطاع أن يتشكّل في كلّ مرحلة مضيفًا إلى بنيته الطبقية المزيد من الانزياح نحو اليمين الليبرالي والبيروقراطية السياسية، كلّ ذلك بفعل الدعم اللامحدود الذي تلقاه هذا النهج من النظام الرأسمالي العربي المنهار والدائر في فلك الإمبريالية الأمريكية والمتصالح؛ صراحة وضمنيًا مع مشروع الاحتلال.

وللتوضيح أكثر، ما أقصده أنّ اتفاقية أوسلو لم تكن عملية تخريب سياسي ومؤسسي في الحالة الفلسطينية، بل جاءت لتؤسس لإعادة تشكيل طبقي اجتماعي سياسي في الواقع الفلسطيني عمومًا؛ إعادة تشكيل كان عنوانها زواج غير مقدس بين رأس مال فلسطيني خاص هو نتاج الرأس مال الرسمي العربي التابع مع بيروقراطية سياسية فلسطينية تكونت داخل منظمة التحرير وتمأسست منذ أواسط السبعينيات؛ بفعل الدعم الهائل الذي تلقته من النظام الرسمي العربي وتحديدًا السعودية ودول الخليج، هذا التزاوج الطبقي أدّى إلى إعادة تشكيل نخب قيادية؛ جاءت اتفاقية أوسلو كثمرة لهذا التزاوج، وجاءت لتعطي هذا التزاوج بيت الزوجية الذي من خلاله يستطيعون أن يحبكوا مصالحهم الطبقية والاجتماعية والسياسية، وقد أفرز هذا التزاوج نخبًا طفيلية في الساحة الفلسطينية في الداخل؛ تربّت وتغذّت على مائدة الزواج غير المقدس، وقد تقوّت مصالحها وقوّتها؛ بفعل شراكة وظيفية مع الاحتلال وتحديدًا نتاج للتنسيق الأمني ولسياسات وإسقاطات اتفاق باريس الاقتصادي، والذي لم يفعل سوى المزيد من إلحاق اقتصادنا الوطني الهش مع اقتصاد الاحتلال لتتشكل فئة طبقية خاصة في الضفة، وحتى في قطاع غزة ،وهم الكمبرادور التابع أو الثانوي، لأنه صغير وضعيف لا يعمل سوى تنفيذ سياسات الاحتلال واستغلاله؛ سواء للسوق الفلسطينية الداخلية أو للعمالة الفلسطينية المضطرة، حيث لدينا أكثر من 150000 عامل فلسطيني من الضفة يعملون في مشاريع الاحتلال.

* في ضوء تعدد القراءات كما الاجتهادات حول إجراء الانتخابات التشريعية وما سيتبعها من انتخابات؛ وبكونك أحد مرشحي قائمة "نبض الشعب"، في أي سياق تقرأ هذه الانتخابات؟ وهل يمكن أن تشكل مخرجًا من حالة الانقسام الداخلي والمأزق الوطني العام؟

** باعتقادي أنه يجب ألّا نوهم أنفسنا بأي إمكانية جدية لدى النخب المتحكمة في القرار والمقدرات الفلسطينية أن تخنع للإرادة الوطنية والشعبية؛ طالما أن القرار سيظل بيدها والبديل سيظل ضعيفًا وميزان القوى سيظل مرتهناً للواقع الإقليمي والوطني الداخلي لصالح هذه القوى، أمام هذه الحالة.. ما العمل؟

حاولنا أن نتعامل بنضج مع مسألة الانتخابات، وبعد نقاش في الهيئات المركزية للجبهة؛ اُتخذ قرار بالمشاركة فيها، رغم إدراكنا على عدم قدرتنا على التأثير الملموس في الحالة الفلسطينية، ولكن المخاطر التي تتعرض لها قضيتنا الوطنية عمومًا؛ من صفقة قرن واستيطان وتطبيع وانقسام، وكذلك الحالة المعيشية البائسة التي تمرّ بها جماهير شعبنا؛ أعتقد أنها كانت الدافع الرئيسي، بالإضافة إلى قناعتنا بأن الخيار أمام عدم وجود وحدة وطنية واستمرار الانقسام الداخلي، هو دخول المعترك السياسي حتى في أوسخ حالة، على أن نخوض هذا المعترك ونحن ندرك أن هناك حالة استعصاء متمثلة بالانقسام والتشظي والفساد والهيمنة وغير ذلك، وعليه يجب أن نبقى أمام شعبنا وأن نُبقي صوتنا عاليًا بالوقوف أمام كل هذا الخراب العام، لكي نصل بشعبنا إلى وعي ونضج أكبر في ممارسته السياسية، وأعتقد أن أمامنا فرصة جيدة لأن نثبت أنفسنا وبرامجنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية لكي تلتف حولنا الجماهير، ولا أعتقد أن التغيير يكون بضربة واحدة، وأعتقد أن ما خلفته 30 سنة لا يمكن إصلاحه في عام أو بمجرد الدخول في انتخابات تشريعية أو النجاح بها.

نحن نعتقد أن معركة المجلس التشريعي ستفتح الباب أمام محاولة جادة من جانبنا للإسهام في تعديل ميزان القوى في الساحة الفلسطينية، ولعلنا نستطيع بالمشاركة مع الكل الوطني؛ بأن نعيد بناء المؤسسة الجامعة وبناء نظام سياسي تعددي قائم على المشاركة ووحدة وطنية بحدودها الدنيا، ولعلنا نستطيع أن نسهم في إبقاء الثوابت سيدة الموقف وإبقاء برنامج المقاومة والمواجهة مع العدو قائمًا.

من الواضح أن هناك تلاعب في موعد إجراء الانتخابات، حيث من المتوقع أن يقدم أبو مازن على تأجيلها، ودوافع ذلك التأجيل حال ما جرى هي دوافع فتحاوية داخلية؛ متذرّعة بسياسة إسرائيلية ممنهجة داخل القدس ، وسبق أن أوضحنا أن الكل الوطني يدرك تماماً طبيعة الوجود الصهيوني في القدس والعقلية التي يدير بها عدونا قضية القدس؛ فمن ينتظر من عدونا أن يفرش له أرض القدس بالورود؛ واهم، أما من يريد أن يتذرع برفض العدو فهذا واضح ومكشوف، وسنناضل بشكل جدي وواضح من أجل خلق أكبر حالة اصطفاف وطني ضد قرار التأجيل وسنكون أشداء في العمل الحثيث للتأثير في إعادة بناء بنية وطنية قوية فاعلة؛ فاستمرار التلاعب في الوضع الداخلي والاتفاقات الوطنية؛ يضع علامة سؤال كبرى حول شرعية البنى التمثيلية القائمة وعلى رأسها اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير؛ الشائخة والألعوبة في يد رئيس دكتاتور لا يمتثل لأي قرار وطني؛ محاط بلجنة مركزية ديكورية وتنفيذية شكلية.

* تتعرض مدينة القدس لأكبر عملية تهويد وأسرلة منذ احتلال الجزء الشرقي منها عام 1967، وهناك أحياء كاملة مهددة بالهدم مثال حي سلوان حاليًا: فهل تعتبر أن إجراءات المواجهة المتبعة من قبل الجهات: فصائل ولجان وطنية – خاصة في ظل تعدد المرجعيات - قادرة على تحقيق أهدافها في منع ذلك أو الحد منه؟ وما المطلوب فصائليًا ومؤسساتيًا وشعبيًا لمواجهة فاعلة ومثمرة؟

** القدس منذ سنوات تعاني من غياب المرجعيات الوطنية الموحدة، حاولنا وناضلنا منذ سنوات عديدة، لأن نخلق هذه المرجعية الوطنية الموحدة لنشكل قيادة وطنية موحدة تقوم بقيادة جماهير القدس والدفاع عنها وعن مصالحها إلا أن كل محاولات القوى اصطدمت بتشظّي حركة فتح وتعدد مرجعيات الحركة وتناحرها؛ الأمر الذي أفشل كل محاولات التوحيد. وفي عام 2008 حاولنا واستطعنا أن ننجح بتشكيل ما يسمى بالمؤتمر الوطني الشعبي للقدس، ليكون بمثابة المرجعية الجامعة وشاركنا بإعداد وإخراج عشرات اللجان عن هذا المؤتمر، وخرج عنه هيئة قيادية عليا سميت بالأمانة العامة للمؤتمر الوطني الشعبي للقدس ممثلة بكل الفصائل، وكان لنا شرف التمثيل فيها بعضوين أنا والرفيق التاريخي عبد اللطيف غيث، وكان حينها لحركة فتح أربعة ممثلين، والديمقراطية ممثل وحزب الشعب ممثل، والمؤسسات والمفتي وإلى آخره، ووسّعوا التمثيل لتشمل المحافظ ووزير القدس وعضو اللجنة التنفيذية والمسؤول عن القدس في المنظمة، إلّا أننا اكتشفنا أن التعاطي الفتحاوي مع هذا الإطار كان تعاطياً مصلحياً كأي مؤسسة يتم الاستحواذ عليها واستخدامها لخلق زعامات ومراكز قوى متصارعة داخل اللجنة المركزية لحركة فتح؛ الأمر الذي جعلنا ندرك أن ميزان القوى داخل البنية التنظيمية الفلسطينية سيظل سيد الموقف؛ طالما أن حركة فتح ستظل مسيطرة على المقدرات ومنظمة التحرير مستفيدة من كل عوامل القوة العربية والأمريكية والدولية والتنسيق الأمني كذلك، وهذا وضع أمامنا المزيد من العقبات والتعقيدات.

وفي ظل ما تتعرض له مدينة القدس من مخاطر، كان من الطبيعي لعدونا أن يستغل مرحلة الانهزام السياسي العام ومرحلة الهجوم الأمريكي وتحديدًا في فترة المشؤوم ترامب والقرارات التي اتخذها بخصوص القدس باعتبارها عاصمة الكيان الصهيوني، ويعزز ويشدد من إجراءاته في إنهاء موضوع القدس من ناحية صهيونية، بمعنى المزيد من الأسرلة والتهويد على كافة الصعد بدءًا من العملية التعليمية عبر نشر العديد من المدارس في منطقة القدس العربية التي تُدرس المنهاج الإسرائيلي وصولًا إلى الاستيلاب بالتزوير والنهب والسلبطة وعمليات تزوير الأراضي والاستيلاء عليها وهدم البيوت بشكل يومي بعشرات الحالات وسحب هويات المقدسيين ومنع جمع الشمل والضرائب الباهظة التي تفرض عليهم ليصل مستوى الفقر في القدس لدرجة غير معقولة، حيث أن أكثر من ستين بالمئة من العائلات الفلسطينية مستوى دخلها تحت خط الفقر؛ فأمام مستوى المعيشة المرتفع جدًا في القدس، لا تستطيع 60% من عائلات القدس من إكمال شهرها بكرامة، ويضاف لكل ما سبق؛ الخيانة والسيطرة على المزيد من العقارات، وخاصة في منطقة سلوان، وهي البوابة الجنوبية للقدس والأكثر استهدافًا حاليًا، هذه الحالة تشكل أحد أسباب ارتفاع حالة الاحتقان في الشارع الفلسطيني العربي في القدس، وهذا الاحتقان لا يحتاج سوى إلى احتضان وطني وسياسي من جانب القوى الوطنية الحية والفاعلة، ويحتاج إلى قيادة وطنية ومرجعية وطنية شاملة؛ تأخذ بيد هذا الشعب وتنظم وجوده وتحشد قواه وتنير له درب الحياة الكريمة.

* جاءت هبة الأقصى لتفرض واقعًا مختلفًا في التعامل مع سياسات وإجراءات العدو، وتؤكد بأن القدس كأي قضية من قضايا الصراع؛ حالة اشتباك دائم، وليس مسألة "تكتيك" انتخابي.. كيف تنظر لما حدث في القدس؟ وفي أي سياق تضعه؟ وهل من أفق لتطوره لانتفاضة شاملة؟

** هبة القدس جاءت لتثبت أن مخزون شعبنا في النضال مخزون قوي جدًا نستطيع الاعتماد عليه إذا ما توفرت عوامل الصمود والإسناد وقيادة سياسية متماسكة وبنية تنظيمية قوية؛ يستطيع شعبنا أن يفعل المعجزات، فما تتعرض له القدس يكثّف الحالة الصراعية بأشدّ صورها بين مشروع تحرر شعبنا وبين المشروع الاستيطاني الصهيوني على أرض فلسطين؛ إذ كان أهل القدس قادرين على أن يهزموا العدو، وأن يكسروا حالة الخوف ويقفوا أمام العدو رغم كل آلة البطش أمامهم.

 استطاعت جماهير القدس أن تثبت انتماءها وهوية قدسها وتدافع عنها وتحقق الانتصارات البسيطة، وتحرر جزءًا بسيطًا من بوابات القدس، وهذا يعكس أنه بمقدور هذه الجماهير أن تحقق المعجزات، وهذا يعني أن أي برنامج مواجهة سيتلقفه شعبنا وسيلتف من حول من يطرحه، ورغم أن جماهير القدس حين واجهت وأبدت هذه الاستعدادية العالية في المواجهة؛ جاءت على أرضية إهمال شديدة جدًا لسنوات طويلة من جانب كل البنى السياسية الوطنية ومنظمة التحرير وحتى الفصائل؛ فالقدس تعاني من فراغ سياسي منذ سنوات عديدة، وتحديداً منذ غياب المرحوم فيصل الحسيني الذي كان هو وبيت الشرق يشكلون عامل تجميع للقوى الفلسطينية حتى أوائل التسعينيات وكانت القدس له العنوان السياسي الجامع والممثل.

القدس حقيقة؛ تعاني في كل شؤون حياتها، وبالنسبة للمقدسيين يمثل شهر رمضان أحد وسائل التعبير عن انتمائهم ووجودهم، غير البعد الديني بالطبع، حيث يلتفون حول بوابات القدس وأقصى القدس بتزيينها والاحتفاء بها إلا أن الاحتلال عمل على تنغيص فرحتهم بإغلاق أهم بوابات القدس ووضع سواتر حديدية تجبر المقدسيين بالمرور منها كالخراف إلّا أنّ شباب القدس اجتمعوا وفي المقدمة منهم شبابها الوطني والقوى الوطنية، نعم كانوا رأس حربة وهذا لا يستثني شباب القدس العاديين الوطنيين بطبيعتهم الذين وقفوا ودافعوا عن القدس وعبروا عن حالة من الاحتقان شديدة الغليان تعيشها جماهير القدس لا تحتاج سوى مواجهة، وقد رأينا جميعًا كيف استطاع هؤلاء الشبان أن يكسروا حاجز الخوف من عدوّ مدجج بكل آلات القتل، ورأينا كيف تبادل المقدسيون اللّكمات مع هؤلاء الجنود وكيف قاوموا الاعتقال وكيف أسقطوا هذه الجدران الحديدية من على باب العامود ورقصوا طربًا حين حققوا هذا الانتصار في هذه المعركة.

أما عن تحول الهبة إلى انتفاضة شاملة، وبعيدًا عن أية إرادوية أو انفعال من الصعب حاليًا القول بأن ما جرى سيتطور إلى انتفاضة شاملة؛ دون القطع بأن انتفاضة شعبنا العارمة قادمة لا محالة، والانتفاضة الحقيقية يجب أن يسبقها مجموعة متلاحقة من التمارين الإحمائية التي يحمي بها شعبنا عضلاته ويكسر بعض الحواجز ويراكم انتصارات بسيطة وصولاً إلى حالة يقول فيها شعبنا إلى هنا وانتهى، وعليه ستحتفظ الذاكرة الجمعية الفلسطينية، بهذه الهبة الرائعة وتضيفها لمخزون توترها واحتقانها لتصل في اللحظة المناسبة للانتفاضة الشاملة.

* شكل الشباب الشجاع والباسل مركز الفعل في مشهد المواجهة مع العدو الصهيوني وقطعان مستوطنيه، وهذا بدوره يفتح للحديث عن طبيعة وبنية ومشروع القيادة الرسمية المهيمنة على المؤسسات الفلسطينية، فما هو البديل الوطني المطلوب لنعيد الاعتبار لقضيتنا وحقوقنا ومشروعنا الوطني؟  

** نعم شبابنا الفلسطيني يشكل أكثر من 60% من اسكان، ولقد لعب الشباب والفتية دورًا أساسيًا ومركزيًا؛ باعتبارهم الطاقة والمركز البشري الذي يمكن الاستناد عليه في مركز الفعل بكل المواجهات مع العدو وقطعان مستوطنيه، وهذه البنية الشابة الفوارة الشجاعة؛ تحتاج إلى بنية قيادية رسمية تزاح عنها كل أشكال الترهل والهيمنة والفساد والإقصاء؛ تحتاج لدعم ومساندة وقيادة وطنية حقيقية منتمية لآلام وأهداف جماهيرها وأهلها لتشعرهم بوجودهم. فالقدس معزولة عن محيطها بالضفة الغربية ومحاطة بالجدران والحواجز، حيث يحاول العدو استبعاد القدس من الذاكرة الجمعية للشعب الفلسطيني، وأنا التقيت بالعشرات من المناضلين بالضفة لا يعرفون القدس ولم يدخلوها ولا مرة، كيف لإنسان لم يدخل القدس ولم يرها إلا عبر شاشات التلفزيون أن ينتمي لها إلّا بالتعبئة الوطنية والتحشيد الوطني؛ المطلوب من الكل أن لا يتركوا القدس لمصيرها.

لقد فرغت القدس من مؤسساتها الوطنية منذ أكثر من 15 عامًا، بفعل تجفيف الموارد عن هذه المؤسسات، والقدس عانت وتعاني من إهمال ممنهج على المستوى السياسي من السلطة ومنظمة التحرير، ما معنى أن يكون هناك عضو لجنة تنفيذية ممثلًا عن القدس ووزير لشؤون القدس ومحافظ للقدس؟ فماذا قدم هؤلاء من أجل القدس؟

لم تعمل هذه المسميات وما تمثل؛ سوى تكريس الهيمنة والفئوية والمصلحة الزعاماتية لدى تلك المرجعيات المتناحرة أصلًا فيما بينها، وتركت القدس وشبابها لمواجهة مصيرهم.

* ما بين ضرورات ومهمات التحرر الوطني وما بين ضرورات ومهمات التحرر الاجتماعي: ما هي أبرز ملامح برنامج قائمة "نبض الشعب" على الصعيدين الوطني والاجتماعي؟

** واضح جدًا أننا تاريخيًا ربطنا بين الوطني والاجتماعي وقناعاتنا راسخة بمفهوم التحرر الوطني والديمقراطي، فلا يمكن لشعب أن يواجه مشروع استيطاني احتلالي إلا ببنية وطنية ديمقراطية، ونحن نعتقد أن هذا أبرز ما في برنامجنا الوطني في قائمة "نبض الشعب"؛ شعبنا يجب أن يُعزز صموده، لأن مشروع تحررنا مشروع قوي لأننا نواجه عدوًا قويًا ومتسلحًا بكل الإمكانيات والتحالفات التي تمد بالقوة، وبالتالي يجب أن نواجه هذا العدو ببنية تنظيمية وبنية سياسية قوية متماسكة.

نعتبر أن عوامل صمود وقوة شعبنا يجب أن ترتبط ببرنامج إسناد ديمقراطي اجتماعي؛ يرفع من مستوى قدرة شعبنا على الصمود والحياة والمواجهة، فلا يمكن لشعب أن يواجه وهو مظلوم ومضطهد ويعاني من سياسة الفئوية والمحسوبية والإقصاء؛ هدفنا من طرح برنامجنا هو تعزيز قوة كل الفئات المقهورة من شعبنا والدفاع عن حقوقها ومكتسباتها وتعزيز وجودها في الدفاع عن المزارعين وأرضهم وعن الكادحين بكل فئاتهم والوقوف إلى جانبهم في مواجهة الاعتداءات والتعديات من جانب الاحتلال والفئات اللاوطنية، والوقوف إلى جانب العمال والمرأة والفئات المهمشة وإسنادهم في كل الميادين والمجالات، بالإضافة لمجانية التعليم وديمقراطيته؛ فإذا أردت أن تصنع شعبًا متعلمًا عليك أن تصنع منهاجًا تعليميًا وطنيًا تقدميًا، وكذلك في موضوع الوضع الصحي المتفاقمة أزمته، حيث رأينا كيف تعاملت سلطة الفساد مع جائحة "كورونا" ومواجهتها وقضية توزيع المطاعيم من قبل وزارة الصحة.

برنامجنا مشتق من برنامج المواجهة الوطنية؛ القائم على ضرورة أن نعزز قوة شعبنا وصموده وتوفير الحياة الكريمة ليتسنى له أن يناضل موحدًا لمواجهة وإنهاء المشروع الصهيوني الاحتلالي الذي يستهدف القضاء على كل ما هو حي وكل ما هو وطني في شعبنا.