Menu

مختبرات صناعة الرأي العام

هاني حبيب

نشر هذا المقال في العدد 25 من مجلة الهدف الرقمية

يتبيّن من دراساتٍ إعلاميّة سابقة، تتعلّق بتوجهات الرأي العام، خاصة على ضوء مدخلات ومخرجات مختبرات صناعة الرأي العام وعلى وجه الخصوص تلك المرتبطة باستطلاعات الرأي؛ أن هناك أشكال وأنواع متعددة من الرأي العام، منها المنافق، والمُتابع، والرأي العام الجاهل، ولعل أبرزها الرأي العام "المُنساق"، وغيرها من الأنواع والأشكال، ولا يبدو أنّ هذه على اختلاف تنويعاتها قد تغيّرت مع الثورة الهائلة في وسائل الاتصال، بل أنّ المعطيات تُشير إلى أنّ هذا التطور عزّز من هذه الأشكال والأنواع.

وسائل الإعلام بشكلٍ عام، تشكّل مختبرًا هامًا لتوجّهات الرأي العام وكيفيّة صناعته، وعلى سبيل المثال وفي تجربة حول الرأي العام "المُنساق" أجريت هذه الاختبارات في العام 1938، عندما توقّفت إذاعة "سي بي سي" الأمريكيّة عن البث لتُعلن أنّ الولايات المتحدة تتعرّض لهجومٍ من كائناتٍ فضائيّة، ثم عادت بعد قليل لتؤكّد الخبر وتُشير إلى أنّ هناك كائنات فضائيّة تغزو بعض المدن، وانتقل البث للحديث عن خبراء ومتخصصين في الفضاء، وقد قام عدّة مواطنين بالاتصال بالإذاعة كشهودِ عيان أشاروا إلى أنّهم رأوا بالفعل جنود بملابس فضائيّة، بل أنّ البعض الآخر تحدّث عن رؤيته لمحطةٍ فضائيّة، وكذلك بعضهم أشار إلى أنّهم رأوا قوات الجيش والشرطة تنتشر في الشوارع، ليتبيّن فيما بعد أنّه لم يكن سوى اختبارًا إعلاميًا عن رد فعل الجمهور والرأي العام وكيفيّة تعامله مع الأخبار الكاذبة؛ فقد تبيّن أنّ الرأي العام ينساق وراء الأخبار الكاذبة دون تدقيق، ودون تمحيص، وأكثر من ذلك، فإنّه يصبح أداة من أدوات الخدعة ويحوّل الخبر الكاذب إلى إشاعة، هذا هو الرأي العام "المُنساق" الذي يشكّل خطرًا على تلقي الأخبار الكاذبة وتحويلها إلى إشاعات.

ولعلّ أخطر ما كشفته مختبرات صناعة الرأي العام، هذا التسابق المقلق والخطِر بين إعلام الإثارة وإعلام السبق الصحفي؛ تجربة مُختبر "سي بي سي" لم تقصد لا الإثارة ولا السبق، ومع ذلك تعاملت وسائل الإعلام الأخرى مع هذه التجربة باعتبارها خدعة وسبقًا خاصًا بالإذاعة مع العلم أنّ هناك تجارب سابقة لتلك التجربة عندما قامت إذاعة "بي بي سي" البريطانية عام 1926 بنشر خبرٍ مفاده أنّ ساعة "بيج بين" قد تعرّضت إلى التفجير وقامت الإذاعة بدراسة ردود فعل الجمهور ولم تكن مختلفة كثيرًا عن تجربة إذاعة "سي بي سي".

أمّا فيما يتعلّق باستطلاعات الرأي العام، فهي تتعامل مع مؤشراتٍ مشابهة تؤدي في النهاية إلى تكوين موقف لدى الناخب أو المتلقي من خلال ما يتدفق لديه من أخبارٍ كاذبة وشائعات مزيّفة تشكّل حصيلة موقفه، ورغم كل التطورات التي حدثت على تقنيات وسائل الإعلام ومنصات الإعلام الاجتماعي إلّا أنّ هذه الأشكال من الرأي العام ما تزال دون تغيير رغم كل ما حدث من تطوير لهذه الوسائل.