Menu

حول السينما الفلسطينية - تعريف وبدايات

وليد عبد الرحيم

بوابة الهدف الإخبارية
  • لطالما استوقفَ التعريفُ محاولةَ وصفِ السينما الفلسطينية من حيث كُنهها وهويتها وصفاتها، حتى صار- بسبب الإطناب- تعريفُ السينما الفلسطينية بحد ذاته لدى البعض ضبابياً، وهو ما يبدو في العديد من النتاجات.

لسوف أحاول في هذا البدء الخوضَ مجدداً في لُجَّة التعريف- لعل ذلك يساهم في حسم الصيغة والتسمية وقد يطال معنى الهوية ذاتها، المحسومة تلقائياً، ذلك أنه ما من هوية أكثر وضوحاً اليوم من الهوية الوطنية الفلسطينية، فهي واضحة مفلسفة ومشبعة حتى نخاع جذورها وأغصانها وفروعها، نظراً لتراكم الصراع بين النفي والحقائقية، فلمَ الحيرة إذن في تعريف الظاهرة السينمائية أو الثقافية الملتصقة بها ضرورةً؟!

تُوصَّف الظواهرُ السينمائية عالمياً بأحد المنطلَقات المُصطلحيَّة الموضوعية التالية عامةً، وربما بجمع عدة خصائص: "الهوية- اللغة- المدرسية- جنسية الصانع- مكان الصناعة..." وهو ما يشمل فلسفة النص ونهج الصورة، الشكل والمحتوى، فنقول سينما إيطالية مثلاً- هوية قومية، أو السينما الناطقة بالإسبانية- لغة، أو السينما الواقعية- المدرسية الفنية والأدبية، أو بناء على موقع الإنتاج- سينما هوليوود مثلاً، أو بحسب الفنان الصانع -هندي مثلاً، وهذا الأخير هو الأكثر تحديداً بمعزل عن دقة فحواه من الجانب الفني، وقد يُجمع بعضٌ مما سبق أو كله في آن معاً لتحديد التسمية- التوصيف.

بخصوص السينما الفلسطينية، فإن ما خلق الالتباس بالدرجة الأولى بخصوص التعريف هو "المكان" لا "الهوية أو الثقافة والتاريخ، أو أي من عناصر التحديد السابق"، بفعل استثنائية ما أنتجته النكبة واحتلال فلسطين، والعمل على تغيير ديموغرافيتها، بل محو اسمها ذاته وتهجير أكثر من نصف شعبها خارج الحدود، وإغلاق الحدود على المتبقين داخلها لسنوات طوال، وبالتالي كما سعت الصهيونية بدعم محليٍ وعالمي لسحق الهوية سعتْ في محو كل ما يرتبط بالهوية أو ما يُشير إليها، ونظراً للتركيز العالي بمَرضيَّة عنصرية نازية عميقة على ذلك، فقد تم إيجاد وتصنيع الإرباك القائم ومحاولة تشتيت وسحق أسس البنية الثقافية والمعرفية، بل هوية الفلسطيني ذاتها- كفردٍ بسيط، وهو ما ينسحب على كل مناحي المسألة، لذا فإن مجرد الخوض في هذا الإرباك هو مساهمة ما في هذا التشتيت!

ببساطة يمكن مقاربة فهم التعريف السينمائي والأدبي والفني بسهولة فائقة، باعتبار المكان "فلسطين" وشعبها حالةَ انتماء هُوياتيٍّ وثقافي ضاربٍ في عمق التاريخ وفي الوقت عينه حلم ناظر نحو المستقبل، ببساطة، فإنْ سألتَ اليوم أي فلسطيني مشرد لم ير وطنه قط عن بلده لأجابك بـ "عكاوي، صفدي، نابلسي..."، وهذا مغرق في الواقعية والحقائقية والتاريخانية، لا حالة اختيار فردية، كما لا يرتبط ذلك بأي مفهوم سياسي تكتيكي؛ إنه ببساطة يمثل الواقع اليومي ذاته مرتبطاً بالتاريخ والمستقبل.

هذا يوصلنا إلى جوهر ولب التعريف، أو لنقل يوصلنا إلى اقتراحٍ وحيد منطقي؛ فالسينما الفلسطينية هي السينما التي تتم صناعتها داخل فلسطين التاريخية – باستثناء ما ينتجه الاحتلال - أو خارجها من قبل صانعين فلسطينيين، بغض النظر عن موضوع الفيلم أو السلسلة الفيلمية التلفزيونية، أو موازيةً من قبل عرب ومناصرين حول موضوعات القضية وتوابعها، وذلك مماثل للتعريف الثقافي العمومي القائم. إذاً وبتوضيح سريع فـ "السينما الفلسطينية هي من يصنعها فلسطينيو الهوية" بغض النظر عن التواجد جغرافياً، أما معنوياً – مجازياً- فيمكن اعتبار السينما التي تتناول حقائق ووقائع القضية الفلسطينية؛ سينما مناصرة لفلسطين وقضيتها وشعبها بغض النظر عن منجِزها".

بدايات السينما الفلسطينية- والعربية

لا يمكن تأريخ السينما الفلسطينية مع بداية إنشاء دور السينما، فقد ظهرت في العاصمة الفلسطينية القدس أول دار عرض سينمائي عربية، وقبل العديد من دول المنطقة والعديد من دول أوروبا حتى؛ فكانت تلك دار "أوراكل" في القدس عام 1908، أي بعد مرور ثلاثة عشر عاماً من اختراع آلة الفوتوغراف المتسلسل "السينما".

لكن السينما العربية لم تبدأ بنتاجها إلا في العام 1926على يد المخرج الفلسطيني إبراهيم لاما وأخيه بدر لاما - كممثل ومساعد مخرج، إبراهيم (1904 – 1953) وبدر (1907 -1947).

أسَّس الأخوان لاما في الإسكندرية ب مصر أولَ نادٍ سينمائي يناقش تقنيات ونقد السينما، وأولَ شركة إنتاج سينمائي عربية في الإسكندرية بمصر عام 1926 "condor film - كوندور فيلم" ثم أسسا استوديو تصوير خاص بالشركة، وكذلك أنجزا أول فلم عربي "قُبلة في الصحراء"، وهو فيلم روائي طويل صامت، من بطولة " بدر لاما- بدرية رأفت- أنور وجدي- محمود المليجي" ومن إنتاج "كوندور فيلم" وإخراج بدر لاما. كان بدر وإبراهيم لاما - الكنية الحقيقية هي "الأعمى" - وهي عائلة في بيت لحم- مهاجرَيْن مع عائلتهما إلى تشيلي، ونظراً لتباين حروف اللغة بين العربية واللاتينية الإسبانية فقد كتبت في الوثائق "لاما lama " وليس "الأعمى".

... منتصف العشرينات من القرن العشرين، قرر الشقيقان العودة إلى الوطن- فلسطين فركبا باخرةً متوجهين إلى ميناء حيفا، وأثناء الرحلة الطويلة مرض بدرُ بالحُمى، وتوقفت الباخرة في الإسكندرية للتزوُّد؛ فنزلا فيها ليُعالّجَ بدرٌ، وهناك تناهت إلى الأسماع أخبار الاضطرابات والانتفاضات في فلسطين وتفشي الأعمال الإرهابية الصهيونية وبطش الإنكليز، فاتخذا قراراً بالبقاء لفترة في اسكندرية بمصر حتى تهدأ الأوضاع، بخاصة أنهما كانا يحملان معدات سينمائية وكاميرات تصوير وأجهزة عرض، وأموالاً جمَّة.

في العام 1926 أنجزَ إبراهيم وبدر أول فيلم لهما "قُبلة في الصحراء" وتمَّ عرضه في إسكندرية في العام 1927؛ فكان أولَ فيلم عربي، ثم توالى الإنتاج الفيلمي في مصر، مما دفع الإنكليز والأصابع الخفية اليهودية الصهيونية لمحاربتهما ومحاربة الشركة، وكان أن احترق في النهاية استوديو التصوير الخاص بالشركة، ومعه شرائط الأفلام المنجزة خلال تاريخهما ولم يتبق سوى القليل من الشرائط والبكرات...

حُورِب إبراهيم وبدر سراً وعلانية، بخاصة من خلال التضييق وبث الشائعات، حتى أن اليهود أنفسهم قاموا بدعم من الوكالة اليهودية ذاتها ببث إشاعاتٍ تحضُّ على الكراهية ضدهما منها ما أُشيع بأن بدرَ وإبراهيمَ هما يهود قدموا من مكان مجهول! وهذا غير صحيح على الإطلاق، فهما مسيحيان من عائلة الأعمى، ومن حارة "الفرحية" وتقع حارة الفرحية هذه غرب ساحة المهد (تبدأ من دوار المدبسة إلى مسجد الفاروق)، وتُصنف إدارياً ضمن بيت لحم القديمة، وعلى رأي المخرج المصري الكبير صلاح أبو سيف؛ فإن ليلى مراد ومنير مراد- وهما ذاتهما يهوديان فلسطينيان من مدينة صفد قدما إلى مصر- شاركا في الحملة ضد الأخوين لاما بإشاعة أنهما يهوديان! وهكذا استمر الضغط الاقتصادي والحرب النفسية المنظمة، وكان بدر قد توفي قبل النكبة بعام "1947"، كما وصل الأمر في النهاية إلى اضطراب في شخصية إبراهيم؛ فكان عام "1953"، حيث قتل زوجته ثم انتحر، وقيلَ هَمْساً بأنه نُحر!

منذ البداية؛ رفض الإنكليز واليهود - المهيمنون وقتها من خلال حالة الاحتلال- وبشكل منظم واعٍ تصنيف إبراهيم وبدر كرائدين أوَّلين صانعَين للسينما العربية، وماروا في حقيقة أن فيلم "قبلة في الصحراء" المُنجز عام 1926 والمعروض خلال 1927 هو أول فيلم عربي، كما فرضوا عنوةً تأريخ ذلك بفيلم أتى بعده بسنوات ثلاث هو فيلم "زينب" المأخوذ عن رواية محمد حسنين هيكل، وهو من إخراج محمد كريم المخرج المصري الذي كان قد بدأ حياته ممثلاً ثم امتهن الإخراج السينمائي وبرع فيه، وكان فيلم زينب فيلماً صامتاً أُنتج عام 1930، أي أنه ثالث فيلم عربي – بعد فيلمين لإبراهيم لاما، فقد تم كل من تصويره وعرضه – كما أسلفتُ- بعد تصوير وعرض "قبلة في الصحراء"، وما زالت تأثيرات التأريخ القسري الصهيو- إنكليزي سائدة حتى اليوم، على الرغم من دحضها من قبل العديد من النقاد والفنانين والمخرجين المصريين والعرب؛ كانت حجة الإنكليز واليهود واهيةً، بل مضحكة، وهي أن فلم زينب هو الأول لكونه أنجز وعرض في القاهرة، في حين أن "قبلة في الصحراء" تم إنجازه وعرضه قبل ذلك في الإسكندرية وكأن الإسكندرية تقع خارج حدود مصر أو الوطن العربي؟!

... أنجزت شركة الأخوين لاما " condor film- كوندور فيلم" 62 فيلماً سينمائياً في الفترة ما بين 1926 و1951، ومع بدء نشاطها مع الأخوين لاما؛ انطلقت أولى الحروب الصهيونية على الفن والثقافة الفلسطينية وهويتها، بخاصة بعد حرص إبراهيم وبدر على إرسال كل فيلم أنجزوه ليُعرض في دور فلسطين، فتم عرض أفلام عدة في العاصمة القدس ويافا وحيفا، وقد أسر لي المخرج العربي المصري الكبير صلاح أبوسيف خلال لقاء شخصي في العام 1991 بأن "... مؤامرة سياسية صهيونية جرَت على الأخوين لاما، وبأن ابراهيم ربما قُتل اغتيالاً، ومن ذلك افتعال إحراق الأستوديوهات الخاصة، بعد مسيرة من التشهير بهما أخلاقياً، وأن ذلك تصاعد عقب انتاجهم بعض الأفلام مثل فيلم صلاح الدين الأيوبي"!! بالتالي، فإن تاريخ السينما العربية يؤرِّخ أيضاً لبداية الحرب على الهوية والثقافة الفلسطينية والعروبية.

 

https://www.marefa.org/images/thumb/9/96/Kobla_Fi_Al_Sahraa_Poster.jpg/220px-Kobla_Fi_Al_Sahraa_Poster.jpg

الصورة للأخوين ابراهيم وبدر لاما

https://www.alghad.tv/wp-content/uploads/2020/01/badr-and-ibrahim-675x430.jpg