قبل أكثر من أسبوع بقليل، بدت الحياة السياسية للزعيم الصهيوني بنيامين نتنياهو الذي بقي في المنصب فترة طويلة، وكأنها قد انتهت، فقد فشل في تشكيل حكومة ائتلافية بعد انتخابات برلمانية غير حاسمة، وكان خصومه السياسيون على وشك التمكن من طرده من منصبه.
والآن تبدو الأمور غامضة بعد "ربما" انتهاء الحرب الرابعة على غزة خلال أكثر قليلاً من عقد من الزمان، فهل تغيرت حظوظ نتنياهو، وهل سينهار أبرز منافسيه يائير لابيد، وهل تمكن نتنياهو من استعادة منصبه باعتباره "السيد أمن" مما يجعله يذهب مطمئنا إلى انتخابات خامسة أو انتخابات مباشرة لرئيس الحكومة، السؤال الأساسي والتحدي الأبرز الذي يواجه نتنياهو الآن هو تسويق هزيمته في غزة باعتبارها نصرا، واستثمار هذا النصر داخليا بقدر المستطاع، في ظل حالة من النفاق والتدليس المتبادل بين الأوساط الصهيونية.
اليمين الصهيوني، غاضب على نتنياهو بسبب الفشل الكبير، ويرغب باستمرار إطلاق النار على غزة حتى تدمير آخر مدفع وصاروخ للمقاومة وإخضاع غزة، ولكن نتنياهو وجيشه وأمنه يعلمون أن هذا مستحيل، في نفس الوقت لايرغب اليمين الصهيوني في الاعتراف عمد بهزيمته، ويريد أيضا تصوير "إسرائيل" كمنتصرة"، التناقض الآخر في الطرف المعارض لنتنياهو، بني غانتس وزير الحرب في حكومة نتنياهو وفي نفس الوقت اتفق مع لابيد في إطار كتلة التغيير، وقد يكون غانتس في ذات الحيرة بين انتقاد نتنياهو الذي سيكون انتقادا له أيضا وبين تبني ادعاءات اليمين وبالتالي سيكون عليه الإجابة على سؤال الانضمام إلى كتلة التغيير.
التحولات المذهلة خلال الأسبوعين الأخيرين، من اندلاع التطرف اليميني الصهيوني في القدس ، ودخول حرب جيددة على غزة أثارت العديد من التساؤلات في الوسط السياسي الصهيوني، من قبل من لايقبل القصة المعلبة التي قدمها نتنياهو، وبالتالي يتم اتهامه بأنه دفع الأمور عامدا في القدس إلى الانفجار عن طريق وزيره اليميني أمير أوحانا ومفوض الشرطة بالوكالة وهو يميني استيطاني آخر، من أجل البقاء في المنصب وإنقاذ رأسه، ورغم أن معارضيه لايقدمون أدلة حول ضلوعه في هذه المؤامرة فإن طرح هذه الأسئلة مزعج فعلا لنتنياهو ويشوش على خططه القادمة خصوصا مع اقتراب نهاية مهمة يائير لابيد الذي يبدو أنه يواجه معضلة كبرى في تشكيل ائتلافه بعد انسحاب نفتالي بينت.
وقد كتب يائير لابيد رئيس حزب "يش عتيد" على فيسبوك: "لو كانت لدينا حكومة، فلن تختلط الاعتبارات الأمنية بالاعتبارات السياسية" وأضاف "لن يسأل أحد نفسه لماذا يندلع الحريق دائمًا فقط عندما يكون ذلك مناسبًا لرئيس الوزراء".، وبدا لبيد أنه مستعد لدخول التاريخ قبل أسبوعين، قائلا إنه ينهي التفاصيل النهائية لترتيب حكومة تنهي حكم نتنياهو الذي دام 12 عاما".، وصرح قبل ساعات من اندلاع الحرب: "في غضون أيام قليلة، يجب أن نكون قادرين على أداء اليمين لحكومة إسرائيلية جديدة تعمل وتستند إلى اتفاقات واسعة النطاق والصالح العام". . وكان الاندفاع المفاجئ للقتال تتويجًا لسلسلة من الأحداث التي جعلت من الصعب بشكل متزايد، وربما المستحيل ، على لبيد تجميع ائتلافه.
كان من المقرر أن يشمل تحالف لابيد مجموعات متنوعة تمتد من الطيف اليهودي من اليمين إلى اليسار بما يشمل راعم،، مثل هذا التحالف من شأنه أن يصنع التاريخ. لم يكن حزب عربي رسميًا أبدًا جزءًا من الائتلاف الحاكم "الإسرائيلي".
كان نتنياهو نفسه قد تودد إلى نفس الحزب العربي عندما حصل على الفرصة الأولى من قبل لتشكيل حكومة ائتلافية بعد انتخابات 23 آذار/ مارس. لكن بعد أن اتضح أن نتنياهو لا يستطيع تأمين الأغلبية البرلمانية المطلوبة، بدأت الأمور تشتعل في مدينة القدس ارتباطا بتصرفات إلى تصرفات حلفاء نتنياهو المتدينيين المتطرفين. وهكذا تم صياغة سيناريو المؤامرة، فقد أذن وزير الأمن الداخلي أمير أوهانا، المسؤول عن الشرطة وأحد الموالين المخلصين لنتنياهو، بإغلاق مكان ساحة باب العمود، خارج البلدة القديمة في القدس وأدت التكتيكات العنيفة للشرطة الصهيونية إلى مواجهات شاملة استفزت جميع الفلسطينيين في رمضان، بلغت ذروتها مع اقتحام الشرطة للمسجد الأقصى. حيث أثارت المشاهد العنيفة الغضب في جميع أنحاء العالم الإسلامي.
في الوقت نفسه، واصل المستوطنون اليهود محاولاتهم لإجلاء عشرات الفلسطينيين من منازلهم في حي الشيخ جراح، وأنشأ إيتامار بن غفير، زعيم الحزب الصهيوني اليميني المتطرف المتحالف مع نتنياهو أيضا، مؤقتًا ما أسماه "مكتبًا برلمانيًا" في الحي، مما أثار غضب السكان الفلسطينيين.
بعد ذلك، في 10 أيار/مايو، في حدث يُنظر إليه على نطاق واسع على أنه استفزاز، تجمع الآلاف من النشطاء الصهاينة من اليمين المتطرف الملوحين بالأعلام في مسيرة مخطط لها عبر قلب الحي الإسلامي في البلدة القديمة للاحتفال باستيلاء "إسرائيل" على القدس الشرقية عام 1967. ولكن في اللحظة الأخيرة ، أمرت الحكومة المتظاهرين بتغيير مسارهم، بعد توصيات أمنية مشددة من جانب الشاباك، ولكن بحلول ذلك الوقت كان الأوان قد فات على فرص نتنياهو بتجنب الصدام، الذي انتشر إلى داخل الخط الأخضر ساحقا سبعين عاما من محاولات ترويض الأقلية الفلسطينية هناك.
في هذه البيئة المشحونة، كان واضحا أن لابيد لن يكون قادرا على تشكيل حكومته في الموعج النهائي بحلول الثاني من حزيران / يونيو، خاصة بعد تراجع زعيم يمينا نفتالي بينت، السياسي اليميني المتطرف عن المحادثات الأسبوع الماضي بعد بدء القتال. وأوقف منصور عباس زعيم راعم المفاوضات، و قال إنه سيستأنفها إذا انتهى القتال، ومن غير الواضح حتى الان بعد ساعات قليلة على وقف القتال ما الذي سيحدث في النقاش السياسي الداخلي.
وقد صرح مكتب لبيد إنه سيعمل حتى اللحظة الأخيرة لمحاولة تشكيل حكومة و إذا فشل، فمن المرجح أن يكون الكيان قد انزلقت في انتخابات خامسة غير مسبوقة خلال ما يزيد قليلاً عن عامين.
وهذا السيناريو كما قلنا يبدو أنه قد يناسب احتياجات نتنياهو جيدًا ويعزز صورته كناجي، عصي على الطرد والتصفية السياسية، حيث أدت المعركة مع غزة والانتفاضة الفلسطينية في الداخل إلى تحويل الانتباه بعيدًا عن محاكمته الجارية بشأن الفساد، ونتنياهو يكون في أفضل حالاته عندما يركز على القضايا الأمنية، ويظهر سلوكًا هادئًا وقويًا في ظهوره التلفزيوني المتكرر. ولكن هذا لم يحدث هذه المرة، فقد كانت المقاومة الفلسطينية له بالمرصاد ولم يقدم نفس الأداء المعتاد بالعكس كان أداؤه مضطربا كأداء جيشه وحكومته تحت وقع ضربات المقاومة الفلسطينية، وبالتالي فمن غير المؤكد أنه سيكون قادرا على استخدام صورة "السيد أمن" طويلا.
فهل كان نتنياهو بالفعل يائسا لدرجة لفتعل هذا الصدام في لحظة سياسية داخلية حاسمة صهيونيا؟ ربما يرى البعض هذا صحيحا، حيث أن من شأن حملة عسكرية جديدة أن تتركه في منصبه حتى الانتخابات الجديدة على الأقل في خريف هذا العام. كما ستمنحه فرصة أخرى لتشكيل ائتلاف أكثر ودية مع حلفائه الدينيين والقوميين يمكن أن يمنحه حصانة من الملاحقة القضائية.
مهما كان الأمر فإن السياسة من وجهة نظر نتنياهو تعني على الأغلب أن يبقى في منصبه، فهو لايرى سوى السلطة وقاعدة الحكم، وليس المصلحة العامة.

