Menu

رأس الأفعى: عائلة روتشيلد والمشروع الصهيوني

محمد عمارة تقي الدين

"المال هو إله إسرائيل المطاع، وأمامه لا ينبغى لأي إله أن يعيش"، هكذا يتحدث كارل ماركس فى كتابه (المسألة اليهودية) عن الصهاينة، مُدركاً حقيقة اهتمامهم بالمال كغاية وكوسيلة في ذات الوقت: كغاية من أجل الاستحواذ عليه وكوسيلة فعالة لتحقيق أهدافهم، إذ يعتقدون أن كل شيء يمكن شراؤه بالمال.

من هنا كان سعيهم الحثيث من أجل السيطرة على مراكز التجارة وصناعة المال والتي من شأنها تحقيق ثروات طائلة كتجارة الذهب وتأسيس البنوك وغيرها.

واحدة من العائلات اليهودية ذات الثراء الفاحش هي عائلة روتشيلد ذات الأصول الألمانية والتي يتردد أنها أغنى عائلة على وجه الأرض، وقيل عنها أنها تمتلك ما يقرب من نصف ثروات العالم، وهي حقاً مبالغة كبيرة لكنها تبقى دالة على مدى ثراء هذه العائلة، كما يجزم أحد التقارير أن الأصول فقط والتي تمتلكها الأسرة تُقدَّر بنحو 350 مليار دولار موزعة في أماكن متفرقة من العالم، مضيفًا أن إجمالي قيمة الثروة الفعلية التي تمتلكها الأسرة تُقدر بتريليونات الدولارات.

والمؤسس الأول لتلك العائلة هو ماير أمشيل روتشيلد( 1744م- 1812م) والذي أقام مؤسسة مالية كبرى ذات أفرع رئيسية خمس في كل من: بريطانيا وإيطاليا وألمانيا والنمسا وفرنسا، ترأسها أولاده الخمسة، ثم بدأت موجة التوسع والانتشار، إذ تمكنت تلك الأسرة من السيطرة على الاقتصاد الأوروبي خلال القرن التاسع عشر.

استغلت تلك العائلة تحريم الإنجيل الإقراض بالربا فقامت بتلك المهمة القذرة نيابة عن أوروبا المسيحية، حيث كانت وظيفة الإقراض بالربا مُحرّمة آنذاك، ومن ثم بدأ العمل بمنطق(الإسفنجة) حيث امتصاص الثروات من عامة البشر وإعادة عصرها في حساب حفنة من الصهاينة والداعمين لهم.

كما وظفت تلك العائلة الاضطرابات السياسية والحروب في تضخيم ثروتها حد اللامعقول، فعلى سبيل المثال قامت بتوظيف الحروب النابليونية بشكل هائل، فأقرضتها أولاً، ثم أعلنت بعد ذلك عن بيع كل ثرواتها لتوهم الجميع أن هناك أزمة مالية عالمية على الأبواب نتيجة لتلك الحروب، ومن ثم باع كثير من الأثرياء ممتلكاتهم بسعر بخس فقامت العائلة بشراء هذه الأصول مرة أخرى وبالتالي استحوذت على تلك المقدرات الاقتصادية.

سعت العائلة جاهدة لاستصدار وعد بلفور عام 1917م، وبالفعل تم إعلان وعد بلفور بعد أن قدمت عائلة روتشيلد مساعدات مالية كبيرة لبريطانيا مكنتها من الاستمرار في الحرب العالمية الأولى.

انتقلت مؤسسات روتشيلد للعمل بشكل أساسي في مجال التجارة والسمسرة ومصانع الأسلحة, وصناعة السفن وتسييرها، وصناعة الأدوية والاستحواذ عليها، وامتلاك شركة الهند الشرقية، وشركة الهند الغربية، وإنشاء خطوط السكك الحديدية وإعادة بناء ما هدمته الحروب بل وإنشاء المستشفيات وتقديم الأدوية التي تقوم بصناعتها لجرحى الحرب وفي الوقت ذاته تمد الحروب بالسلاح الذي يجري إنتاجه في مصانعها.

وبالتالي أصبحت الحروب استثمارًا كبيرًا لها، فقد أقرضت هذه العائلة ما يقرب من مئة مليون جنيه لحروب نابليون، كما مولت الحكومة الإنجليزية بمبالغ مالية كبيرة خلال حرب القرم، وكذلك في الحرب العالمية الثانية، وحاليًا، وكما يتردد، تملك العائلة كثيراً من سندات البلدان الكبيرة وعدداً كبيراً من البنوك العالمية.

وفي عام 1875م مولت العائلة الحكومة البريطانية لشراء أسهم قناة السويس؛ بل وكانت ترسل مندوبيها إلى مصر وغيرها من البلدان العربية لتشجيعها على الاقتراض منها.

كما مولت مبنى الكنيست الإسرائيلي، ومولت هجرة اليهود إلى فلسطين، وقدمت استثمارات ضخمة لإسرائيل خلال فترة الخمسينيات والستينيات ومولت العديد من المستوطنات مثل مستوطنتي ريشون لتسيون وبتاح تكفا.

لقد أصبح روتشيلد القائد الرئيسي لحركة الاستعمار الصهيوني في فلسطين، فقد أقام البارون وخلفاؤه أكثر من أربعين مستوطنة ومدينة وتجمعات سكنية ، من هنا يؤكد الدكتور عبد الوهاب المسيري أن المستوطنات الأولى في فلسطين لم يكن ليُكتب لها الاستمرار من دون معونات عائلة روتشيلد ، وفي العام 1899، أنشأ روتشيلد جمعية الاستيطان اليهودي، كما دعم المستوطنات التي تعرضت لضائقة مالية كبيرة نتيجة عدم قدرة منظمة (أحباء صهيون) على توفير هذا الدعم، وكان مشرفًا على هجرة نحو ستة آلاف وخمسمائة صهيوني إلى فلسطين بين عامي 1882 و 1903 م ، لقد تم تلقيبه بــ (أبو اليشوف) أي (أبو الاستيطان الصهيوني في فلسطين) نتيجة لما بذله من جهود كبيرة ، وفي عام 1924م أسس رابطة الاستعمار اليهودي لفلسطين (Palestine Jewish Colonization Association))، والتي قامت بدور كبير في توطين كثير من الصهاينة في فلسطين.

وفي التحليل الأخير، فما قامت به عائلة روتشيلد يأتي في سياق توظيف الصهيونية العالمية للمال والحاجة الاقتصادية للحكومات والشعوب وقت الأزمات ليسهل التحكم بها من أجل خدمة مشروعها الاستعماري، وهي إستراتيجية صهيونية بامتياز، إذ أدركت منذ وقت مبكر الدور المركزي للاقتصاد في صناعة القرار السياسي بل وفي خلق مصائر الشعوب.

وهذا لا يعني تضخيماً لنظرية المؤامرة وأن الصهاينة قد أحكموا قبضتهم على العالم ومن ثم علينا الاستسلام التام لها دون أدني رد فعل منا بحجة أن الأمر قد قضي وانتهى، بل يبقى كل هذا جهد بشري تعاظم تأثيره بسبب غياب دورنا نحن، ومن ثم يمكن التصدي له إذا ما أدركنا أبعاده جيداً وكذلك آليات إنتاجه، ثم وظفنا إمكانياتنا بطرق مدروسة وخطط استراتيجية مضادة موضوعة سلفا للتصدي له بشكل محكم ومن ثم الدفاع عن قضايانا المصيرية والتى تعد القضية الفلسطينية واحدة منها.