Menu

السَّرديَّةُ الصُّهيونيَّةُ: تَسْويْغُ السَّرِقَةِ، وتَسْبِيُبُ النَّكْبَة

الْأَدَبُ الْفِلَسْطِيْنِيُّ بَيْنَ تَحْفِيْزِ المُقَاوَمَةِ، وتَحَدِّيَاتِ التَّطْبِيْعِ، ومُغْرَيَاتِ الْحَدَاثَةْ (7)

عبد الرحمن بسيسو

عبد الرحمن بسيسو

"... وليسَ غريباً، بلْ ليس مُسْتَبْعَداً، والحالُ هي هَذهِ الَّتي أدْركَهَا، ووصَّفَها، علماءٌ مرمُوقُونَ بينهمُ يَهودٌ لَم يُصَهْيَنُوا، ولَمْ تُنْتَزعُ إنسانيَّتُهم لـ"يُحَوسَلُوا"، أنْ نعثرَ  في "التَّوراة العبريَّة" على دليل إرشاديٍّ كَاملِ الأركانِ، ومُكْتَمِلِ المجالات والجوانبِ، لاقتراف جرِيمةِ السَّرقَةِ وغيرهَا من الجرائِمِ، وتحصينِ المجرمِ السَّارقِ، وكُلِّ مُجرمٍ بِإطلاقٍ، ضَدَّ أدنى احتمالٍ للتَعَرُّضٍ لإلقاءِ القبض، والاحْتِجَازِ، والتَّحقيقِ، والمُسَاءَلَة، وتوجيه الإتِّهام، والخُضُوعِ لمُحاكَمَة إنْسانيَّةٍ قانونِيَّةٍ عادلِةٍ، وتَلَقِّي ما تُوْجِبُ نزاهَةُ هيئةِ المَحْكَمَةِ إِيْقَاعَهُ من عِقَابِ عَادِلٍ عَليْهِ."

هَلْ لِمَنْ يَكْتُبِ التَّاريَخَ أَنْ يَمْلُكَهُ؟!

شَاءَتِ الْحَركَةُ الصُّهْيُونِيَّةُ الاسْتِعْمَارِيَّةُ لنِفْسِهَا، أو شِيْءَ لَهَا منْ قِبَلِ صَانِعِيْهَا، أَنْ تَلْجَأَ إلى تَسْوِيْغِ سَرَقَةٍ حَدِيْثَةٍ بِسَرِقَةٍ قَدِيْمَة؛ أَيْ تِسْويْغِ سَرِقَةِ "أَرْضِ فِلَسْطِيْنَ"، فِي الزَّمَنِ الرَّاهِنِ، بِسَرِقَةِ مُنْجزاتِ حَضَارَةِ شَعْبِ فِلَسْطِينَ وصَنائِعِ تَارِيْخِهِ، هَاتِهِ الَّتي شُرِعَ بِهَا من قِبَلِ "كُتَّاب التَّوراةِ" وصُنَّاعِهمِ، ومُستَكْتِبِيْهِمْ، قَبْلَ ما يَربُو عَلى أَلْفيِّ عَامٍ مِنَ الشُّروعِ فِي سَرِقَةِ أَرْضِه: "فِلَسْطِيْنَ" في الزَّمن المُعاصِر؛ وذَلِكَ عَلَى طِريْقَةِ الآخِذِيْنَ بِالْمَقُوْلَةِ المبذُولَةِ، وغيرِ ذات القيْمَة، أو المَعْنَى، بالنِّسبَة لأرضِ الأمِّ المسروقَةِ "فِلَسْطِيْنَ" نَفْسِهَا، وَلَدى إنْسَانِهَا الفلسطينيَّ الّذي عاشَ ولم يَزلَ يَحْيَا "إنْسَانيَّا" في رِحَابِها، وعِنْدَ كُلِّ صَاحبِ عقَلٍ إنسانيِّ مَعرفيِّ رصِينٍ ومُتبَصِّرٍ،  وهي المَقُولَة المَكْرورةُ الَّتِى تَزْعُمُ أَنَّ "مَنْ يَكْتُبُ التَّاريْخَ يَمْلُكُهُ"، مُتَنَاسِيَةً حقيقةَ أنْ أحداً لَنْ يَمْلِكَهُ، عَنْ حَقٍّ وعلى مدى الأزمنة، غير صَانِعيْهِ الحقيقيَّنَ المُجَسِّدِيْنَهُ، بفعلِهمِ الإنساني الخلَّاقِ، وقَائِعَ حياةٍ، ومنجزاتِ حضارةٍ، وصيرورةَ وُجودٍ في رحابِ أرضِهمِ الَّتي صَيَّروهَا مجالاً حَيويَّاً لِوجُودِهم، والَّتي باسمهم، مُذْ لَحْظَةِ ميلادها، أسمَوْهَا!

وقَدْ كانَ لِهّذه السَّرِقَةِ الحضاريَّة التَّاريِخيَّة، أو لِهَذِه الجريمةِ المادِّيَّة كامِلَةِ الأركانِ، والمُؤَسَّسةِ، أصْلاً، عَلَى "كتابَة التَّاريخِ" كِتَابَةً تَخْيِيلِيَّةً مُصْطَنَعَةً ومَوهُومَةً، أَنْ تُتِيْحُ لِزَعِيْمَةِ صُهْيُونِيَّةٍ عُنْصُرِيَّةٍ مُغْلَقَةِ الذِّهُنِ، عَتيْقَتِهِ، مِثْلَ المُجْرِمَةِ الصَّغِيرةِ الْهَرِمَةِ، المولودة في "كييف" الرُّوسِيَّة، في العام 1998: "غُوْلَدا مابوفتش (مَائِير)"، أَنْ تَسْلِبَ الفِلَسْطِيْنيَّ اسْمَهُ الَّذي بِه أَسْمَى أَرضَ وَطَنِهِ:"فِلَسْطِيْنَ"، سامِياً بحضارَتِه الإنسانيَّةِ ومُعْلِياً صُروحَ مجدهَا ومَجْدِهِ، وأَنْ تَسْرِقَ مَنْهُ هُوِيَّتَهُ الثَّقَافِيَّة التَّارِيخْيَّةَ، وتَدَّعِيْهَا لِنَفْسِهَا بِوَصْفِهَا وَاحِدةً مِنْ ثُلَلِ "الْيَهَودِ"، ومِنْ جَحَافِلِهم الَّذينَ تَمَكَّنَت الحركَةُ الصَّهْيُونِيَّةُ الرَّأْسِمَالِيَّة الاسْتِعْمارِيَّة، من صَهْيَنَتِم، وحَوسَلَتِهِمْ، ومن جَعْلِهِمْ محضَ أدواتٍ تَتَخِذُ هيئَةَ كائناتٍ بشريَّةٍ منزوعَة العُقُولِ، والقلوبِ، والضَّمائرِ، على نَحوٍ يُؤهِّلُها للانخراطِ في عِصَاباتِ إرهابٍ عُنْصُريٍّ فَاشيٍّ اسْتِعْمَاريٍّ جَاءت بِهَا هذه الحركةُ إلى "فِلَسْطِيْنَ" لِسَرِقَتِهَا مِنَ خَالقِيْهَا الأزليينَ الأبديينَ؛ بُنَاةِ حَضَارتِهَا، وصُنَّاع تَاريْخِهَا: "الْفِلَسْطِيْنِيِّينَ"، ولتقْيِيدها، وأَسْرهَا، وكَبْحِ خَطْوِهَا، وإعادة تسمِيَتها، وهيَ قَيْدَ السَّرقَةِ الاستعماريَّة والأسرِ الوحْشِيِّ والتَّقْييدِ العُنْصُريِّ، باسم غريبٍ عليها هُوَ: إسرائيل"، الذي لَم يَكُن لها أنْ تذْكُرَ لُهُ تردُّداً في أثيرهَا، أو وجُوداً فِي رحَابِ أرضِهَا، أو في أزمنة تاريخها وحضارتها، أو في أَيِّ شَريْحَةٍ من شَرائِحِ ذاكرتِهَا اليقِظَةِ أَبَداً، والمنقوشَةِ مُكْتَزاتُهَا كَلِمَاتٍ وضَّاءَةٍ عَلى جَسَدِهَا الموسُومِ بثقافَتِهَا، والنَّاطِقِ مَنجزاتِ حضارتِهَا، وصَنَائِعَ تاريخِهَا!

يَزْعُمُ كِتَابُ "التَّوراةِ العبريَّة"، أو ما يُسَمَّى بـ"العَهْدِ القَدِيْم"، كَكَتَابٍ مُغَطَّىً بِثَوبِ تاريخٍ تَخْييلِيٍّ زائفٍ ومُضَلِّلٍ، أَنَّ "إِلَهَاً!" قَدْ "وَعَدَ!"، ذَاتَ يَوْمٍ بَعِيْدٍ، بِمَنْحِ "فِلَسْطِينَ" هِبَةً إلهيَّةً مِنْ قِبَلِهِ إلى"أجْدَادٍ" و"آبَاءَ مُؤَسِّسيْنَ" يَزْعُمُ هَؤلاء الأَغْرابُ عنْ "فِلَسْطِيْنِ"، بلْ وعنِ "الإنسانيَّةِ"، والشَّرقِ الإنْسانيِّ الحضاريِّ التَّاريخيِّ بِأسرهِ، من اليهودِ المُصَهْيَنينَ المُحَوسَلِيْنَ، أنَّهُمْ يَمْلِكُونَ"انْتِسَابَاً دِيْنِيَّاً/عِرْقِيَّاً/قَوْمِيَّاً!" إِلَيْهِمْ، وذلكَ من دونِ أنْ يَعْثُروا على دليلٍ واحدٍ يُؤكِّدُ وجودهم خارجَ مُخيِّلَةِ من كانوا قد تَخيَّلوا وُجُوداً تَصَوُّريَّاً مَوهُوماً لَهُمْ فسرقوا تاريخَ غيرهِم، وزَوَّروه وعدَّلوا فيه، وغَيَّروه، وأسقَطُوهُ، بِخُبْثٍ، عليهم وعلى أنفسِهمْ، ليجْعَلوه "دليلَ وُجودٍ" على "وجُودِهِم"!

ويُسَوِّغُ كِتَابُ "التَّوارة العبريَّة" هَذِه الْهِبَةِ الإلهيَّة تسويْغَاً عُنْصُريَّاً يَتأسَّسُ عَلى زَعْمٍ مُؤَدَّاهُ أنَّ هَذا الإلِهَ، المُتَجَرِّئَ بِخِفَّةٍ لا تليقُ بَإلَهٍ على وهْبِ شيْءٍ لا يَمْلُكُهِ لِمَنْ يتَحَفَّزُونَ لإِتْمَامِ سرقَتِهِ، قَدِ "اخْتَارَهُم شَعْبَاً لَهُ!" فَمَيَّزَهُم تَمييزاً عُنْصُرِيَّاً عنْ سِواهُم منَ النَّاسِ، وأولاهم رعايَتَه، ومسانَدتَه، ودعْمَه، مُسْبِغَاً عليهم مِنَ الصِّفاتِ والسِّماتِ والخيراتِ والنِّعَمِ ما يَجْعَلَهم، وحْدَهُم دون سِواهُم من البشرِ، آلِهَةً أو على الأقلِّ بشراً مُسَيَّدِينَ، لِكَونِهم شَعْبَاً إلهيَّاً مُخْتاراً مِنْ قِبَل إلَهٍ مَرئيٍّ يُبْصِرونَه وحْدَهُم يَقودُ غزواتِهم وحروبِهم وفَتْكِهِم بالنَّاسِ فيما هو لا يَرى أحداً من النَّاسِ سِواهُم!!! وذلكَ عَلَى نَحوٍ يخْلُو منَ التَّسْويغِ العقليِّ المنطقيِّ، بَل ومنَ التَّسْوِيغِ اللَّاهوتيِّ القابل للتَّخيُّلِ الإنسانيِّ، ليُفْصِحُ بِهذا الخُلُوِّ، وبِجَلاءٍ ساطِعٍ، عنْ حقيقةٍ ساطِعَةٍ سيدركُها كُلِّ إنسانٍ يُعْملُ العْقَلَ، فَيَتَبَصَّرُ، نَصِّيَّاً ومَعْرِفيَّاَ، في كُلِّ تاريخٍ مكتوبٍ، لِيُجَرِّده من التَّزوير والتَّخْييل والادِّعاءِ والتَّزْوِيرِ والزِّيْف، ولِيَذهَبَ، من ثَمَّ، إلى تحليله، وفَهمِ مقاصِده، وإحسانِ نَقْدهِ، وتأويله، نافياً عنْهُ كُلَّ ما ينفيه العقلُ، وكُلَّ ما يتأبَّي على الضَّميرِ الإنسانيِّ قُبُولَهُ.

 ومَا هَذه الحقيقَةُ التي سَتَتَشَكَّلُ، وئيداً وئيداً، في عَقْلِ كُلِّ قارئٍ حصيفٍ لكتاب "التَّوراة العبريَّة"، ولا سيِّما حينَ يتبصَّرَ بإمعانٍ في الفقرات المتعلِّقَة بأُسطورتيِّ: "الوعد الإلهيِّ" و"شعب اللَّه المُختارِ"، إلَّا هاتِه الَّتي تَقُولُ إنَّ كُتَّابَ التَّوراةِ ومُسْتَكْتِبيْهِم المَأْفُونِينَ قَد تَمَرْؤُوا بِهَذا "الإلَه الضَّالِ"، عاكسينَ خبايَا أنفسِهم الغرائزيَّة المُتَوحَّشَةِ عليهِ، وجاعلينَه إلهاً غيوراً، حاسِداً، حاقِداً، وإرهابيَّاً مُتَوحِّشَاً لا يَحَيا إلَّا بالاستلاب والسَّرِقَة، وتصعيدِ الأدخِنَة السَّوداء، وتَنشُّقِ شَمِيْمِ الدَّمِ الإنسانيِّ المحروق، وكَأنِّي بِهم لا يُبْصِرونَ في مرآةِ "إِلَهِهِمِ الضَّالِ" هَذَا إلا حَقائِقَ أنْفُسِهِمُ المُتَوحِّشَةِ السَّوداءَ الَّتي صَارتْ في زمننا، كَما نشْهَدُها في تجلياتِ سُلوكِ "جَيْشِ الغزو الاستعماريِّ الصُّهْيُونيِّ" و"قِطْعانِ وُحُوشِ المُسْتَوطِنِينَ الصَّهايِنَةِ" المُلحَقَة بِه، "واقِعَاً قَائِمَاً" هُوَ الأوغَلُ في التَّوحُّش الإرهابيِّ، وحُلْكَةِ السَّوادِ، وفي مُعاداة الإنْسَانِيَّةِ: فِكْرةً، وقِيَماً، ومبادئَ تأسيسيَّةً، وتَمظْهُراتِ سُلُوكٍ، مِنْ كُلِّ واقِعٍ حَالِكِ السَّوادِ عرفَتْه البشريَّة على مدى تاريخ توحُّشِهَا الذي حَسَبَتْ، حِيْنَ أدركتْ مُبتدأ إنسانيَّتِهَا على يدِ حضاراتٍ مِنْ حضاراتِ الشَّرق القديم، أَنَّها قَدْ تجاوزتْه، وأنَّها قدْ أغلقَت شَّتى مَنَافِذِ استمرارهِ لِتَحُولَ دُوْنَ عَوْدةِ وُحُوشِ البشَرِ الجَشِعِيْنَ العُنْصِريينَ إلى ديْدَنِهِمِ التَّوحُّشِيِّ العُنْصُريِّ القَديم!

ما حَقِيْقَةُ فِلَسْطِيْنَ ومَنْ هُمْ خالِقُوهَا؟

أَمَّا نَحْنُ، نَحْنُ الْفِلَسْطِيْنِيِّينَ خَالِقيْ "فِلَسْطِيْنَ" الذين باسمهم أَسْمَوهَا لِكَوْنِهم هُمْ وحْدَهُمْ، ودون أيِّ أحدٍ من آخَريْهِم من بَني البَشَرِ، أَصْحَابُهَا الأَصْلِيّونَ الأَصِيْلُونَ؛ بُنَاةُ حَضَارَتِهَا؛ وصُنَّاعُ تَارِيْخِهَا، مُذْ بَدْءِ البَدءِ وإِلى أَبَدٍ مَفْتُوحٍ عَلَى لا نِهَايَاتِ الأَبَدِ، ومَثَلُنَا في ذَلِكَ مَثلُ كُلِّ الشُّعُوبِ البَانيَةِ الحَضَاراتِ الإنْسَانيَّةِ في أوطانِها المُوزَّعَةِ عَلى شّتَّى أحيازِ الأرضِ، والصَّانِعةِ تَاريْخَهَا المَضْفورَ بجدائلِ تاريخ الإنْسَانِ، والْمُحَفِّزِةِ سَيْرَ أَنْهُرِ حَيَواتِها، وصيرورةِ حَضَاراتِ أَوطَانِهَا، في مَسَاراتٍ مفتوحَةٍ، ومجالاتٍ حَيَوِيَّةٍ، تَسْتَجيبُ لأشواقِ الحياةِ، وجَمَالِ الأوطانِ، وللإصْغَاءِ الدَّائمِ، بِإنْسَانيَّةٍ جَوهَرِيَّةٍ، لِشَتَّى نِدَاءاتِ الوُجُودِ الإنْسَانيِّ الحَقِّ، فَإنَّنَا لنُدْرِكُ تَمَامَ الإدراكِ أَنَّنَا فِلَسَطِينيُّونَ إنْسَانيُّونَ، بُناةُ حَضَارةٍ، وصُنَّاع تَاريخٍ، تَماماً مثل غيرنَا منَ الشُّعوبِ غير المُتَخيَّلةِ، كَمَا نُدركُ، بِعُمْقٍ مُتَأصِّلٍ فينا وفي الأرضِ التي باسمنا أسميناهَا، أنْ لا أرضَ ولا وطنَ لنَا، وأنْ لا مجالَ وجوديَّاً حَيَويَّاً لوجودِنَا، غير "فِلَسْطِينَنَا"، وأنَّنَّا لا نستطيْعُ أنْ نَزْعُمَ، بل لا نُريدُ، ولا نُحبُّ، ولا نرغبُ في أَنْ نَتَخيَّلَ لِنَزْعُمَ، أنَّ "إِلَهَا مَخْصُوصَاً" قدِ اختارنا بنفسِهِ "شَعْبَاً مَخْصُوصَاً" لِنَفْسِهِ، دُوْنَ سِوَانَا من بَني البَشَرِ، أو مِنْ بينِ جميْعِ أسْوائِنَا مِنَ الإنْسَانِيِّينَ الجديرينَ بالوُجودِ من النَّاسِ!

كَمَا إنَّنَا نُدْركُ تَمامَ الإدراكِ، نَحْنُ الْفِلَسْطِيْنِيِّينَ خَالِقيْ "فِلَسْطِيْنَ"، أَنَّ "إلَهَاً مَصْنوعَاً مِنْ وهْمٍ" لَمْ يَعِدْنَا بِتَملُّكِ أَرضٍ، ولم يَطلُب إلينا غزوَ أرضٍ هي، في الأصلِ والتَّسميَةِ، مِلْكُ غيرنا منَ "آخريْنَا" مِنَ النَّاسِ، وهُو نَفْسُهُ لَم يَصْنَعْهَا  ولَم يُسهِم بِقَدْرٍ، مهما ضَئُلَ، في بناء حضارتها و صُنْعِ تاريخِها، لِيَمْلِكَ حَقَّ تَمَلُّكُهَا، أو حَتَّى حَقَّ تقاسُمُهِا مَع مالكيها الأصليينَ، إِذْ لَمْ تَكُنْ لَهُ، كما لَمْ تَكُنْ لنَا نحنُ المُوعُودِيْنَ المُفْتَرَضِيْنَ منْ قِبَلَه بِهَا، أدنى صِلَةٍ بِذَرة تُرابٍ مِنْ تُرابِ أرضِهَا الذي لَمْ تَطَأْهُ أَقْدُامُنَا يَوْمَاً، ولا هُوَ، ذاتَ يَومٍ، قَد رأى ذرَّةً مِنْهُ قَبْلَ أنْ تُرِيْهُ عُيُونُ صَانِعيهِ التَّوراتِيِّينَ المَأفُونينَ إيَّاهُ، وترسِمُ بِأصابِعِه الجشِعَة خريطَتَه: "منَ الفُراتِ إلى النِّيْل"!

وإنَّنَا، مَعْ هذا ومَعْ ذاكَ، لِنُدْركُ تَمامَ الإدراكِ، أيْضاً، أَنَّنَا لَم نُرِدْ لِهذا الإلَهِ الضَّالِ، أو حتَّى لسِواهُ من الآلِهَة، ولم نَصْرخْ في وجْهِهِ، أو في وجْهِ غيرهِ منَ آلهتنا، طَالبيَنَ منْهُ، إمَّا مُبتهلينَ راجينَ أو مُؤَنِّبينَ آمِرينَ، أنْ "يُوقِفَ الشَّمسَ" عن إضاءَةِ سَمَاواتِ مدائنِ  تِلكَ "الأَرْضِ المَوعُودة"، وأَنْ يُسقِطَ أسوارَهَا العاليَةَ تحْتَ أقدامِ جحَافلَ وُحُوشِنَا البشَريَّة الغازيَّة حتَّي نُكْمِلَ غَزوهَا، وسرقَتها، والفتْكِ بأهلها منَ "الأغيارِ"، واحتلال أُروضِهم واقتلاعهم منها، وتشريدهم في أحيازِ أزمنَةِ منافٍ لا مكانيَّةٍ، وسلْبِ ما يَمْلُكًونَ من ثِمارِ جَهْدهم الإنسانيِّ الحضاريِّ الخَلَّاقِ، لنتقاسَمَهُ مَعَهُ، مُؤْثِريْنَ أَنْفُسَنَا بِما يَزيدُ، ومَا يفُوقُ، ومَا يعلُو قِيْمةً وجَدوى، على ما سَنَجُودُ بِهِ، إنْ جُدْنَا، عليه!

وسيَكونُ لنا، بطبيعَة الحالِ ووفق مقتضيات المنهجِ النَّقديِّ المعرفيِّ الذي بلورتْهُ الأقسامُ سابِقةُ النشر في مجلَّة "الهدف"، أنْ نُوجِّه جُلَّ جَهدنَا النَّقْديِّ لِتَعرُّف كيفيَّاتِ تَعامُل الأدب الفلسطينيِّ، في مرحَلَتِه الثَّانيَةِ الكُبْرى وبحسب توالي أحقابِها، وتغايُرِ أحيازهَا، وتبايُنِ الشُّروط التي تحكُمُها، مَع هذا الجانبِ من جوانبِ السَّرديَّة الصُّهيونيِّة الَّتي تأسَّست ْعلى "تسويغِ سرقَة فلسطينَ" وعلى إيقادِ كُلِّ الجمراتِ التَّوراتِيَّةِ الخبثَةِ التَّي تسبَّبَ إيقادُهَا في "إشعَالِ سَعائِرِ نكبتهَا" في جميعِ أرجائها، وفي مُتابَعَةِ تَسْعِيرِ عقابيلِ ألْهِبَتِهَا الجسيمَة، الضَّاريَة، السَّوداء، لِتُتابِعَ استلابَ هُوِيَّتِهَا، والفَتْكَ بَحَيَاتِها، وبحيواتِ أبناء شعبها سَواء أكانُوا من الَّينَ تَمكَّنُوا منَ الاستمرار في التَّشَبُّثِ بهَا: أرضاً، وبُيوتَاً، ووطناً، ومجالاً وجودِيَّاً حيويَّاً وحيداً، أو الَّذين تَمَكَّنت عصاباتُ الإرهاب الاستعماريِّ الصُّهيوني من اقتلاعِهم منها، وطردهم بعيداً عن  "مساقِطِ رْوسِهم" فيها، وتشريدهِم في منافٍ بَعِيْدةٍ عنْهَا تَتوَزَّعُهَا أصقاعُ عالَمٍ بَشَريٍّ هجيريٍّ وصَقيِعيٍّ في آنٍ معاً.

زَمَكَانُ الحَقْلِ الفِلَسْطِيْنِيِّ و"التَّوراةُ الكَنْعَانيَّة"

وإِذْ تَتَركُّزِ مُقَاربَاتِنَا التَّبَصُّريُّة النَّقْدِيَّة المَعْرِفيَّةُ، هُنَا، عَلى الأَدَبِ الْفِلَسْطِيْنيِّ الْمُعَاصِرِ؛ أَيْ عَلى الْمَرْحَلَةِ الثَّانِيَةِ الْكُبْرى لِهَذَا الأَدبِ، وهي المرحَلَةُ المسبوقَة بفَتْرةٍ انْتِقَالِيَّةٍ جَسَّدَتْهَا لَحْظَةٌ تَارِيْخِيَّةٌ تَعَيِّنَتْ، مُذْ مَا قَبْلَ الرَّبْعِ الأخَيْرِ مِنَ الْقَرنِ التَّاسِعِ عَشَر، بِإِرْهَاصَاتِ المَطَامِعِ الاسْتِعْمَارِيَّةِ الصُّهْيُونِيَّةِ فِي فِلَسْطينَ، فَإِنَّنَا سَنَكْتَفيِ بالإِشَارةِ إلى أَوَّلِ انْبثَاقٍ نَصِّيٍّ لِمِحْورِ صراعِ السَّردِيَّتين: الْفِلَسْطِيْنِيَّة الحقيقيّة، والصُّهْيُونِيِّةِ الزَّائِفَةِ، في الْمْرحَلَةِ الأُولى الْكُبْرى للأدب الفلسطِيْنيِّ الَّتي أَسْمَيْنَاهَا بـ"مَرْحَلَةَ أَدَبِ زَمَكَانِ الْحَقْلِ"، وهِي المَرْحَلَةُ المَوسُومَةُ جَميْعُ أَحْقَابِهَا بِالتَّواصُل الْفِلَسْطِيْنِيِّ الْمُلْتِحِمِ عَلَى مَدَى الأْزْمِنَةِ الْحَضَارِيَّةِ التَّارِيْخِيَّةِ الَّتي ابْتَكَرَتْهَا فِلَسْطِينُ، أوْ تِلْكَ الَّتي عَرَفَتْهَا، فَتَفَاعَلَتِ، وِفْقَ آلِيَّاتِ نِظَامِهَا الثَّقَافِيِّ الْفِلَسْطِيْنِيِّ الرَّاسِخِ، مَعْ تَعَدُّدِهِا وتَنَوُّعِهَا، آمِلِيْنَ أَنْ يِمْهِلَنَا الزَّمَنُ لِلْإسْهَامِ، قَدْرَ وُسْعِنَا،  فِي الإطْلال النَّقْدِيِّ والمعرفيِّ عَلَى النُّصُوصِ الأَدَبِيَّةِ الفلسطينيَّةِ الْعَائِدِةِ إلى هَذِهِ المَرحَلَةِ الْكُبْرَى، وفِي تَحْقِيْبِهَا تَحْقِيْبَاً زَمَنيَّاً – أَدبِيَّا ، حَضَارِيَّاً وجِيُوسِياسِيَّاً، يَتَجَاوبُ مَعِ الأَزْمِنَةِ التَّقْرِيْبِيَّةِ لإبْدَاعِ هَذِهِ النُّصُوصِ التَّأسيسيَّة، ويَسْتَقْصِي تَأثِيراتِ تَدَاوُلِهَا، ويَتَعّقَّبُ جُذُورَ انْشِغَالَاتِهَا الرَّؤْيَويَّةِ الْحَيَاتِيَّةِ – الْوُجُودِيَّةِ، ويُتَابِعُ تَفَرُّعَاتِ جُذوعِهَا في غُصُونٍ يَتَجَلَّي وُجوْدُهَا في نُصوصٌ اسْتلْهَمتْهَا وتناصَّت مَعَهَا فانبنت عليها، ويَتَعَرَّفُ خَصَائِصَهَا الْجَمَالِيَّةَ الْمُتَنَوِّعَةَ بِتَنَوُّعِ أَجْنَاسِهَا الأدَبِيَّةِ، وتَعَدُّدِ أنْماطِهَا، وتكاثُر أَشْكَالِهَا.

وفِيْمَا يَخُصُّ مُكْتَنَزاتِ هَذِه الْمَرحْلَةِ الأدَبِيَّة الْكُبْرى مِنَ النُّصُوصِ التَّأسيسيَّةِ، فَإنِّي لَأَحْسَبَ أَنْ مَا يُتُوَفَّرَ مِنْهَا بيْنَ أيديْنَا الآنَ، مَصْحُوبَاً بِترجَمَاتِهَا إلى لُغَاتِ عَدِيْدةٍ وضِمْنُهَا اللُّغَةُ العَرَبِيَّةُ، وبالتَّعْليقَاتِ العلميَّةِ علَيْهَا، وبِالدِّراساتِ المُتَنَوِّعَةِ الَّتي تَنَاوَلَتْهَا مِنْ منْظُوراتٍ عَدِيْدةٍ، وبالخلاصَاتِ المُؤَصَّلةِ التي أسفرتْ هذه الدِّاساتُ عَنْهَا، إِنِّمَا يَفْتَحُ سُبُلاً لِلْبَدْءِ فِي تُعرُّف هَذِهِ المَرحَلَةِ الأدبِيَّةِ الكُبرى، تَعَرُّفَاً مَعْرِفِيَّاً عَمِيْقَاً، وذَلِكَ عَبْرَ إمْعَانِ التَّبَصُّرِ فِي نُصُوصِهَا الأُسْطُورِيَّةِ، والْملْحَمِيَّةِ، وفي غَيْرِهَا من أنواعِ المأَثُورات الشَّعبيَّة، والنُّصوصِ المعرفيَّة الفلسفيَّة، وضِمْنَ ذَلِكَ، بالطَّبْعِ، كُلُّ نَصٍّ يَتعَلَّقُ بالآلِهَةِ الفلسطينيَّةِ الكَنْعَانيِّةِ، وبالحياة الحضاريَّة الفلسطينيَّةِ، وهِي النُّصُوصُ - الأَلْوَاحُ الَّتِي تُشَكِّلُ مَا أَسْمَاهُ الْعَالِمُ المَرْمُوقُ، الخَبِيْرُ بِاللَّغَاتِ السَّامِيَّة: "ه. أ. دِيْل مِيديكو"، الَّذِي تَرْجَمَهَا مِنَ الأُوغَارِيْتيَّة الكَنْعَانِيَّة الْمَكْتُوبَةِ بالْخَطِّ الْمِسْمَارِيِّ إلى الفرنْسِيَّة، بـ"التَّوراةِ الكنْعَانِيَّةِ La Bible Cananeénne"، مُوْحِيَاً، عبرَ هذه التِّسمية، أنَّهُ "الكتابُ الكَنْعَانِيُّ المُقَدَّسُ!" الذي شُرِعُ في العُثُورِ على ألواحِهِ المكنوزةِ في مَعَابِدِ الآلِهةِ الفلسطينيَّةِ الكنعانيَّةِ الَّتي أُقِيْمَتْ، قبلَ ما يربُو على أربَعِ أَلْفِيَّاتٍ من الزَّمنِ أو ما يزيدُ عليها، في مدينَة "أوغاريت – راس شمرا" على غرارِ تلك الَّتي أُقيْمتْ في عشرات المُدنِ، والبلداتِ، والقرى، الفِلَسْطِيْنِيَّةِ الكَنْعَانِيَّةِ.

 وما الألواحُ والنُّصُوصُ المَشْمُولةُ في كتابِ"التَّوراةِ الكنَّعانيَّة"، بحسب تَسْميَة العَالم الآثاري الإنَاسيِّ  المرموق "ه. أ. ميديكو" للنُّصوص والألواحِ الآثاريَّة التي ترجمها وقاربها دارساً ومُحَلِّلاً وشارِحاً ومستخْلِصَاً، إلَّا قَطْرٌ أوَّلِيٌّ منْ قَطْرِ "الحقيقَةِ الفلسطينيَّةِ" المنقوشُةِ أَسْطُرَهَا الخَضْراء كَلِمَاتٍ من ماءٍ وهاَّجٍ ونُورٍ نديٍّ على جَسَدِ "فِلَسْطِين: الأرضِ، والأمِّ، والمجالِ الوجودِيِّ الحيويِّ، والوطنِ"، والَّتي لَمْ تَكُفَّ مُكوِّناتُهَا عنِ المورانِ في الوجدانِ الفِلَسْطِينيِّ الفردِيِّ والجَمْعيِّ، وعنْ مُتابَعَة الانْسِرابِ، بِطَرائِقَ وصِيْغِ شَتَّى، في خيوطِ أنسجَةِ التَّراثْ الشَّعْبِيِّ الْفِلَسْطِيْنِيِّ الْمُتَداولِ، بحيَويَّةٍ دافِقَةٍ، فِي أَوساطِ أجيالِ الشَّعْبِ الْفلسطيْنيِّ فِي كُلِّ فِلَسْطِينَ، وفِي كُلِّ أَحْيَازِ الشَّتَاتِ، حَتَّى اللَّحْظَةِ.

وهذه هي "الحقيقةُ الفِلَسْطِيْنِيَّةُ" الحضاريَّة، التَّاريخيَّةُ، الوطنيَّةُ والإنسانيَّةُ، الَّتي تُؤَكِّدُ الأدِلَّةُ الأثاريَّةُ المادِّيَّةُ والنَّصِّيَةُ الَّتي تَعَرَّفَتْ تبصُّراتُ العَالِم "ه. أ. دِيْل مِيديكو" الأعَمَّ الأغلبَ من مُكَوِّنَاتِها، فَحَلَّلتْها مُسْتَنْبِطَةً مدلولاتِ دلالاتِها الواضِحَةِ والكامِنَةِ، ومُلتَقِطَةً جوهَرَ خُلاصَاتِهَا، ونَاطِقَةً، باسمهَا، رسالتَهَا المبثوثَة على أثير الوجود؛ أَنَّها قَد مَارسَتْ ثِقَلَهَا، بِكَثَافَةٍ مُركَّزةٍ مُنْقَطِعَةِ النَّظِيْرِ، عَلَى كُتَّابِ مَا قَدْ سُمِّيَ بَعْدَ حِيْنٍ من كِتَابتِه  بـ"التَّوراة الْعِبْريِّة"، ومِنْ ثَمَّ، وبعدَ زَمَنٍ طويلٍ، بـ"الْعَهْدِ الْقَدِيْم" ليكونَ هذا الكتابُ الزَّائِفُ أحَدَ عَهْدَينِ: "قَديْمٌ، وجَدِيدٌ" جُعِلا كِتَابَاً وُسِمَ، بِخِفَّةٍ، بالْقَداسَةِ، مَع أنَّ مُكونَاتِ "القديم" منهما لا تنطوي على شَيْءٍ قَدْ يَشِي بِوجودِ قَداسَةٍ فيِه، وإنَّما، وبِجلاءٍ ساطِعٍ، على تَعَالٍ عُنْصُريٍّ مَوهُومٍ، وعلى "وعْدٍ إلهييٍّ مزعومٍ" يُسَوِغ اقترافَ شَتَّى أنواعِ الْجَرائِمِ، وتسبيبِ شَّتَّى النَّكباتِ لـ"ألأغيارِ" مِنَ النَّاسِ. وجليٌّ تَمامَاً، أنَّ أيَّاً مِنْ هذينِ الأخيريْنِ، أي الوعد الإلهيّ المزعوم"، و"تسويغ الجرائمِ وتسبيب النَّكَبات"، لا يملكُ جدارةَ أنْ يُوْسَمَ بِشَيْءٍ، أو أنْ يُنْعَتَ بنَعتٍ، يُوْجِبُ العقلُ الإنسانيُّ وَسْمُهُ، أو نَعْتِهِ، بِهِ، سِوى العدوانيَّةِ المُتَوحِّشَة، والعُنْصُرِيَّةِ المَقِيْتَةِ، والرُّخْصِ، والدَّنَاسَةِ!

ولستُ أحسبُ أنَّ عباراتٍ من قبيل "تُمَارسُ ثقَلها" أو قد "مَارسَتْ ثقلها" التي التقطَها، ووظَّفَها، وأعادَ تأكيدَهَا، علماءٌ عديدونَ في مقدِّمتهم عالم اللُّغويات الآثاريِّ الآنثربولوجيِّ الأمريكيِّ سيروس. ه. جوردن، وذلكَ بَعدَ أنْ وظَّفَها "هـ. أ. ديْل ميديكو، في توصيفِهِ اعتماد كُتَّابِ"التَّوراةِ العبريَّة" على مُكْتنزاتِ الحضارة الكنعانيَّة وعلى ما يَزخَرُ بِه غيرها من حضارات الشَّرقِ القديم، في تدوين هَذَا الكتَابِ الزَّائِفِ، أي غير الأصيلِ، لستُ أحسبُها إلَّا رديفاً عِلْمِيَّاً لعباراتٍ عِلْمِيَّةٍ، وعَمَلِيَّةٍ، عديدةٍ، تَقولُ دلالةَ السَّرقَة والاستلاب والتَّحريف والتَّزوير وزَعْمِ الابتكارِ وادِّعَاءِ حُقُوقِ الملكيَةِ؛ ذَلكَ أنَّ كُتَّابَ هذه "التَّوراة العبريَّة" قدْ عَمَدُوا إلى السَّطْو على هَذه المُكتنزاتِ الحضَارِيَّة الفِلَسْطينيَّةِ أساسَاً، والشَّرْقِيَّةِ عُمُوماً، لِيُمْعِنُوا في تزويرهَا، وسَلْبِهَا، وادِّعائها لأنفسهم، وضِمْنُهَا، بطبيعَة الحال: الآلِهَةُ، والأساطيرُ، والملاحمُ، وقصصُ البُطولَةِ، وسِيرُ عُظُماءِ النَّاس، والقصصِ الأسطوريَّة والخرافيَّة والواقعيَّة، والأقوالِ والحِكَمِ، والابتهالات والمزامير، والصَّلواتِ والطُّقوس، والنُّصوص التَّشريعيَّة، والنُّصوص المتعلِّقَة بأنظمة الحكم، وإدارة شؤونِ الدَّولَة (المدينَة)، وبناء المؤسَّسات، وتوزيعِ الثروات، وغير ذلكَ مِمَّا يَنُظُم حياةَ المجتمعاتِ الإنسانيَّةِ المُتَحَضِّرة، ويستجيبُ لحاجات النَّاس، ويُنَظِّمُ علاقاتِهم مع بعضهم بِعضاً، ويبثُّ الرَّسائِلَ المُتبادَلَةَ بينَ الأرضِ والسَّماءِ مَحْمولَةً على أصواتِ النَّاس ومسكونَةً بَأشواقهم الحياتيَّةِ، وتطلعاتِهم الوجوديَّة.

وليسَ غريباً، بلْ ليس مُسْتَبْعَداً، والحالُ هي هَذهِ الَّتي أدْركَهَا، ووصَّفَها، علماءٌ مرمُوقُونَ بينهمُ يَهودٌ لَم يُصَهْيَنُوا، ولَمْ تُنْتَزعُ إنسانيَّتُهم لـ"يُحَوسَلُوا"، أنْ نعثرَ  في "التَّوراة العبريَّة" على دليل إرشاديٍّ كَاملِ الأركانِ، ومُكْتَمِلِ المجالات والجوانبِ، لاقتراف جرِيمةِ السَّرقَةِ وغيرهَا من الجرائِمِ، وتحصينِ المجرمِ السَّارقِ، وكُلِّ مُجرمٍ بِإطلاقٍ، ضَدَّ أدنى احتمالٍ للتَعَرُّضٍ لإلقاءِ القبض، والاحْتِجَازِ، والتَّحقيقِ، والمُسَاءَلَة، وتوجيه الإتِّهام، والخُضُوعِ لمُحاكَمَة إنْسانيَّةٍ قانونِيَّةٍ عادلِةٍ، وتَلَقِّي ما تُوْجِبُ نزاهَةُ هيئةِ المَحْكَمَةِ إِيْقَاعَهُ من عِقَابِ عَادِلٍ عَليْهِ.

ولعلَّ للقانونِ الإنْسَانيِّ، وقانون حُقُوق الإنسانِ اللَّذينِ سَيَحْكُمَانِ عَمَلِ هَذِه الهيئَةِ، وسَيُرشِدانِ مُداولاتِها في تقدير مدى جَسَامَةِ الجُرْمِ المُرتَكبِ وتقريرِ نَوعِ العقابِ الْواجبِ ايْقَاعُهُ ودرجَتِه، أنْ يقترحَا تَسْمِيَة هَذا الدَّليلِ، اخْتِصَاراً وتأْصيلاً قانُونيَّاً وَوسْمَاً واعتماداً،  بـ"دليلِ تَسْويغِ جرائمِ السَّرقَةِ وغيرهَا من الجرائمِ الجسيمَةِ وتحصيَن السَّارقِين وغيرهم مِنَ المجرمين"!!!