Menu

في الذكرى 73 للنكبة.. صراع الكاريكاتير المفتوح منذ النكبة وحتى الشيخ جراح

د.عاطف سلامة

نُشر هذا المقال في العدد 26 من مجلة الهدف الإلكترونية

في العام 1948 ارتكبت العصابات الصهيونية أكثر من 70 مجزرة بحق الفلسطينيين، ما شكل أكبر عملية تطهير عرقي شهدها القرن العشرين، حيث غادر أكثر من 900 ألف فلسطيني قسرًا من قراهم ومدنهم بقوة السلاح والتهديد من قبل العصابات الصهيونية إلى داخل فلسطين، للضفة الغربية وقطاع غزة، وكذلك للدول العربية المجاورة، من أصل مليون و400 ألف فلسطيني كانوا يقيمون في فلسطين التاريخية عام 1948، وتم إحلال اليهود مكانهم؛ وبهذا تكون العصابات الصهيونية، قد سيطرت على 774 قرية ومدينة فلسطينية، وتم تدمير 531 منها بالكامل وطمس معالمها الحضارية والتاريخية، وسيطرت العصابات الصهيونية كذلك؛ على 87% من مساحة فلسطين التاريخية.

نشط الكاريكاتير الفلسطيني؛ جراء التغيرات المتلاحقة وتشريد الشعب العربي الفلسطيني عام 1948 واحتدام دورة الصراع العربي الصهيوني في حروب متعاقبة؛ جعلت كل الأمور الحياتية للشعب العربي مرتهنة ومندمجة في متطلبات الصراع والمواجهة، في كل تفاصيل الحياة اليومية، وعلى كل الجبهات.

تعد الفنون التشكيــليــة، وفن الكاريكاتير تحديــــدًا، في مقدمة الأسلحــة الثقافيــة الفاعــلة والمشاركة في هذا الميدان؛ منذ النكبة 1948 وحتى محاولة الصهاينة كسر الشعب الفلسطيني بدءًا من حي الشيخ جراح في القدس 2021، منتقلة من حيز شكلي بصري عبثي؛ غايته التسلية والإضحاك، إلى اتخاذ موقف جاد هدفه المساهمة في معركة التصدي للمشروع الصهيوني في كل فلسطين.

دور الكاريكاتير في الصراع

لعب الكاريكاتير دورًا هامًا في أشكال الصراع المختلفة، خاصة الصراع (الإسرائيلي-العربي) لما له من قدرة على مخاطبة الفئات الاجتماعية على اختلاف مستوياتها الثقافية؛ حتى الأمية منها، وذلك لقدرته على ترجمة أحاسيس ومشاعر هذه الفئات على شكل رسومات مبسطة؛ لعبت دورًا مميزًا في رصد جرائم الاحتلال الصهيوني تحديدًا على مدار العقود الماضية، من حروب وقتل وتشريد وتدمير وتجريف للأراضي وتهويد للقدس وبناء الجدار العنصري الفاصل وصولًا إلى العمل على تهجير أهلنا في حي الشيخ جراح في القدس.

وبعد أن كان الكاريكاتير (في الوطن العربي بشكل عام، وفلسطين بشكل خاص) هامشيًا، حيث كان عبارة عن وسيلة للتسلية والسخرية بهدف الإضحاك؛ انتقل إلى معالجة قضايا سياسية ومجتمعية، وأيقنت الصحافة الفلسطينية أهمية الكاريكاتير، وحرصت على إفساح مساحة خاصة بفن الكاريكاتير السياسي، من منطلق أنه أداة أساسية وهامة من جهة، ومن جهة أخرى كونه عنصر ترفيهي، فقد دأب فنانو الكاريكاتير على استحداث رسومهم من الواقع اليومي من خلال وسائل التواصل الاجتماعي التي ساعدت بدورها إلى انتشار الرسوم الكاريكاتورية بشكل واسع؛ فكان لها دورها الرائد في نقل المعاناة الدائمة جراء أفعال وجرائم الاحتلال؛ معبرين عن رأيهم وأفكارهم السياسية والاجتماعية وغيرها، عبر خطوط تمثل نقدًا ما لظاهرة الفعل الصهيوني. ورغم أن مبدعي الكاريكاتير الفلسطيني قلائل نسبيًا، إلا أنهم عكسوا الواقع بكل مجرياته وأخص بالذكر الفنان الشهيد ناجي العلي ، والفنان جلال الرفاعي، وبهاء البخاري، وخليل أبو عرفة، وبغدادي، وماهر محمد، وخالد أبو يوسف وشحدة ضرغام وإسماعيل عاشور، وأمية جحا واسماعيل البزم.. وغيرهم. ومع استمرار الصراع العربي الإسرائيلي، تابع فناني الكاريكاتير الأحداث وتطوراتها لحظة بلحظة؛ يراقبون ويتحينون الفرص ويقتنصون المشاهد منها؛ يتمحصون وجوه العدو، ويراقبون الحركات الانفعالية؛ يبحثون عن نقاط ضعف هنا أو هناك ومواقف يعكسونها من خلال لوحاتهم المعبرة والساخرة الناقدة، مع مراعاة المزاج الشعبي دومًا.

فنانو الكاريكاتير كانوا ولا زالوا على الدوام يقظين مراقبين دائمين؛ يتفقدون ويسخرون ويحرضون، فقد عكسوا أفعال وحركات وتصرفات العدو الصهيوني وقرأوا أفكاره، بحيث لم يعطوا فرصة للمماطلة في إبداء الحيرة أو حتى الخوف من هذا العدو المحكوم بمبدأ وهاجس الأمن، لهذا؛ لعب الكاريكاتير ذلك الدور الذي خُطط له مسبقًا، والذي رسم للكاريكاتير السياسي أن يلعبه، بحيث ينشر الرسم الكاريكاتيري؛ بهدف الحصول على نتيجة محددة والتي تتمثل بالمهمة التحريضية والتعليمية، عدا عن المهمة الإعلامية، والمهمة الترفيهية، والتوضيحية، وكذا مهمة التسلية.. الخ.

لكن مهمة فناني الكاريكاتير الفلسطينيين كانت ولا زالت مقارعة الاحتلال؛ عن طريق كشف الوجه القبيح له.

دور الكاريكاتير السياسي في فضح جرائم الاحتلال الصهيوني

إن بعض الباحثين يحبذون تسمية المهمة السياسية للكاريكاتير؛ بالمهمة الدعائية أو التحريضية أو الأيديولوجية أو العقائدية أو إلى ما هنالك من المصطلحات التي توحدها جميعًا السياسة. إن الكاريكاتير يحمل سلاحًا من أخطر أنواع الأسلحة، ألا وهو سلاح السخرية؛ نتيجة للقوة التدميرية الكبيرة التي تحتوي عليها السخرية، ولذلك فإنه من الطبيعي أن تلجأ السياسة وهي النوع الأكثر جدية في أنواع النشاط الإنساني، إلى هذا السلاح الفعَّال؛ خاصة وأن السياسة تتميز بأنها نشاط يعتمد على التنافس التناحري، مما يقود بطبيعة الحال إلى البحث عن السلاح التدميري المتوفر في الكاريكاتير الذي يعتبر السلاح الأمثل في هذا الصراع، فهو وإن كان لا يؤدي إلى إراقة الدماء، إلا أنه قادر على هدم هيبة جيش ما يسمى بــ (الدفاع) وكونه قادر على تحويل قادة العدو الذين يرهبون الكثيرين إلى أضحوكة للجميع.

فالكاريكاتير قادر على الفضح والتشويه والإثارة المضادة التي تؤدي إلى تحطيم العدو الصهيوني معنويًا وكشف عيوبه بشكل ساخر هزلي، مما يخفض من أسهمه لدى الرأي العام المحلي والعربي والإقليمي والعالمي.

إن التركيز على شخص بعينه أثناء الصراعات السياسية، يقضي عليه (كرجل سياسة) وهو أشبه بالقتل، ومن هنا فإن الكاريكاتير السياسي يحتوى على هذا الطابع التدميري، ويتميز من بين أنواع السخرية، بأنه الأكثر قدرة على الوصول إلى الجمهور؛ فهو قادر على الوصول إلى الشخص الأمي والتأثير فيه مثلما هو قادر على الوصول إلى العلماء، وهو فن سهل وسريع القراءة، وليس بحاجة إلى جهود إضافية لتفسير محتوياته؛ فالقارئ ليس بحاجة إلى الاقتطاع من وقته الكثير للاطلاع على مضمونه؛ إذ أنه يكتفي بنظرة سريعة للاطلاع عليه سواء كان في عمله أو في بيته أو في وسائط النقل، وبعد توفر التكنولوجيا الحديثة؛ أصبح بالإمكان مشاهدة الصورة الكاريكاتيرية في أي مكان وأي وقت.

 أما في أوقات الحروب بشكل عام، وحرب سيف القدس 2021 خاصة؛ نجد اشتداد حدة تعبيرات وخطوط الكاريكاتير تلبية لمهمته السياسية، والتي تجسدت في فضح جرائم الاحتلال، من ذبح وقتل وتدمير وتشريد، بحيث لم يعتمد فناني الكاريكاتير الفلسطينيين على رسم فنان واحد للوصول إلى النتيجة المرجوة لفضح الاحتلال، بل على مجموعة من الفنانين، بحيث فاقت قدرة ريشة فناني الكاريكاتير قدرات رجال الاحتلال الصهاينة؛ السياسيين والعسكريين.

فقد مثل الكاريكاتير الفلسطيني؛ نقطة الماء التي فلقت الصخرة إلى نصفين، وذلك لأن نقطة واحدة تتحطم رذاذًا على الصخرة، أما إذا لحقت هذه النقطة نقطة أخرى ولحقت النقطة الثانية نقطة ثالثة والثالثة رابعة وهكذا، فإن التتابع والتكثيف يومًا بعد يوم سيؤدي إلى خلق حفرة على سطح الصخرة، وإن طال الزمن فسوف يؤدي إلي ثقب في الصخرة، وإن طال الزمن أكثر فسوف يفلقها إلي نصفين، وبهذا الشكل يكون الماء أقوى من الصخرة، وهذا ما يمكن قوله عن الكاريكاتير الفلسطيني الذي فاقت قدرته القادة العسكريين وجنرالات العدو الصهيوني، مما جعلهم يضعون فناني الكاريكاتير الفلسطينيين في دائرة الاستهداف؛ فمنهم من أُبعد، ومنهم من سجن، ومنهم من طالته يد الغدر مما أودى بحياته، وما الفنان الشهير الراحل ناجي العلى إلا أنموذجًا على وصول القتلة إلى لندن وتصفيته عام 1987.

إن أكثر أشكـال الصراع العالمي حدة وشراسة هو الصراع الأيديولوجي، وإحدى أهم الأدوات المتصلة في هذا الصراع هي وسائل الإعلام الجماهيري كونها محرض ومنظم؛ الكاريكاتير السياسي من أهم الفنون التي تستطيع النهوض بهذه المهمة، نظرًا لقدرته على التحريض المباشر، وسرعة وصوله إلى القراء بعيدًا عن التعقيدات المرافقة للفنون الأخرى، لاعتماده على القراءة السريعة المباشرة، لتبدأ بعدها عملية التفكير العقلي في مضمون الرسومات السياسية.

بعد أن كان الكاريكاتير في الوطن العربي هامشيًا، حيث كان عبارة عن وسيلة للتسلية والسخرية؛ جاء الفنان العربي الشهيد ناجي العلي ليغير هذا المفهوم بشكل كلي؛ فأصبح وسيلة للتفكير من أجل التغيير؛ محولًا إياه إلى فن سياسي يرتبط بقضايا سياسية ملحة؛ مشكلًا جزءًا أساسيًا من مكونات الدوريات، كذلك لم يعد حكرًا على فئة المثقفين فقط.

إن أهم ما يميز الفنان ناجي العلي غزارة الإنتاج والقدرة الجهنمية على متابعة الأحداث السياسية، وجرائم الاحتلال الصهيوني، والتقاط المفارقات وترجمتها إلى رسومات كاريكاتيرية بأسلوب بسيط وواضح بعيدًا عن التعقيد؛ مركزًا على الفكرة أكثر من الشكل، واستمر فنانو الكاريكاتير مستخدمين التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي ليبقى صراع الكاريكاتير ومناهضته للعدو الصهيوني؛ مفتوحًا منذ النكبة  1948 حتى معركة "سيف القدس 2021" التي فجرتها أحداث حي الشيخ جراح في القدس.

الهدف 1.jpg
الهدف 2.jpg
الهدف 3.jpg
الهدف 4.jpg
الهدف 5.jpg
الهدف 6.jpg
الهدف 7.jpg
الهدف 8.jpg