Menu

تقريرهل ستوقع فلسطين ترسيما للحدود البحرية مع تركيا: المحفزات والعواقب

خاص بالهدف - أحمد مصطفى جابر

بعد صمت طويل نسبيا، عاد الحديث وإن بخجل عن ترسيم الحدود البحرية الفلسطينية مع الدول المجاورة، خصوصا مصر وتركيا، بعد أن كان هذا الموضوع يطرح ويعود للاختفاء، ويبدو أن الجانب الصهيوني مهتم بشكل خاص باحتمال ترتيب اتفاقية تركية فلسطينية، ربما تكون مضرة بالمصالح الصهيونية واليونانية على ما أشار السفير الصهيوني السابق مايكل هراري في مقال نشر منذ يومين.

قبل الخوض في الموضوع التركي الأكثر أهمية، يبدو أن هذه القضية على الجبهة المصرية الفلسطينية ستشهد انزياحا ربما يكون إيجابيا لمصلحة البلدين، حيث نقلت صحيفة "العربي الجديد" عن مصادر دبلوماسية مصرية أن التدخل المصري الأخير في محادثات وقف إطلاق النار ووقف العدوان الصهيوني على غزة تضمنت نقاشاته المضي قدماً في مفاوضات ترسيم الحدود. وأضافت الصحيفة نقلا عن مصدرها أن هذا الأمر يندرج في سياق حلّ واسع يسمح باستغلال المقومات الاقتصادية للشعب الفلسطيني وتحسين ظروفه المعيشية، في موازاة إدخال دولة الاحتلال و فلسطين ومصر في شراكة مستدامة في مجال التنقيب عن الغاز الطبيعي ومكامن المواد النيتروجينية.

ولكن الكيان الصهيوني اشترط إعادة النظر في خريطة الحدود البحرية الفلسطينية، حيث أبلغ مصر استعداده لترسيم الحدود بشرط إعادة النظر في الخريطة التي تقدمت بها السلطة الفلسطينية، إلى الأمم المتحدة لاعتمادها عام 2019، وفقا لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. وهي اتفاقية انضمت إليها فلسطين بعد حصولها، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2012، على صفة مراقب ضمن صفتها كـ "دولة غير عضو في الأمم المتحدة". مع العلم أن الكيان لم ينضم إلى اتفاق الأمم المتحدة لقانون البحار، ولم يرسم حدوده البحرية إلا مع قبرص عتلى خلفية النزاع مع أنقرة، وأيضا بدأ الكيان العام الماضي مباحثات لترسيم الحدود مع لبنان، تحت رعاية أميركية في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، التي كانت إدارته تعتبر ترسيم الحدود البحرية لدولة الاحتلال مع محيطها العربي، جزءاً مما يسمى بـ"صفقة القرن" (خطة الإملاءات الأميركية لتصفية القضية الفلسطينية) وتستمر المفاوضات حاليا تحت رعاية إدارة بايدن.

وكان وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي قد سلم في حينه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش نسخة من الخرائط والإحداثيات الخاصة بحدود دولة فلسطين البحرية، استناداً إلى حدود عام 1967 وقرار مجلس الأمن الدولي الرقم 242.

وطلب المالكي من غوتيريش تعميم تلك الوثائق على الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، من أجل مساعدة الفلسطينيين في مساعيهم "لترسيم الحدود البحرية، لا سيما ما يتعلق بالمنطقة الاقتصادية الخالصة". كما تم تسليم نسخة إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية، وقال المالكي في حينه أن تسليم الوثائق إلى المنظمات الدولية والإقليمية "يرسخ الصفة القانونية لدولة فلسطين ويعزز مكانتها على مستوى العالم من حيث ترسيم الحدود البحرية". مضيفا أن تلك الوثائق ستساعد دولة فلسطين على حصولها على حقوقها في المنطقة الاقتصادية الخالصة في البحر المتوسط، مشيراً إلى أنه من حق الفلسطينيين استغلال تلك المنطقة واستثمارها والتنقيب فيها عن الغاز الطبيعي والنفط.

حيث تمتد الحدود البحرية لدولة فلسطين بحسب الوثائق من بيت لاهيا في شمال قطاع غزة وحتى محافظة رفح جنوباً بعمق 200 ميل بحري الواقعة في المنطقة الاقتصادية الخاصة".

طبعا كما ذكرنا يرفض الاحتلال الصهيوني الاعتراف بالخريطة الفلسطينية، ولكن هناك نزاع أيضا فلسطينيا مصريا حول العمق المحتسب للمياه المقابلة لجنوب قطاع غزة، الذي يتشابك مع المياه المصرية، حيث لا تعترف مصر حتى الآن بالخريطة الفلسطينية المودعة لدى الأمم المتحدة، لكن يبدو أن الجانبين لايعيران أهمية لهذا الخلاف ويريان أنه يمكن حله بسهولة، على العكس من الوضع مع الكيان الصهيوني والجانب الشمالي من قطاع غزة، حيث تقع مناطق التنقيب الأكثر أهمية عن الغاز والنفط، والخريطة الفلسطينية تقسم هذه المنطقة إلى قسمين، ولكن دولة الاحتلال تريد الاستحواذ عليها بالكامل.

بالعودة إلى الطرح التركي، غير الرسمي، يذكر أن نشاط تركيا في البحر المتوسط قد أثار قلق مصر واليونان وقبرص وكذلك طبعا الكيان الصهيوني، خصوصا بعد توقيع أنقرة اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع ليبيا ، في تشرين ثاني/ نوفمبر 2019، واعتبر المنافسون أن تركيا قامت بعمل استفزازي عبر هذه الاتفاقية وفسرت باعتبارها تهدف إلى إحباط مشروع خط الأنابيب من أوروبا الشرقية (EAST MED) وإضافة أوراق مساومة لتقوية موقف تركيا في الصراع الجغرافي الاستراتيجي في المنطقة.

لذلك ولاستكمال رسم خريطة المتوسط بناء على مصالحها، تحتل مسألة ترسيم الحدود البحرية مع فلسطين أهمية إضافية للجانب التركي مشيرة إلى إمكانية تطبيق النوذج الليبي في هذه المسألة. ولكن رغم التلميحات لايوجد أي خطوة عملية في هذا الاتجاه خصوصا في ضوء رفض مصر وأيضا خطوات التقارب التركية المصرية.

كان السفير الفلسطيني في أنقرة قد رمى حجرا في مياه هذه القضية الراكدة في حزيران/ يونيو2020، أي قبل عام كامل، حيث صرح أن "السلطة الفلسطينية مستعدة لمتابعة الاتفاق الليبي التركي وتوقيع اتفاقية الحدود البحرية الفلسطينية التركية"، وقد أثار البيان الاهتمام، ولكن ليس أكثر رغم أن المتحدثين الفلسطينيين الذين تناولوا هذا الموضوع لم يرفضوا الفكرة تماما، والتي يمكن أن يكون الأتراك تلقفوها وأعادوا إطلاقها كمنطاد تجريبي مصمم لاختبار ردود الفعل للأطراف المعنية.

السفير فائد مصطفى كان قد أدلى بتصريحاته لصحيفة أيدينليك التركية حيث قال إنه على غرار ليبيا فإن فلسطين "مستعدة لتوقيع اتفاقها الخاص"، وأضاف: "نحن منفتحون على كل فكرة تعمّق علاقاتنا مع تركيا، وهذا يتضمن صفقة بشأن المناطق الاقتصادية الخالصة". وقال أيضا "لدينا أيضاً حقوق في البحر الأبيض المتوسط. لفلسطين أسهم في النفط والغاز تقع في شرق البحر الأبيض المتوسط. نحن على استعداد للتعاون في هذه المجالات والتوقيع على اتفاق".

ومن المعروف أن الأراضي الفلسطينية تتمتع بفضل قطاع غزة بخط ساحلي على طول شرق البحر الأبيض المتوسط، ​​مما يجعلها مؤهلة للحقوق البحرية.

كما ذكرنا حاليا وبعد العدوان الصهيوني الأخير ومعركة سيف القدس وانتصار المقاومة، عادت أصوات جديدة للظهور حيث قالت صحيفة يني شفق التركية في صفحتها الأولى أن تركيا قد تطبق "النموذج الليبي" من خلال اتفاق بينها وبين حكم حماس في غزة، وكان إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، وفي مقابلة مع قناة تلفزيونية تركية في 25 أيار/ مايو، قد قال إن "أي خطوة تتخذها الدولة الفلسطينية مع تركيا ستكون في مصلحة الطرفين"، كما تبنى هنية نظرة إيجابية لجهود المصالحة بين تركيا ومصر والسعودية.

من جانبه، الأدميرال التركي المتقاعد، البروفيسور جهاد بايجي رئيس مركز الاستراتيجيات البحرية والعالمية في جامعة باهجة شهير، في مقابلة مع نفس الصحيفة في 17 مايو قال أن مثل هذه الخطوة ستقوي الجانب الفلسطيني في مواجهة "إسرائيل"، وتنقل إلى سيطرتهم حوالي 10000 كيلو متر مربع من المياه الاقتصادية. وأضاف أن ما يسمى بـ "الوطن الأزرق- BLUE HOMELAND – " سيزيد أيضًا الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية، مشيرًا إلى أن تركيا وقعت اتفاقية مماثلة في عام 2011 مع شمال قبرص (كيان سياسي معترف به فقط من قبل تركيا )، حيث: "إذا كان بوسع فلسطين أن تكون عضوا في منتدى الغاز الإقليمي، فيمكنها (إذا كان الأمر كذلك) أن توقع اتفاقية معنا. عضوية فلسطين في المنتدى هي مؤشر على أنها كيان دولي بساحل متوسطي. مثل هذه الخطوة يمكن أن تحول اللعبة الحالية في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​لصالحنا. يمكن أن تكون خطوة شطرنج استراتيجية بالنسبة لنا "".

لم تحصل ردود فعل علنية على الأقل على كلام بايجي، وتجدر الإشارة، مع ذلك، إلى أن تقارير إعلامية في اليونان زعمت أن زيارة وزير الخارجية اليوناني للكيان الصهيوني خلال المعركة الأخيرة كانت تهدف، من بين أمور أخرى، إلى إحباط مثل هذه الخطوة فيما لم تعلق السلطة الفلسطينية على هذا الموضوع.

موقف الجانب الصهيوني من هذا الاحتمال لخصه السفير الصهيوني مايكل هراري، سفير الكيان السابق لدى قبرص، معتبرا أنه وبجميع المقاييس تعتبر هذه خطوة تعقيدية للمنطقة، زاعما أن تركيا تتصرف انطلاقا من شعورها بالعزلة، وتعقد اتفاقات تعترف بها وحدها كما مع حكومة الوفاق الليبية وقرص الشمالية، وكذلك يقلق الصهاينة من أن هذه الخطوة تعتبر تقوية للفلسطينيين وخاصة بعد الجولة الأخيرة من القتال في غزة. وأيضا زعم هراري أن هذه الخطوة خالية من المخاطر للأتراك خاصة الآن أن أردوغان يحاول تحسين العلاقات مع القاهرة والرياض، ويبذل جهودًا كبيرة للظهور في ضوء أكثر إيجابية قبل لقائه المتوقع مع الرئيس بايدن فينحو أسبوعين.

الاحتمالات للخطوة التركية تبدو ضعيفة على كل حال في ضوء التعقيدات الخاصة بتركيا من جهة وبالجانب الفلسطيني من جهة أخرى، فبينما قال الأدميرال بايجي إن التوقيع ممكن لأن هناك سلطة فلسطينية واحدة تحكم في الضفة وغزة، لايبدو هذا جديا على أرض الواقع، لأن من المتوقع أن ترفض رام الله هذا الاتفاق لأنها تنظر إليه على أنه تقوية لحماس، وليس لفلسطين عامة، ويبدو أن مصر أيضا سترفض كما فعلت في الماضي.

أما أنقرة، فإن خطوة كهذه قد تقوض المساعي التركية للخروج من العزلة التي تجد نفسها فيها، وخاصة في مواجهة إدارة بايدن، أما الكيان الصهيوني فهذه ستعتبر خطوة سلبية بالنسبة لتل أبيب.

بالعودة إلى الاعتمام الفلسطيني بموضوع ترسيم الحدود، إضافة على ما نقلناه عن هنية، فإن مسؤولا فلسطينيا بارزا هو محمد مصطفى رئيس مجلس إدارة صندوق الاستثمار الفلسطيني (الصندوق السيادي) قال العام الماضي إن مصر أبدت استعدادها لبحث ترسيم حدودها البحرية مع بلاده؛ في ظل تنامي التطورات في منطقة شرق المتوسط.وجاء تصريحه عقب افتتاح محطة خلايا شمسية شمالي الضفة الغربية. وأفاد مصطفى بأن "مصر أبدت استعدادها لبحث بشكل جدي ترسيم حدودها مع فلسطين"..

يذكر أن مصر التي تشترك في الحدود البحرية فلسطين المحتلة (مع الكيان الصهيوني والسلطة الفلسطينية) عقدت اتفاقية ترسيم حدود مع الكيان لأول مرة في عام 1979، قبل أن يتم ترسيم حدودهما البحرية لاحقا، وبقاء ترسيم الحدود مع فلسطين معلقة.

ويذكر أيضا أن فلسطين تمتلك حقل "غزة مارين" قبالة سواحل القطاع على البحر المتوسط، على بعد 36 كيلومترا غرب القطاع، وتم حفره عام 2000 من جانب شركة الغاز البريطانية "بريتيش غاز" ويعتبر حقل "غزة مارين" أول كشف للغاز الطبيعي في مياه شرق البحر المتوسط، نهاية تسعينيات القرن الماضي، إلا أن "عملية التطوير لم تتم حتى اليوم بسبب معوقات صهيونية"، وفق ما تعلنه السلطات الفلسطينية عادة.

حيث أن الكيان الصهيوني يقيد جهود الفلسطينيين للقيام بأنشطة الاستكشاف والتنقيب في حقل غاز غزة البحري، الذي جرى اكتشافه عام 1999، وظل الحقل الذي يُقدّر أنه يحتوي على تريليون قدم مكعب من الغاز، خاملاً لما يقرب من 20 عاماً منذ اكتشافه، مع فرض الكيان ومصر حصاراً صارماً على غزة.