Menu

الانحطاط السياسي: وصف بليغ للحالة العربية

محمّد جبر الريفي

بالمقارنة مع فترات التاريخ السياسي العربي الماضية؛ تتكشف مدى طبيعة الانحطاط السياسي التي وصلت إليها الأمة العربية. أما الفترة الأولى يوم أن كانت البلدان العربية تحت نفوذ الإمبراطورية العثمانية؛ مكبلة بالحكم التركي البغيض الذي دام زهاء أربعة قرون، وقد كان بغطاء العامل الديني، لكن دافعه الأساسي هو تلبية طموحات النزعة القومية الطورانية في الهيمنة على العالم الإسلامي. ولكن في تلك الفترة كانت اليقظة القومية العربية متأججة؛ عبرت عنها الجمعيات والأندية العربية المتعددة التي واجهت سياسة التتريك العثمانية المعادية لكل المقومات القومية العربية، خاصة اللغة العربية؛ تلك السياسة العنصرية التي كان يطالب بها حزب الاتحاد والترقي التركي، وذلك بخلاف هذه المرحلة التي تشهد الغياب الكامل للمد القومي العربي وصعود للنزعة الإقليمية القطرية الضيقة التي تدفع بالعديد من الدول العربية في عدم الاهتمام بالقضايا القومية، كما حصل للقضية الفلسطينية التي لم تعد لها الأولوية في السياسة العربية، كما كان في السابق أيام المد القومي، حيث كانت القضية المركزية الرئيسية للأمة العربية، وما نشهده اليوم من إجراءات التطبيع مع الكيان الصهيوني وعدم اتخاذ موقف سياسي واضح من الانحياز الأمريكي السافر الذي تجلى بالاعتراف ب القدس عاصمة موحدة للكيان الصهيوني ونقل السفارة الأمريكية إليها إلا هو دليل على مدى الانحطاط السياسي الذي وصل إليه الواقع العربي.

أما الفترة الثانية هي فترة الاستعمار الغربي للوطن العربي لتلبية مصالح البرجوازية الأوروبية التي وصلت إلى السلطة السياسية بعد اندحار عصر الاقطاع السياسي، ولكن كان من دوافعه الأساسية المحركة إضافة للمصالح الاجتماعية الطبقية هو الموقف الديني لمذهب الأصولية المسيحية الغربية المعادية لسماحة مسيحية الشرق (إعادة لدوافع الحملات الصليبية)، ولكن أيضًا كان الشعور الوطني والقومي متأججًا؛ يسير بالشعوب العربية بخطى متسارعة نحو تحقيق هدف الاستقلال الوطني، وهو ما تم بالفعل، حيث نالت الدول العربية التي أفرزتها حالة التجزئة السياسية على الاستقلال السياسي، باستثناء فلسطين المحتلة من قبل العدو الصهيوني، وهو الذي يعد آخر احتلال في العالمين العربي والإسلامي، بل في العالم أجمع، وذلك بخلاف هذه المرحلة السياسية التي تشهد اندفاعة نحو الغرب الرأسمالي بشركاته الاحتكارية المتعددة الجنسية، وتكون محصلتها النهائية المزيد من علاقات التبعية بكل أشكالها مع النظام الرأسمالي الامبريالي العالمي، مما تساهم هذه العلاقات المتعددة في وضع العقبات أمام خروج المجتمعات العربية من واقع التخلف الحضاري بكل مظاهره السائدة في الحياة اليومية.