Menu

ثغرة في جدار الأمن القومي...!

أكرم عطا الله

نُشر هذا المقال في العدد 26 من مجلة الهدف الإلكترونية

هذه المرة كانت مختلفة؛ كانت الإرادة الفلسطينية التي تحركت موحدة تطرق بقبضتها القوية على رأس إسرائيل؛ فقد تعرضت الدولة التي أقيمت منذ ثلاثة وسبعين عاماً وأقنعت مواطنيها أنها تمكنت من بناء مجتمع وتحقيق أمن متعدد المستويات؛ تعرضت لضربات عدة ليس فقط الصواريخ التي طالت أكثر من نصفها وهزت ثقة المواطن بدولته بل ضربة اجتماعية لم تكن أقل وطأة عندما تحرك الفلسطينيون في المدن المختلطة؛ حين استجابوا لنداء الوطن وهم الذين يعيشون في خاصرة الدولة ونقطة ضعفها وتعرضت لضربة سياسية وأيديولوجية في القدس ، بعد أن اعتقدت أنها أصبحت عاصمة لها في لحظة تهريج أميركي واعتقدت أن اللحظة؛ باتت مواتية لسيطرة اليمين الديني على تلك المدينة.

ليس من المبالغة القول: أن إسرائيل وقفت مصدومة لما جرى؛ نقلت الشرطة وحرس الحدود في البداية إلى القدس وما أن اشتعلت غزة نقلت إليها الجيش لتنتفض مدن الداخل لتستدعي حرس الحدود؛ من الضفة والقدس وتنقل الجيش للضفة وفي نفس الوقت هذا الجيش موجود على حدود غزة؛ يفترض لكل الاحتماليات، وهكذا بدأ الفلسطينيون كالنار التي تنتقل بسرعة؛ تحرق أصابع الدولة، فيما كانت غزة والداخل يحرقان القلب في مشهد لم تكن تحسب له إسرائيل حساباً في أسوأ كوابيسها.

هذه المرة كانت غزة أكثر ثقة بنفسها وبخطابها وأدائها وبضرباتها التي لم تتوقف؛ رغم كل الدمار الذي أحدثته آلة الحرب فيها في محاولة منها حتى لتخفيف وتيرة الصواريخ، لكنها لم تتمكن وبقيت غزة؛ تضرب في كل المدن؛ إذ بدت أمامها السبع وتل أبيب وأسدود وعسقلان مكشوفة، دون أن تتمكن دولة الاحتلال من توفير الحماية التي تبجحت بها على امتداد سنوات ماضية؛ من قبة حديدية وقوة ردع وبنك أهداف وكل هذا الكلام الذي تكرر على ألسنة قادة جيشها، وإذ به لم يكن أكثر من أحاديث؛ سقطت أمام الواقع؛ فالقبة لم تشكل شبكة الحماية بالقدر الذي تم الترويج لها وقوة الردع لم تخيف الفصائل الفلسطينية التي أصرت على تحديها وبنك أهدافها كان أعجز من أن يوقف الضربات سوى أنه تمكن من تدمير البنايات السكنية والبنية المدنية للسكان.

لكن ما لا يقل أهمية وهو ذلك القدر من التحدي الذي فاجأ الدولة المُحتلة الذي أبداه أحفاد جيل النكبة في الداخل؛ أحفاد الذين وضعتهم إسرائيل في أقفاص ومعازل؛ بكل هذا الذل عندما احتلت فلسطين؛ بكل الذل الذي حملته وأقامت حكمها العسكري الذي كان يتطلب إذناً من المخابرات في كل شيء وما كان يحمله من إهانات يومية؛ كان يتجرعها الكبار، لكن الأحفاد يرفعون رؤوسهم بعد سبعة عقود؛ بعد أن ظنت الدولة أنها تمكنت من كسر شوكتهم وتشويه هويتهم؛ بعد أن عزلتهم عن محيطهم الاجتماعي والوطني، وإذ بهم بعد تلك الرحلة الطويلة؛ يعيدون صياغة هوية الشعب كله، لأنهم؛ سنديانة الوطن وأصل الحكاية ويستمرون على ترابها.

حاولت إسرائيل أن تفصل غزة، لكن غزة؛ تعود مشاكسة كعادتها؛ متمردة لا تعرف إلا أن تخنق قاتلها ولا تموت؛ حاولت تهويد القدس، وإذ بالقدس؛ تهتف لفلسطين؛ روحاً وجسداً؛ حاولت أن تستولي على الضفة وأن تسرقها في وضح النهار، وإذ بالضفة تتحرك بأعين مفتوحة وأصابع على الزناد؛ صممت وهندست ونفذت مشروع الأسرلة ضد الفلسطينيين فيها، وإذ بها تكتشف صدمة فلسطينيتهم المتمردة والثائرة حد السماء. وهكذا كأن الأمور تعود إلى بداياتها الأولى، وأن كل ما حاولته على امتداد عقود، بكل تلك الامكانيات الهائلة؛ يُصطدم أمام أعينها بجبروت الإرادة وبالفلسطيني الذي نجا من كل محاولات الإبادة الفاشلة؛ يعود من جديد يفقأ عين محتله وبوجع خاصرته.

الحرب مستمرة بين الفلسطينيين وإسرائيل والعدوان الاسرائيلي لم يتوقف منذ ثلاثة وسبعين عاماً؛ توقف القتال وهو أحد أشكال الحرب، لكن الحرب لم تتوقف وهي التي يشنها الإسرائيلي لمحو الفلسطيني؛ من الجغرافيا، لكن جولة القتال الأخيرة بين إسرائيل وفصائل المقاومة في غزة؛ كشفت قدراً من التراجع في منظومة أمن وكيان الدولة التي توهمت أنها تمكنت من إخماد الفلسطيني وتمكنت من تحقيق الأمن؛ فما أن توقف القتال الذي عجزت خلاله وبكل آلة الدمار عن اسكات السلاح الفلسطيني حتى بدأت اتهامات بين قادة الحرب ومن المسئول عن الفشل وعن تآكل الأمن وصورة الدولة.

الجيش يتهم الاستخبارات ومعلوماتها والاستخبارات تتهم الجيش والطيران وكله يتهم رئيس الوزراء ووزير دفاعه وهؤلاء يغمزون على رئيس الأركان، ولكن الحقيقة التي لا يريدون الاعتراف بها هي أن التاريخ لا يخترع الحكمة، بل يكتشفها من تجربة البشر وأخطائهم، وقد قال التاريخ كلمته: أن أي احتلال لم يتمكن من النصر وأن الانتصار هو للشعوب التي تملك الإرادة وتجيد استخدامها واستغلالها، وقد تمكن الشعب هذه المرة من الوقوف على قدميه مرة واحدة وقرر ألا يتراجع؛ تلك هي الحقيقة التي لم يفهمها المحتل وكل الذين سبقوه؛ الذين بدأت هزائمهم بنقاط صغيرة؛ أخذت تتوسع إلى أن انهارت كبرى الإمبراطوريات المسلحة؛ بدأ ذلك بثغرة صغيرة، والآن أصيب الأمن القومي؛ بثغرة تحت ضربات إرادة الشعب...!