Menu

معركة سيف القدس بين الصراع والتهدئة

محمّد جبر الريفي

العدوان الصهيوني الذي جرى على قطاع غزة في إطار معركة سيف القدس هي محاولة بائسة لتصفية المقاومة الفلسطينية المسلحة، باعتبار أن القطاع يشكل آخر معقل لها وصولًا إلى تصفية المشروع الوطني الفلسطيني برمته، هذا العدوان الغاشم الذي تواصل لمدة عشرة أيام؛ احتل من الناحية الكفاحية والنضالية موقعًا صداميًا متفجرًا في المنطقة؛ يتوافق مع التناقص الرئيسي الذي يحكم علاقة الكيان الصهيوني بالشعب الفلسطيني/ حيث العلاقة يجب أن تكون -وهي كذلك- علاقة تناحرية على المستويين الوطني والقومي. وهكذا فإن تفجير الصراع المسلح على الرغم من قساوته وايلامه لما نتج عنه من حالة رعب وخسائر في أرواح المدنيين الفلسطينيين الأبرياء وتدمير للمباني والمؤسسات في القطاع، فإنه ولا شك أسلوب صحيح؛ من أساليب المقاومة والمواجهة مع هذا الكيان الغاصب، حيث استجداء التهدئة والتسوية وايجاد حل سياسي للصراع بالطرق السلمية المعروفة؛ لم تجد حتى الآن في إلزام العدو الصهيوني بالاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطيينة الثابتة والمعترف بها دوليًا.

 لقد اختار رئيس حكومة الكيان الصهيوني المنصرف نتنياهو؛ الوقت المناسب لشن هذا العدوان الغاشم فهو قد جاء في ظل سعيه للتخلص من ملاحقة القضاء الإسرائيلي لحالة الفساد الذي كان يمارسها هو وأفراد أسرته، والتي كان من المتوقع أن تؤدي به إلى التخلي عن منصبه كرئيس للوزراء استمر مزاولته لفترة طويلة، وذلك كما حصل قبل ذلك لأولمرت رئيس الوزراء الأسبق الذي أُجبر على التخلي عن منصبه وصدر الحكم أيضًا بإيداعه السجن. وكذلك جاء توقيت العدوان في وقت يسود فيه الحديث بين النواب والوزراء عن إجراء عملية انتخابية يسعي من ورائها اليمين الإسرائيلي المتطرف للفوز بمقاعد الكنيست، بهدف احكام السيطرة على القرار الإسرائيلي، ولذلك أعطى نتنياهو الضوء الأخضر للقيام بعملية عسكرية يقوده وهم الانتصار على المقاومة وتغيير معادلة الاشتباك لصالح المؤسسة العسكرية.

اللافت للاهتمام أن العدوان جاء أيضًا بعد اتفاقية التهدئة التي تم التوصل إليها بجهد أمني مصري مع فصائل المقاومة، وهي تهدئة اعترض عليها آنذاك وزير الدفاع ليبرمان الذي كان يخطط منذ أمد لشن عملية عسكرية علي القطاع، بهدف تدمير المنظومة العسكرية لفصائل المقاومة... في عام 2014؛ شن الكيان الصهيوني على قطاع غزة حربًا شاملة باسم الرصاص المصبوب، وقد جاءت تلك الحرب العدوانية في ظل أوضاع سياسية واقتصادية إقليمية بعيدة حتى على مجرد التضامن العربي الرمزي تمامًا، كما يتكرر الآن، حيث اقتصر الموقف العربي الرسمي على بيان شجب صادر من جامعة الدول العربية ومن بعض الأقطار العربية، دون اتخاذ موقف جاد وفاعل على الأقل من قبل الأنظمة العربية التي تقوم بإجراءات التطبيع معه على قدم وساق.

في هذه الحرب التي أطلق عليها معركة سيف القدس؛ أثبتت المقاومة الفلسطينية قدرتها الفائقة على إدارة الصراع من خلال الوحدة الميدانية؛ عبر غرفة عمليات مشتركة وبالتفاف شعبي واسع غير مسبوق ومن موقف سياسي للسلطة الفلسطينية لوقف العدوان، وهو ما يميز هذه الحالة السياسية والأمنية الفلسطينية تجاه العدوان عن غيرها من الحالات التي رافقت الحروب العدوانية الماضية: وحدة ميدانية لمواجهة العدوان والتفاف شعبي واسع حول المقاومة وموقف سياسي للسلطة في مواجهة العدوان، وذلك رغم حالة الانقسام السياسي واستمرار تعثر الجهود التي تبذل للمصالحة وضمن هذه الحالة السياسية الداخلية الفريدة؛ سجلت المقاومة انتصارًا تكتيكيًا في مواجهة آلة الحرب العسكرية العدوانية، حيث وصلت صواريخ المقاومة إلى تل أبيب والقدس وعسقلان واسدود ومشارف بئر السبع، إضافة إلى كل مستوطنات ما يسمى بغلاف غزة واجبار سكانها على الهروب إلى الملاجئ طلبًا للنجاة من هذه الصواريخ التي عجزت القبة الحديدية عن اعتراض الكثير منها، وهو تطور نوعي في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وما على النظام العربي الرسمي إلا أن يدرك هذه الحقيقة الجديدة؛ فيقوم بالمراجعة النقدية لخطابه السياسي القائم منذ عدوان وهزيمة يوينو67 على استجداء الحلول السلمية ويعيد الاعتبار لمشروع المقاومة، فقد حان الوقت في ظل انسداد آفق التسوية؛ بسبب تعنت الكيان الصهيوني ويمينية الشارع الإسرائيلي وتطرفه وانحياز الموقف الامريكي، حان الوقت لتحرير الإرادة العربية من أسر طوق تيار الواقعية السياسية الذي توهمنا بعقلانيته لأننا في حقيقة الأمر نقف في مواجهة كيان عدواني استيطاني غادر أقيم على أنقاض الشعب الفلسطيني؛ بمساعدة الغرب الاستعماري الإمبريالي؛ كيان سياسي غاصب لا يقيم وزنًا للاتفاقيات وتفاهمات التهدئة ولا يلتزم إلا بما يخدم مصالحه ومخططاته التوسعية وأهدافه الأمنية؛ منتهجًا بذلك سياسة عدوانية تعبر عن ذاتها بين الحين والآخر بشن حروب عدوانية متتابعة في المنطقة؛ مستغلًا بذلك انحياز الإدارة الأمريكية وتخاذل الدول الغربية وتردي الوضع الإقليمي العربي وعدم بروز موقف دولي مؤثر وضاغط، وعليه فإن أولى المهمات التي تفرضها هذه الحقيقة هو إعادة النظر إلى هذا الكيان ووضع استراتيجية جديدة لمواجهته بعيدًا عن مشاريع التسوية. بعد وقف إطلاق النار والوصول إلى اتفاق للتهدئة من جديد بجهد أمني مصري كالعادة.. هناك أسئلة تطرح نفسها بقوة وبعدة وجوه توحي بأهمية النتائج التي تمخضت عن العدوان الغاشم: ما هي ملامح المرحلة القادمة بعد هذا العدوان التي سجلت به المقاومة قدرتها على المواجهة؟ هل تنهار التهدئة مرة أخرى ويشن الكيان عدوانًا آخر أطول مدة وذلك استجابة لقوى اليمين المتطرف وغلاة المستوطنين، بحيث يصل هذا العدوان الذي يمكن افتراضه إلى حرب شاملة؟ أم تحافظ حكومة الكيان الصهيوني الجديدة برئاسة نفتالي - لبيد على التهدئة مع العمل على اجراءات تخفيف الحصار لإطالة حالة الانقسام وتعميقه ليصل إلى حالة الانفصال الكامل بين الضفة وغزة؟ هل يعي الكيان الصهيوني أهمية السلام وضرورة التسوية وأن الحل الأمني للمسألة الفلسطينية الذي يقوم على التوسع مدعومًا بالتفوق العسكري لا يجدي في مواجهة إرادة المقاومة؟ هل مباحثات المصالحة الفلسطينية في القاهرة بعد فشل العدوان التي تم تأجيلها ستتوصل إلى اتفاق من شأنه إنهاء الانقسام السياسي هذه المرة لتحقيق الوحدة الوطنية التي تحققت أهم مظاهرها أثناء العدوان كالاتصالات التي قامت بها السلطة الوطنية مع الأمم المتحدة ومع العديد من الدول التي لها وزن في السياسة الدولية لوقف العدوان وتوفير حماية دولية لمواطني قطاع غزة الأعزل؟