Menu

النكبة والطور الجديد لاستئناف معركة تحرير فلسطين

حسن الصعيب

نشر في العدد 26 من مجلة الهدف الرقمية

عضو الكتابة الوطنية للنهج الديمقراطي/ المغرب

"كان تاريخ 1947-1948، مجرد ولادة النكبة، وأن تكونها في الرحم يرجع إلى المؤتمر الصهيوني الأول المنعقد في بازل، في سويسرا: في سنة 1897- الأب البيولوجي للنكبة"

المؤرخ الفلسطيني وليد الخالدي

النكبة وسياقها التاريخي

لم تكن نكبة 1948 التي حلت بالشعب الفلسطيني، بعد هزيمة خمسة جيوش عربية، وقيام دولة الاستيطان الإسرائيلي، سوى تظافر ثلاثة تواريخ: عقد المؤتمر الصهيوني الأول سنة 1897 الذي مهد لإقامة «وطن قومي لليهود" واستنبات المنظمات الصهيونية في مختلف البلدان الغربية والعربية لنشر الدعاية الأيديولوجية والسياسية لهذا المشروع؛ وعد بلفور المشؤوم في 2 نوفمبر الذي كرس مشروع "إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين"؛ ثم إحالة بريطانيا قضية فلسطين على الأمم المتحدة يوم 29 نوفمبر 1947، حيث أوصت بتقسيم فلسطين إلى دولتين، عربية ويهودية وبتدويل مدينة القدس ، وكانت مجزرة دير ياسين في نيسان 1948 من أولى الحملة التطهيرية التي استتبعتها مجازر أخرى بهدف استئصال الوجود الفلسطيني.

هذا التحول الكبير الذي أدى إلى اغتصاب أرض فلسطين وتشريد شعبها، هو ذو محتوى طبقي وسياسي؛ تمتد أصوله إلى نشأة برجوازية يهودية في نهاية القرن التاسع عشر، تعتبر إحدى شرائح البرجوازيات الأوروبية التي اندمجت منذ بدء تشكل الإمبريالية كمرحلة متقدمة للرأسمالية، وانفردت بموقع خاص في المشروع الامبريالي من أجل خلق قاعدة استعمارية أمامية في منطقة الزوابع: الشرق الأوسط. وتكمن مصلحة هذه البرجوازية اليهودية في تحسين وضعها الاقتصادي والسياسي ضمن الشبكة العالمية للإمبريالية، وخلق كيان مصطنع يكون مركز جذب وسيطرة في منطقة الشرق الأوسط. على هذه الأرضية المشتركة بين مصالح البرجوازية اليهودية والإمبريالية العالمية الممثلة آنذاك في بريطانيا وفرنسا وألمانيا، تم تسويق مشروع إقامة "الدولة القومية اليهودية في فلسطين"؛ من خلال نسج خليط من الأفكار والمعتقدات، من أجل إقناع جماهير اليهود في العالم، في سياق سياسي يدعو إلى حل "المسألة اليهودية" أو ما سمي "بالوعي الشقي" وتنظيم هجرة علنية وسرية لليهود من كل بقاع العالم لإحلالهم محل الشعب الفلسطيني.

منذ هذا التاريخ تم فصل الشعب الفلسطيني عن أرضه، وطرد أهالي 531 مدينة وقرية من ديارهم عام 1948، وسيطر الكيان الصهيوني على 77،4% من مساحة فلسطين، بينما خصص لها مشروع التقسيم لسنة 1947، 56,4 من هذه المساحة فقط، وقد أدت نكبة 1948 إلى إجلاء ما يزيد عن تسعمائة ألف فلسطيني؛ شردوا داخل فلسطين والبلاد العربية، حيث توزعوا على مخيمات اللاجئين في ثلاثة بلاد عربية هي لبنان وسوريا و الأردن وفي قطاع غزة الذي وضع تحت الإدارة المصرية والضفة الغربية التي ألحقت بالأردن.

معركة المقدسيين اليوم

ورغم مرحلة النزوح والتشرد الطويلة؛ فقد قاوم الشعب الفلسطيني جميع المؤامرات التي تستهدف الانسلاخ عن هويته الفلسطينية القومية، وقاد معارك بطولية، على شكل عمليات فدائية وانتفاضات شعبية قدم خلالها كوكبة من الشهداء والمعتقلين، وثقافية لتثبيت الهوية، لكنه اليوم يواصل الشعب الفلسطيني داخل أراضي 1948، وفي الشتات ومخيمات اللاجئين وفي غزة معركة؛ نصرة لمدينة القدس، حيث أبان المقدسيون عن نضال مستميت، ضد الاجتثاث والاستيطان والتشريد من ديارهم، والحرمان من ممتلكاتهم وأموالهم؛ إذ يسعى الكيان الصهيوني إلى إحداث الفارق الكبير بين المستوطنين الصهاينة والسكان الفلسطينيين؛ فحسب إحصاء 2018، فقد بلغ عدد المستوطنين الصهاينة 569 ألف و900 نسمة، أي ما نسبة 62% بينما بلغ عدد السكان الأصليين الفلسطينيين 349 ألف و500 نسمة؛ إذ يشكلون ما نسبته 38%. وفي الوقت نفسه؛ فرض الكيان الصهيوني على المقدسيين السكن في بنايات سكنية عشوائية، حيث يعيش فيها أكثر من 50% من حملة "الهوية الزرقاء".

نخلص إلى القول، بأن دولة الكيان الصهيوني؛ تسعى كما سعت منذ 73 سنة إلى فرض سياسة الاستيطان والتشريد من الديار، لإقامة معادلة ديمغرافية، يصبح بموجبها عدد المستوطنين الصهاينة؛ أكبر بكثير من عدد الفلسطينيين.

مهام حركة التحرر العربية والمغاربية

إن معركة تحرير فلسطين، باعتبارها من أقدم قضايا الاستعمار في التاريخ المعاصر؛ ليست بالمعركة الهيّنة، بل هي معركة مركبة؛ ترتبط بتشابك جدلي بين الوطني والقومي والعالمي، كما وصفها الحكيم الراحل جورج حبش ، ولو أن الداخل هو المحدد الأساسي في هذه الجدلية الثلاثية، إلا أن عدم أخذ بعين الاعتبار المكون القومي ثم المكون العالمي، قد يضعف المعركة في الداخل، أي حل التناقض الرئيسي بين مشروع التحرير الفلسطيني بكافة طبقاته الوطنية والشعبية وبين المشروع الصهيوني، باعتباره قاعدة أمامية للإمبريالية في منطقة الشرق الأوسط. في سياق هذا؛ فقد اندلعت السيرورات الثورية في منطقتنا، وكادت تشكل في حالة تحقيق أهدافها في التحرر الوطني والبناء الديمقراطي في أفق البناء الاشتراكي؛ دعامة قوية لإسناد نضال الشعب الفلسطيني في إقامة دولته الوطنية الديمقراطية على كامل ترابه، وعاصمتها القدس.

لقد ساعد الانقلاب الرجعي على السيرورات الثورية؛ ليس فقط على العودة إلى المراحل الأولى في النضال، ومحاولة استجماع الأنفاس وإعادة قراءة الوضع العام على ضوء هذا الإخفاق المؤقت، بل كرس أجندة سياسية جديدة، لم تعهد بها المنطقة من قبل، وكانت عناوينها الرئيسية هي فرض "صفقة القرن" وما يرتبط بها من تداعيات على الصعيد العربي والدولي، والتي بموجبها؛ جعلت من القدس عاصمة إسرائيل الأبدية، ودعمت مشروع الاستيطان الجديد في القدس، وأملت على بعض البلدان العربية إقامة علاقات دبلوماسية واقتصادية وسياسية مع الكيان الصهيوني، ومن ضمنها المغرب، وقد خلق هذا الوضع الجديد ارتباكًا واضحًا في المزاج الشعبي لغياب جاهزية حركات التحرر أمام هذا الوضع الجديد، والذي امتد أيضًا إلى بعض القوى المدنية والسياسية.

وإذا كانت تونس قد تمكنت قواه القومية واليسارية الديمقراطية من تجريم التطبيع وتم تضمينه في الدستور الجديد، فإن باقي البلدان المغاربية والعربية تواجه في الحياة اليومية الآثار السلبية للتطبيع مع الكيان الصهيوني، إما بشكل علني أو سري، وبسبب الوشائج القوية التي تربط الشعب المغربي بالشعب الفلسطيني؛ إذ يعتبر قضية فلسطين قضية وطنية، فقد تمكنت قواه الحية والديمقراطية من تأسيس "الجبهة المغربية لدعم الشعب الفلسطيني وضد التطبيع" واشتغلت على برنامج سياسي طموح يهدف إلى دعم نضال الشعب الفلسطيني وفضح تطبيع النظام المغربي مع الكيان الصهيوني، وكذلك المثقفين أو الصحافيين المُطبعين، ومقاطعة البضائع الإسرائيلية، وتنظيم الوقفات الاحتجاجية في كل ربوع المغرب، وعقد الندوات لتوضيح وشرح وفضح المخطط الصهيوني في بلادنا.

إن التعقيدات الحالية؛ تفرض خطة موحدة على مستوى العالم العربي والمغاربي؛ تستجيب للتحولات الراهنة باستعادة ثقة الجماهير وإبداع وتجديد أدوات التواصل مع شعوبنا وخوض الصراعات الطبقية المحلية على أرضيات ملموسة تكون الحافز للتحرر الاجتماعي في أفق البناء الاشتراكي.

غير أن كل ذلك لا يفي بترجمة رزمة من المهام الكبيرة، وفي مقدمتها مناهضة الإمبريالية الفرنسية المسيطرة عبر شركاتها ووكالة التنمية التي عوضت وزارة الاستعمار الفرنسية السابقة، وبنفس الحزم مناهضة الإمبريالية الأمريكية التي عقد معها النظام صفقة سياسية، مقابل التطبيع مع الكيان الصهيوني.

ولا شك أن المبادرات السياسية الجارية بين عدد من الأحزاب التقدمية واليسارية في منطقتنا المغاربية والعربية، مثل مبادرة "المنبر العمالي العربي أو وحدة الأحزاب اليسارية" تستحق التشجيع، لأنها قد تشكل البذرة الأولى لوحدة حركة تحرر عربية ومغاربية؛ تنهض على أساس برنامج سياسي يربط بين التحرر الوطني والبناء الديمقراطي، ومناهضة الإمبريالية والصهيونية.

إن المعركة الثقافية تدخل في صلب المهام الملقاة على عاتق هذه القوى، ذلك أن النضال ضد الميولات الرجعية التي ترسم الصراع مع الكيان الصهيوني، بأنه صراع تاريخي بين المسلمين واليهود، وليس صراع بين مشروع صهيوني يوظف الدين اليهودي لإقامة "كيان قومي لليهود" وبين مشروع تحرير فلسطين لإنهاء السيطرة الصهيونية والإمبريالية في منطقة "الشرق الأوسط"، وذلك عن طريق إقامة الدولة الوطنية الديمقراطية العلمانية فوق كامل التراب الفلسطيني، بأنه مشروع يعانق الإنسانية في شموليتها ضد كل أشكال الاغتصاب والنهب والاستلاب والأبارتيد والتشريد.