Menu

ما بضيع شعب وراه مقاومة

هنادي لوباني  

تأتي الذكرى الثالثة والسبعين للنكبة الفلسطينية والشعب الفلسطيني يسطر ملحمته بهبات القدس الأبية، وصواريخ وثبات غزة المقاومة، وبطولات الداخل الفلسطيني، ومواجهات الضفة المنتفضة، والدور الفعال للشتات في إعادة القضية الفلسطينية إلى صدارة المشهد السياسي العربي والإسلامي والعالمي وزخمهم الإعلامي. في منتصف نيسان ٢٠٢١؛ تفجرت هبة باب العامود ضد الحواجز الحديدية في ساحته، والتي تمكن من خلالها الفلسطينيون من استعادة حيزهم الاجتماعي والنضالي، وما أن هدأت هبة باب العامود حتى تفجرت هبة المسجد الأقصى ضد اقتحامه من المستوطنين والجنود والاعتداء على المصلين بالضرب. تزامنت هذه الهبات مع الصمود الأسطوري لأهالي الشيخ جراح في وجه قرار المحكمة العليا الإسرائيلية لتنفيذ طرد أربع عائلات فلسطينية من الحي ونقل ملكية بيوتهم لصالح شركة «نحلات شمعون» الاستيطانية، وهي جمعية استيطانية تعمل لصالح ٤٠ عائلة يهودية مهاجرة من جورجيا وتدعي ملكية أرض "كرم الجاعوني". تفاعل فلسطينيو الداخل بشكل واسع مع هبات القدس لتتحول المظاهرات، بعد استشهاد موسى حسونة في مدينة اللد على يد مستوطن يهودي، إلى انتفاضة شاملة في جل مدن الداخل، ولا سيما في ما يسمى "المدن المختلطة"، في عكا ويافا وحيفا واللد؛ تصدرت فصائل المقاومة في غزة الدفاع عن القدس بإطلاقها عملية «سيف القدس» التي أظهرت تطور نوعي في قدرات فصائل المقاومة ووضعت الكيان الصهيوني من "تل أبيب" إلى "رامون" في مرمى أكثر من ٣٠٠٠ صاروخ، أي قرابة ٥٠٠ صاروخ في اليوم الواحد، وما أن بدأ جيش الاحتلال عدوانه العسكري على قطاع غزة حتى خرجت مظاهرات محدودة في الضفة الغربية؛ سرعان ما تصاعدت وتيرتها وانتشرت بكثافة لتشمل مختلف أرجاء مدن الضفة ومخيماتها، في الخليل ورام الله والبيرة وبيت لحم وسلفيت وقلقيلية وجنين وطولكرم وأريحا ونابلس. 
وفي يوم استثنائي من ١٨ أيار؛ كلل إضراب الكرامة توحيد الصف الجماهيري الفلسطيني، وذلك باستجابة مدن الداخل والضفة والقدس ومخيمات العودة في لينان وسوريا والأردن لإضراب شامل؛ شل كافة مناحي الحياة التجارية والتعليمية، بما فيها المؤسسات الخاصة والعامة، كما المشاركة الواسعة في المظاهرات الجماهيرية والفعاليات الوطنية في أغلب مدن فلسطين والاشتباك مع الجنود في مناطق التماس في الضفة والقدس؛ ارتقى على إثرها ثلاثة شهداء على مدخل البيرة الشمالي وحاجز "بيت ايل". خرجت مسيرات حاشدة في مخيمات لبنان والأردن وسوريا، وعمت مظاهرات التضامن المدن العربية والعالمية نصرة للشعب الفلسطيني، وفي حين واصل الجيش الإسرائيلي عدوانه لليوم التاسع على التوالي بأكثر من ٥٠ غارة على المنازل والعمارات السكنية للمواطنين في مناطق شرق وشمال وساحل مدينة غزة بعدد من القذائف الصاروخية؛ جددت فصائل المقاومة قصف عسقلان و"أسدود" ودكت قذائف الهاون والصواريخ مواقع "إيرز" و"علوميم" و"نتيف هعتسرا" و"أشكول" و"نير عام" و"سديروت"، بالإضافة إلى موقع "نحال عوز" و"فجة" العسكري.
لذكرى النكبة هذا العام مذاق خاص؛ اليوم يتنقل الحنين من حيز زمان فلسطين الفردوسي المفتقد إلى حيز الاشتباك في الحاضر وضمنه، وتنفلت الحكايات والذكريات من تعداد نكباتنا ومآسينا لتمضي بنا قدماً إلى كل ساحات فلسطين تأكيداً على عودتنا وحقنا في كل ترابها. ما يميز الذكرى الثالثة والسبعين للنكبة الفلسطينية هو تجدد رؤية الماضي على ضوء انتصارات الحاضر الملموس، وامكانات مستقبل مشرق على بعد يوم من الآن. في ذكرى النكبة هذا العام، لم نهرب إلى الماضي من سوداوية الحاضر، بل عدنا إلى مربع الصراع الأول لنكتب فصلاً جديداً مشرفاً عنوانه وحدة الشعب الفلسطيني في كل أماكن وجوده وتواجده، وبكل مكوناته، ومن خلال توحيد آماله الثورية وخياره النضالي بالمقاومة المسلحة والانتفاضة الشعبية. في ذكرى النكبة هذا العام، نحن في الساحات كشعب واحد، تحت علم فلسطين الواحد، فداء قضيتنا الواحدة. في ذكرى النكبة هذا العام، بددنا الحلم والمشروع الصهيوني بـ "أرض بلا شعب"، والذي سعى جاهداً وبشكل ممنهج لأن يزهق الحقيقة في أننا شعب واحد، وأن يمزق الحق في لحمة الشعب والأرض من خلال عمليات التطهير العرقي التي ما زال يرتكبها الكيان الصهيوني ضد الشتات الفلسطيني بنفيه خارج أرضه ورفض حقه المشروع بالعودة، وتقطيع أوصال فلسطين وتشتيت شعبنا داخلها في حبوس جغرافية معزولة عن بعضها البعض (حبوس أوسلو في الضفة الغربية، وحبس المواطنة في الداخل الفلسطيني، وحبس غزة، وحبوس "القدس الكبرى")، وضمن جماعات متفرقة ومتناحرة، وبلا إرادة سياسية وسبل نضالية موحدة في وجه نكبة مستمرة لاستعمار استيطاني احلالي دينه وديدنه إلغاء الشعب الفلسطيني من الوجود؛ فالنكبة تحدث كل يوم في فلسطين وفي مخيمات الشتات، هي ليست حدثاً ماضٍ يجري تذكره، وإنما تاريخ يضج بكوارثه المتنقلة وكان يهدد باجتياحنا إلى تخوم التمزيق والضياع؛ من التهجير الكبير في ١٩٤٨ إلى المجازر وسرقة الممتلكات وهدم المدن والقرى؛ الحكم العسكري والاحتلال وروابط القرى والحروب والاجتياحات والحصار؛ الاستيطان والمستعمرات وجدار الفصل وكاميرات المراقبة؛ مصادرة الأراضي وسرقة الماء واقتلاع الأشجار؛ الملاحقات والاعتقالات والتصفيات وهدم البيوت واحتجاز جثمانين الشهداء؛ الطمس والمحو وتهويد وأسرلة القدس والداخل الفلسطيني؛ تهميش الشتات والتهجير من المخيمات وتدميرهم، وخطط الترانسفير في غزة والضفة والقدس والداخل الفلسطيني، وصولاً إلى المفاوضات والاتفاقيات، وتشظي الحالة الوطنية والانقسام السياسي، وسيادة ثقافة الهزيمة وقلب القيم وإفساد الذاكرة، وتخلي القيادة عن مشروع التحرر الوطني لصالح أوسلو وبناء السلطة ومؤسساتها القائمة على منظومة التنسيق الأمني؛ ظن الكيان الصهيوني أنه أسقط الرواية الفلسطينية من ذاكرة التاريخ ووجدان الشعوب، وأطفأ جذوة الصراع، وحصن وجوده في قلب العالم العربي والإسلامي بالتطبيع، وضمن تفوقه الاستراتيجي من خلال إنتاج "الفلسطيني الجديد، بتوصيف خطاب كيث دايتون؛ الفلسطيني المحاصر في غزة وكنتونات الضفة وغيتوهات القدس والداخل ومخيمات البؤس في الشتات؛ المسلوب الإرادة والوعي؛ المحايد حد المبالغة؛ المنهمك في شؤون حياته الذاتية ومصالحه الخاصة ولقمة عيشه؛ المستند إلى هويات فرعية أو مرجعيات مختلفة ومتضارب في خياراته ومطالبه ومقاصده بين التطبيع أو التعايش أو حل الدولتين؛ الموظف أو العامل المطواع للمنظومة الأمنية والاستقرار في ظل الاستعمار، أو رجل الأمن البارع في تفريق المظاهرات وقمع الناس والحريات.
وإن المستعمِر يخط صفحات رواية التاريخ ويسودها بسرديته الرسمية وفائض قوته ووهم سيطرته ومزاعم انتصاراته؛ هاضماً حقوق الشعب ومصادراً الأرض والتاريخ، فعلياً ومجازياً، فإن الشعوب ليست مجرد وسيلة لتحقيق غائية تاريخية تسلبهم إرادتهم وفعاليتهم وحريتهم، بل قادرون على مكر التاريخ في التاريخ، ورفض هيمنة المستعمِر، والوقوف في وجهه، والرد عليه، واسترداد ما فقد وطمس من خلال ممارسات المقاومة. 
في رواية التاريخ إذن؛ هناك دائماً صفحات بيضاء تخطها الشعوب بسرود أزمنة وحقب جديدة، في تأريخ وتزمين لشبكة منظورات متقاطعة بين انتظار المستقبل وتلقي الماضي وتجربة الحاضر، وتجاوز للشروط الموضوعية والذاتية، وتسخير للإمكانيات، وتوظيف الممكنات بالإرادة والوعي والذاكرة وفعل المقاومة من أجل كتابة وصناعة تاريخهم بنفسهم. وفي الثاني من أيار؛ دوى الرصاص من سائق مركبة على حاجز زعترة مُصيباً الجنود الإسرائيليين؛ فاختلطت صيحته بـ «الله أكبر» مع صيحات الرهبان وآلاف المسيحيين الفلسطينيين في أزقة البلدة القديمة بعد أن اعتدى عليهم الجنود بالإهانات والضرب والاعتقال ونصب الحواجز وإغلاق المداخل لمنعهم من المشاركة في سبت النور بكنيسة القيامة. 
يصادف ٢ أيار في الذاكرة الفلسطينية؛ قيام جيش الكيان بأول عـرض عسكري في القدس المحتلة في عام ١٩٨٦. في 3 أيار؛ ارتفعت الهتافات في حي الشيخ جراح في مظاهرة حاشدة دعماً للعائلات الفلسطينية المهددة بالطرد؛ فتدفق الشباب والشابات غير مكترثين بالرائحة الكريهة من المياه العادمة التي يرشها الجيش على طرقات الحي، ولا بترديد المستوطنين لشعاراتهم المعادية للعرب وقيامهم بأعمال العربدة والاستفزاز، ومستذكرين نفس اليوم من العام ٢٠٠١، حين عقدت الحكومة الإسرائيلية الأمنية المصغرة اجتماعاً في مستوطنة "عوفرا" المقامة على الأراضي المصادرة من رام الله والبيرة لتعلن تمسكها بالاستيطان كسياسة إسرائيلية ثابتة، فيما صرح أرئيل شارون بعد الاجتماع إن «وادي الأردن سيبقى تحت السيطرة الإسرائيلية إلى الأبد». وفي حين تعرضت عائلات الشيخ جراح لمهاجمة كلاب المستوطنين، وسكب الحليب الفاسد، وإلقاء قمامة المراحيض على مداخل بيوتهم؛ عاش أهل البلدة القديمة ليلة مرعبة؛ بسبب المواجهات التي اندلعت مع المرابطين والمصلين على إثر اقتحام الجنود لساحة وداخل المسجد الأقصى، وتحول فيها المسجد على مدار ثلاث ساعات إلى ساحة حرب هدف من خلالها الكيان إلى تفريغ الأقصى، وإفساح المجال للمستوطنين لاقتحامه بمناسبة ما يسمى يوم "توحيد القدس" الذي يحييه الكيان في ذكرى احتلال شرقي القدس بمسيرة "رقصة الأعلام" واليا كان من المفترض أن يشارك فيها ٣٠ ألف مستوطن، في مخطط لفرض حق الصلاة العلنية الجماعية لليهود فيه. لقد امتدت المواجهات في الأقصى إلى باب العامود والشيخ جراح، واستمرت حتى العاشر من أيار حين اختلط دوي الصواريخ التي أطلقتها فصائل المقاومة في غزة مع صوت رشقات الرصاص في اللد؛ رداً على إطلاق المستوطنين النار على المتظاهرين. وما أن شن جيش الكيان عملية قصف عنيفة على قطاع غزة حتى انطلقت التظاهرات في الناصرة، وشفا عمرو، ويافا، وأم الفحم، وعين ماهل، وطمرة، وباقة الغربية، ومجد الكروم، وعرابة، وشقيب السلام، والبعنة، والزرازير، واللد، والرملة، وكفركنا، وجلجولية، وكفرمندا، وجديدة - المكر، وكفرقرع، فيما شهدت الضفة الغربية مسيرات حاشدة ومواجهات عنيفة في عدة محاور نصرة للقدس والشيخ جراح واحتجاجاً على العدوان والمجازر التي يرتكبها جيش الكيان في قطاع غزة، وتنديداً باستفزازات المستوطنين وقمع الشرطة لمدن الداخل. وهلل الجليل الأعلى مستقبلاً رشقات صواريخ الغراند التي أطلقتها الفصائل الفلسطينية من جنوب لبنان؛ دون تبني، في تهديد ووعيد للكيان، ووعد أن مخيمات العودة على العهد باقيين. وقاد الشباب الفلسطيني في فلسطين ومدن الشتات، من استراليا إلى كندا وما بينهما؛ حرب إلكترونية طاحنة على وسائل الإعلام البديلة وشبكات التواصل الاجتماعية حولت الفضاء الافتراضي إلى ساحة حرب مع الهاسبرا التابعة لوزارة الشؤون الاستراتيجية الصهيونية والذباب الالكتروني التابع لأنظمة التطبيع: خاضوا مناورات وحيل ذكية لخداع «خوارزميات الاضطهاد الممنهج في التكنولوجيا الرقمية»، بحسب توصيف صفية نوبل، وسياسات تنقية المحتوى، وحذف المحتويات، وتقليل التطبيق من إمكانية إعادة إرسال الرسائل بين المستخدمين، وحظر وإيقاف الحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي من خلال تشفير النصوص وتمويه الكلمات؛ وقصفوا المنصات والمواقع المناهضة للفلسطينيين بالتعليقات أو إلغاء المتابعة أو خفض تقييم المستهلكين (انخفض تصنيف  الفيسبوك من ٤ إلى ٢.٦ نجمة)؛ وفعّلوا وسوم الهاشتاغ والصور ومقاطع الفيديو والرسائل المعلوماتية لتوثيق وفضح أعمال الجيش الإجرامية؛ تهاوت على إثرها خطوط الخطاب الإسرائيلي الدعائي؛ وانتصروا، من منصات عالم الإنترنت إلى عالم الموضة والفن وملاعب كرة القدم، في صناعة رأي عام متضامن مع السردية الفلسطينية؛ شعباً وقضية ومقاومة.
خرجت المقاومة الفلسطينية في غزة؛ منتصرة ومرفوعة الرأس، ورغم الجرح النازف، ورائحة الموت المنبعثة من كل بقعة وكل مكان، وشلالات الدم، وإبادة عائلات بأكملها، وسقوط أكثر من ٢٠٠ شهيد، وتدمير البنية التحتية وما خلفه العدوان من دمار وخراب هائل طال البشر والشجر والحجر؛ انتصرت المقاومة في غزة وسطرت ملحمة بطولية؛ نادرة في سجل وتاريخ الشعب الفلسطيني النضالي، ونقطة تحول مهمة في قواعد الاشتباك قوامها الرعب ومعادلة الحد الأقصى والسقف العالي، ورسمت بالحديد والدم استراتيجية جديدة لإدارة الصراع في المنطقة. انتصرت المقاومة في غزة، وبرهنت أنها قوة مقتدرة في وجه جيش الكيان، وقادرة على التأثير على تطورات المنطقة بكاملها. انتصرت المقاومة وقصفت القدس في يوم "عيدها الإسرائيلي" وأدخلت أعضاء الكنيست الملاجئ، وأطلقت صلياتها على "تل أبيب"، وشلت مطار "بن غوريون"، و"غوش دان" منشأة خط أنبوب نفط "إيلات" ـ عسقلان، وبهذا عرت فشل المنظومة الأمنية والاستخباراتية الإسرائيلية التي أخفقت في التنبؤ بتقدير قوة المقاومة الفعلية في ظل تحذيرات من إطالة أمد العملية، لأنها دخلت مرحلة «التوحُّل»، الأمر الذي قد ينقلب على "إسرائيل" سلباً، بحسب ما رأى المحلل العسكري في صحيفة "هآرتس"، عاموس هرئيل. انتصرت المقاومة في غزة كمدافع بطولي عن القدس وأهلها، وبهذا عرت سلطة التنسيق الأمني وأنظمة الذل والخيانة العربية؛ فالقدس لا يليق بها أجل غير مسمى وحل متفق عليه، ولا هي ورقة انتخابية، وليست للبيع، ولا سبية طاولات قمار المفاوضات وخيانات التطبيع: القدس هي قلب فلسطين النابض، وجوهرة القضية الفلسطينية، وبؤرة الاشتباك، وكينونة المشروع الوطني التحرري ورافعته الثورية، ومبتدأ النكبة الفلسطينية ومنتهى العودة. نعم، انتصرت المقاومة في غزة بفضل صمود أهلنا الأسطوري فيها، والإسناد الشعبي الملحمي في القدس والضفة والداخل الفلسطيني والشتات، ووقوفنا كشعب واحد في استفتاء شعبي عنوانه خيار المقاومة، والتحامنا الاستراتيجي فيها، والتفافنا في كل ساحتنا وبكل مكوناتنا حولها. انتصرت المقاومة في غزة وانتصر معها وبها الشعب الفلسطيني؛ صوبنا البوصلة التي حاولت سلطة التنسيق الأمني حرفها، وأسقطنا كل مخططات الاستراتيجية الصهيونية الماثلة في المحو والتغيب والطمس والتدجين والتهويد والأسرلة، وابتعثنا هويتنا مجدداً بوصفها هوية حيوية مدركة ومتيقظة لطبيعة المشروع الصهيوني الاستعماري الإحلالي، وقادرة على بناء استراتيجية موحدة و«النضال بالحيلة»، بتوصيف جيمس سكوت، في تحويل جغرافيا التقطيع والتقسيم والمعازل إلى جغرافية التنوع في أشكال وأدوات وتكتيكات المواجهة، في الرباط في المساجد والكنائس، والهبات، والحرب الإلكترونية، والاعتصامات، والإضرابات، والمواجهات الشعبية غير المسلحة، والانتفاضات، والمقاومة المنظمة المسلحة. 
أُعلن وقف إطلاق النار من طرف واحد بلا قيد أو شرط، إلا أن الصراع قائم والتحدي أمامنا هو: هل نحن على قدر المسؤولية للمضي قدماً في كل ساحات الاشتباك لتجسيد وحدتنا في المقاومة، وتقديم مثال مشروع وطني ثوري تحرري رفيع المستوى، بمؤسسات وهيكلية فاعلة وفعالة تشمل كافة أفراد شعبنا في القدس والضفة وغزة والداخل والشتات، وتأخذ بالاعتبار خصوصيات المجتمع الفلسطيني وكافة تفاصيله تحت سقف الديمقراطية وسيادة القانون والعدالة والمساومة وكرامة الإنسان؟ هل نحن على قدر المسؤولية لبناء رؤية واضحة، وأجندة معرفية ثقافية تستثمر كفاءات الشعب الفلسطيني وطاقاته النضالية، وتعمق العلاقات المبدئية مع محور المقاومة وشعوب أمتنا العربية وأحرار العالم لمواجهة الصهيونية في كل فلسطين؟ هل نحن على قدر المسؤولية لإسقاط منظومة وثلة الخنوع والانهزامية والرجعية والهوس بالقوة والفساد، وتعميم ثقافة النصر والكفاح والبطولة والتضحية والفداء، والنقد الجذري والبناء، وتقديم رؤية نهضوية حقيقية تمثل مخرج نحو تاريخ آخر، تاريخ، بكلمات محمود درويش، لأرض كانت تسمى فلسطين.. صارت تسمى فلسطين؟