Menu

الشائعات: ذلك السلاح الأكثر فتكاً

محمد عمارة تقي الدين

" كثيراً ما غيّرت الحرب النفسية وجه التاريخ"، هكذا يؤكد الزعيم البريطاني تشرشل من واقع خبرة طويلة تراكمت لديه على الأهمية البالغة للحرب النفسية كواحدة من محددات دفع عجلة التاريخ، ومن دون شك فالشائعة هي واحدة من أقوى أساليب الحرب النفسية، بل هي أهمها على الإطلاق.

تتحدث المرويات التاريخية القديمة، وكما يذكر محمود أبو النيل، عن استخدام نيرون سلاح الشائعة بعد أن أحرق روما، إذ بث شائعة تتهم المسيحيين الذين كانوا يعيشون داخل روما وقتها بأنهم من أشعلوا تلك النيران، وكان نتيجة ذلك أن طارد مؤيدوه المسيحيين وقتلوا عدداً كبيراً منهم.

كما وظّف المغول سلاح الشائعة في حروبهم فكانت البلدان تنهزم لهم حتى قبل أن يدخلوها، لترويجهم الشائعات حول قوتهم الأسطورية وما يرتكبوه من مجازر بحق من لا يخضع لهم.

وفي الحرب العالمية الثانية عمدت ألمانيا إلى تسريب شائعة تقول أن القوات البريطانية تمكنت من تدمير محطة قطار برلين، ومن ثم تناقلتها وسائل الإعلام البريطانية باعتبارها انتصاراً كبيراً، إلا أن السلطات الألمانية دعت صحفيي العالم لمشاهدة المحطة والتي كانت سليمة تماماً وتعمل بطاقتها القصوى فاهتزت الثقة بالإعلام البريطاني عبر تلك الشائعة.

ويُعرِّف مختار إلهامي الشائعة بأنها إما الترويج لخبر مُختلق لا أساس له من الواقع أو تعمد المبالغة في سرد خبر فيه جانب ضئيل من الحقيقة أو إضافة معلومة كاذبة أو مشوهة لخبر معظمه صحيح أو تفسير خبر صحيح والتعليق عليه بأسلوب مغاير للواقع والحقيقة.

في حين رأى (تشارلز اندال) أن الشائعة عبارة عن رواية تناقلتها الأفواه دون أن ترتكز على مصدر موثوق يؤكد صحتها، وذهب (جيمس دريفر) إلى أنها عبارة عن قصة غير متحقق من صدقها.

أما عالم الاجتماع الأمريكي(تي شيبوتاني)، فقد اعتبر "الشائعات أخبارًا ملفقة تتولد من نقاش جماعي، وأن الشائعة تنبثق من رحم الواقع كلما أرادت العامة أن تفهم ولم تلق إجابات رسمية ترضي فضولها، وهذا ما يجعل من الشائعة بمثابة السوق السوداء للمعلومات".

إذن، فالشائعة، وكما يعُرِّفها محمد فتحي يونس في مؤلفه (صناعة الدكتاتور) هي : الترويج لخبر كاذب يتعلق بحدث ما لخدمة أهداف صاحب الدعاية، كالنيل من خصم أو محاربة شائعة أخرى، والجهل وضعف حس النقد وضعف الوعي والغموض الناجم عن صمت المصادر الرسمية كل ذلك يخلق مناخاً خصباً لانتشار الشائعة وسريانها داخل شرايين المجتمع.

والشائعة ليست ساكنة أو ثابتة دائماً فهي وكما يذهب نبيل راغب:" تخضع أثناء نقلها من فرد لآخر للتغيير والتبديل والحذف والإضافة طبقاً لدوافعه المكبوتة وآماله المرجوة، فالدوافع البشرية من حب وكراهية وعدوان وحقد وقلق وتوجس هي التي تدفع الفرد وتغريه بترديد الشائعة ونشرها حتى ينفس من خلالها بما ينوء به صدره، فمثلاً نجد الشخص العدواني يركز على الأخبار السيئة عند نقله للشائعة حتى يرضي نزعات العدوان والتشفي بداخله، فالشائعة تتيح له نوعاً من التفريغ والإسقاط النفسي ".

وهو ذات ما يدفع باتجاهه محمد كمال القاضي في كتابه (الدعاية والحرب النفسية) إذ يؤكد أن الشائعات ترتبط بالحاجات النفسية للإنسان، فالآمال والرغبات المكبوتة داخل الإنسان هي أساس الشائعات الحالمة، والحقد هو الدافع الأساسي لشائعات الافتراء، والرغبات الجنسية هي مصدر شائعات الفضائح والعلاقات غير الشرعية.

ومن ثم يرى إبراهيم إمام أن ناقل الشائعة لا يعبر عن الواقع بقدر ما يعبر عن حالة نفسية أو قلق انفعالي داخلي، فقد توافقت الشائعة مع مشاعره الكامنة، وفي هذا السياق أكدت إحدى الدراسات الأمريكية أن الأسباب الرئيسية لانتشار الشائعات هي أنها تقوم بوظيفة مزدوجة فهي تفسر التوترات الانفعالية التي يستشعرها الأفراد من ناحية وتنفس عن هذه التوترات من ناحية أخرى.

وفيما يتعلق بأنواع الشائعات، فهناك الكثير منها، ولعل أبرزها ما حاول رصده كل من عبد القادر حاتم وحامد زهران ومحمود أبو النيل، ومنها:

الشائعة الحابية أو الزاحفة: وهي التي تنمو بصورة بطيئة فهي مرتبطة بالزمن.

شائعة الأحلام والأماني: وهي تنفس عن بعض حاجات الناس وأحلامهم وتطلعاتهم.

شائعة الخوف: وتنتشر عندما ينتاب الفرد حالة فزع من أمر ما.

شائعة الكراهية: وتهتم موضوعاتها بالفشل والشيطنة والخيانة وعدم الولاء.

شائعة الشبح: وهى شائعات تنتشر بسبب قلق الأفراد وخوفهم من شيء يكونون مهيئين مسبقاً للخوف منه مثل حالات الحروب.

الشائعة العنصرية: والتي غالبا ما تكون ضد الأقليات العرقية أو الإثنية أو الدينية أو المذهبية.

الشائعات الغائصة وهي التي تنتشر بشكل جزئي ثم تغوص تحت السطح ثم تظهر ثانية عندما تتهيأ لها الظروف بالظهور لتـأخذ حظها من الانتشار والذيوع.

ومن أنواع الشائعات ما يُطلق عليه بالون الاختبار(Trial Balloon) أو حبس نبض الرأي العام، فهي وكما تذهب موسوعة السياسة "شائعة تقوم السلطات بإطلاقها عبر وسائل الإعلام عندما تريد تلك السلطة إصدار قرار ما غير أنها تريد معرفة رد فعل الرأي العام نحوه، فإذا ما أحدثت هذه الشائعة رفضاً عاماً، تعمد إلى نفيها أو تكذيبها بشكل أو بآخر, أما إذا جاءت ردود الفعل مؤيدة عمدت إلى تأكيدها وتبنيها ومن ثم تطبيقها في أرض الواقع".

وهناك الشائعة المضادة التي يجري بثها بشكل متعمد للقضاء على شائعة أخرى، ففي الحرب العالمية الثانية، ووفقاً لما أوردته هالة خليل، وحينما بدأت تتسرب شائعات عن إعدام السلطات الألمانية لبعض قادته بتهم الخيانة أو الإخفاق عمدت ألمانيا إلى بث شائعة بأن القائد النازي هيملر نفسه قد قبضت السلطات الألمانية عليه بتهمة الخيانة، ولما جاءت اللحظة المناسبة ظهر هيملر للرأي العام وفي وسائل الإعلام الألمانية، وبالتالي تحطمت كل الشائعات التي كثرت حول هذا الموضوع بفعل تلك الشائعة المضادة.

كذلك هناك الشائعات السوداء وهو ترويج بعض البشر لشائعات سلبية لأسباب تتعلق بنزعات الحقد والكراهية الكامنة داخلهم وهي قريبة جداً من شائعة الكراهية السابق تناولها، والحقيقة أن هذا النوع من الشائعات هو الأكثر تواتراً وانتشاراً، ففي عام 1942م تم تحليل ألف شائعة ولوحظ أنها تتوزع على النحو التالي:66 % منها شائعات العداء، 25%منها شائعات الخوف، 2% منها شائعات التمني،7% منها شائعات من أنواع مختلفة.

وقد توصل عالما النفس "جوردن ألبورت " و"ليو بوستمان" في مؤلفهما الهام "سيكولوجية الشائعة (Psychology of Rumor ) إلى أن الشائعات تجد بيئة مواتية للانتشار بشكل كبير وقت الأزمات وفترات الاضطراب السياسي أو الاجتماعي، وكذلك عندما يكون هناك تعتيم إعلامي أو غموض أو تضليل متعمد من وسائل الإعلام.

كما ذهبا إلى أن سريان الشائعة وانتشارها يخضع لشرطين أساسيين: الأول:أهمية الحادث لمجتمع الشائعة، والثاني هو الغموض الذي يكتنف الحادث.

ومن ثم وضعا المعادلة التالية:

قوة انتشار الشائعة = مدى أهمية موضوع الشائعة × درجة الغموض التي تحيط بالشائعة.

فطبقاً لهذه المعادلة تزداد قوة انتشار الشائعة كلما زادت أهمية موضوعها، وزاد غموضها والعكس صحيح.

وتكتسب الشائعة في كل دورة لها مزيداً من التفاصيل ويجري تهميش أخرى، فخلال سريان الشائعة وتدفقها في شرايين المجتمع تخضع لكثير من عمليات التغيير والتنقيح سواء بالحذف أو الإضافة.

ويؤكد فهمي النجار أنه في كثير من الأحيان يجري استخدام الشائعة كستار من الدخان لإخفاء حقيقة ما، وهذا الأسلوب يعتمد على النظرية القائلة" إن الشائعة يمكن أن تخفي الحقيقة" ، غير أن الأمر المؤكد أن الشائعة دائماً ما تحتوي على شيء من الحقيقة.

ويرتبط رواج الشائعة بطبيعة النظام السياسي القائم، يقول القائد العسكري سعد الدين الشاذلي: "في غياب الديمقراطية فإن الشائعة هي السلاح الوحيد الذي يستطيع بواسطته الشعب أن يُعبِّر عن رأيه "، لذا تعمد كثير من مراكز الأبحاث إلى إجراء تحليل سياسي واجتماعي للشائعات وكيف وأنها تعكس الهموم السياسية للمجتمع ومخاوفه ومكبوتاته وتطلعاته.

ويرى العلماء أنه" لا وجود للسياسة من دون شائعة، فالشائعة سلطة مضادة للسلطة القائمة" ،و الشائعات لا تتكاثر إلا في ظل حجب المعلومات وانعدام الشفافية، لذا فهي ترتبط بطبيعة الأنظمة السياسية فكلما كان النظام ديمقراطيا تشاركياً من شأنه بث المعلومات بحرية وشفافية كلما قلت الشائعة والعكس، فالشائعات تتولد في معظم الأحيان من انعدام الثقة بالروايات الرسمية وبخاصة لدى الأنظمة السياسية غير الديمقراطية.

كما أكدت الدراسات أن الشائعات الكاذبة لا تنتشر إلا في المجتمعات التي لم تبلغ من الوعي درجة كافية بحيث تفكك الشائعة وتبين صدقها من كذبها، ومن ثم نعتقد أن خير أسلوب لمقاومة الشائعة هو تنمية الحس النقدي التحليلي لدى الجماهير من ناحية، وإتاحة المعلومات بشفافية من ناحية أخرى.

وكما يؤكد أحمد نوفل فالشائعة أصبحت علماً من العلوم المنضبطة ذات المناهج والقواعد، ويقوم عليها خبراء في الدعاية والحرب النفسية وعلم النفس ولها هدف محدد كثيراً ما يكون خبيثاً، وربما تقود المجتمعات لحافة المجهول إذا ما تُركت وشأنها، وهو ما أدركه العالم الغربي مبكراً فقد أنشأت بريطانيا عام 1918م قسماً للدعاية ضد العدو برئاسة اللورد نورثكليف كما أمر الرئيس الأمريكي ولسون بإنشاء مكتب للاستعلامات العامة برئاسة جورج سريل، كما تم استحداث خدمة ألو شائعات التليفونية للرد على استفسارات المتصلين حول الشائعات التي تصل إليهم.

وفي الحرب العالمية الثانية أنشأ الأمريكان مركزاً متخصصاً في مجابهة الشائعات تحت مسمى (عيادة الشائعات) وكان شعاره(اذكر الشائعة واضربها بقوة)، إذ يقوم عبر وسائل الإعلام بالرد على الشائعات وتفنيد مواطن كذبها.

وفي العام 1968م عمدت غالبية المدن الأمريكية الكبرى التي كانت عرضة لأخطار الفتن العرقية إلى إنشاء مراكز معلومات متخصصة عرفت بمراكز ضبط الشائعات لتقويض الشائعات التي من شأنها إثارة الفتن العرقية خاصة بين البيض والسود وبين البروتستانت والكاثوليك.

وفي دراسة أميركية حديثة تمت في جامعة كولومبيا، كشفت أن عدداً كبيراً من وسائل الإعلام الإلكترونية تساهم في نشر الشائعات لتحقق أكبر عدد من المشاهدات لمواقعها الإلكترونية، وأكدت الدراسة أن الأخبار الكاذبة تحظى اهتماماً أكبر من الأخبار الصحيحة، لذلك تنتشر الشائعة الكاذبة بشكل أوسع، وأنه من كثرة تكرار الشائعة فإنها تكتسب مصداقية، والحقيقة أن جوبلز وزير إعلام هتلر كان مدركاً لهذه الإستراتيجية جيداً فكان يردد:" اكذب واكذب حتى تصدق نفسك عندئذ سيصدقك الآخرون"، والمشكلة أن انتشار الشائعة أقوى وأسرع من نفيها، لذا يظل أثرها باقياً لفترات طويلة.

وعلى المستوى الديني وبين بعض التيارات الدينية في كل الأديان تتكاثر شائعات من قبيل حدوث معجزات ما تؤشر لاقتراب عصر الخلاص وظهور المُخلِّص أو المهدي المنتظر أو اقتراب أحداث نهاية الزمان، وهي شائعات حالمة، إذ تحلم بالخلاص من الواقع القائم بكل إخفاقاته، لذا فهي ترتبط بأوقات الأزمات والاضطهاد الديني والمعاناة السياسية أو الاجتماعية لدى هؤلاء.

ومن دون شك فالنهج القرآني يدعونا للتثبت من الأنباء قبل ترديدها، قال تعالى: (يأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين)، كما يقول الحديث الشريف:" كفى بالمرء كذباً أن يُحدِّث بكل ما سمع" ، فهو إذن منهج رباني لوأد الشائعة في مهدها ومنع انتشارها عبر التثبت من الحقائق والأخبار قبل نقلها.

وقد عانى المسلمون كثيراً من الشائعات الكاذبة مع بداية الدعوة مثل شائعة حادث الإفك واتهام السيدة عائشة في شرفها، وشائعة وفاة الرسول في إحدى الغزوات لإضعاف عزيمة جيش المسلمين.

وقد وظفها المسلمون حربياً ضد أعدائهم، فها هو القائد العسكري خالد بن الوليد قبل موقعة اليرموك يستخدمها لبث الرعب في قلوب الأعداء ، يقول خالد في واحدة من رسائله لقائد الروم: " نحن قوم نشرب الدماء وأنه بلغنا أنه لا دم أطيب من دم الروم فجئنا لذلك" فقال جنود الروم: "هذا والله ما كنا نسمع به عن العرب".

ومن أشهر الشائعات شائعة لعنة الفراعنة وأن كل من يقوم بفتح إحدى المقابر الفرعونية سيصيبه سحر قاتل، وشائعة مثلث برمودا وأن به من القوى السحرية ما يمكنها إغراق كل من يقترب منه، وشائعات رؤية الأطباق الطائرة والكائنات الفضائية.

وهناك شائعة المخزن رقم 13 التي روج لها جوبلز وزير إعلام هتلر بأن هذا المخزن يحوي كماً كبيراً من الأسلحة المتطورة والفتاكة التي من شأنها القضاء على الأعداء وإبادتهم بشكل نهائي، كما أطلق الحلفاء شائعة تقول أن الألمان يقومون بغلي الجثث في قدور ويصنعون منها الصابون.

كما سرت شائعة منذ سنوات تتحدث عن تسمم مياه النيل، والتي جاءت لصالح شركات المياه المعدنية فقد هرول المصريون لشرائها تجنباً للمياه التي ادعت الشائعة أنها مسممة ثم تبين كذب الشائعة فيما بعد.

وإبان ثورة 25 يناير راجت شائعة بأن الأوامر قد صدرت بإبادة كل من في ميدان التحرير وكان مقصدها أن يهرب كل من في الميدان غير أن ذلك لم يحدث.

بل ويزعم المُلحدون أن الدين ما هو إلا شائعة روجها الرسل وأتباعهم من بعدهم دون دليل.

وفي الانتخابات يعمد أحد المرشحين لبث شائعة موت المرشح المنافس فيمتنع الناخبين عن التصويت لهذا المتوفى لعدم جدوى الأمر.

ويشبّه العلماء الشائعة بالجرثومة التي تأخذ دورة مرضية كاملة من بداية وجود الجرثومة وانبثاقها للحياة مروراً بمرحلة الحضانة ووجود حاضن وحامل لها ثم مرحلة العدوى وناقل للعدوى لتتفشى بشكل كبير ضاربة جنبات المجتمع.

والشائعة تقتل أحياناً، فالوزيران روجيه سالينجرو وروبير بولان انتحرا نتيجة لتعرضهما لحملة شرسة من الشائعات فلم يتحملا الأمر وكان قرارهما بالانتحار.

وقد تخرج الشائعة عن نطاق السيطرة فتنقلب ضد مُطلقيها، فالشائعة سلاح خطر قد يدمر صاحبه، ففي حرب يونيو 1967م بثّ الإعلام العربي شائعات كاذبة عن الانتصارِ في الحرب، لذا وفي حرب عام 1973م لم يصدق كثير من المصريين في بداية الأمر ما تبثه وسائل الإعلام وانتظروا حتى تأكد لم حقيقة الانتصار الكبير.

ويرى البعض أن الشائعة تجد طريقها للانتشار بسبب القابلية للتصديق لدى جمهور الشائعة الذي لم ينضج عقله النقدي ليضعها موضع الشك والتساؤل ومن ثم يقبلها كما هي، والسبب الثاني هو الرغبة في التصديق فقد لاقت هوى دفين لدى الجمهور، والثالث هو التكرار فكثرة تكرارها يضعها موضع المسلّمة غير القابلة للدحض.

يقول المثل الشعبي " مفيش دخان من غير نار" وهو يعبر عن قناعة ضاربة بجذورها في عمق الوجدان الشعبي مما يجعل الشائعة تتفشى بشكل أكبر باعتبار أنها إن لم تكن حقيقية بشكل كامل فإنها حتماً تنطلي على قدر من الحقيقة.

وفي الوقت الراهن تتبدى خطورة حرب الشائعات بسبب تطور آليات نقلها، ففي الماضي كانت تنتقل مشافهة أو عبر الصحف الورقية، أما اليوم فقد أصبحت أكثر سرعة في الانتشار عبر مواقع التواصل الاجتماعي مثل الفيسبوك، وتويتر، وغيرها وأصبح يوجد ما يعرف باسم الميليشيات الإلكترونية والتي وظيفتها نشر تلك الشائعات على وسائل التواصل الاجتماعي بشكل واسع وفي فترة زمنية وجيزة.

ففي عام 2017م كشفت دراسة مصرية أشرفت عليها لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس النواب عن أن هناك 53 ألف شائعة تم إطلاقها داخل مصر خلال 60 يوماً، وتحديداً في شهري سبتمبر وأكتوبر من ذات العام، وكانت النسبة الأكبر منها عبر السوشيال ميديا.

وفي التحليل الأخير، فهناك حقيقة مفادها أن الشائعة لن تنتهي ما دامت البشرية بين شهيق وزفير، وإنما يمكن تقليصها للحد الأدنى ومن ثم إبطال مفعولها عبر إتاحة المعلومات بشفافية وليس مجرد إتباع سياسة إطفاء الحرائق بالتكذيب البياني الرسمي للشائعة، ومن ناحية أخرى يتحتم تقوية الجهاز المناعي للمجتمع عبر رفع منسوب الحس النقدي التحليلي لدى الجماهير لتقذف بالشائعة في بوتقة الشك ومن ثم استخلاص صادقها من كاذبها.