Menu

من «عائد إلى حيفا» إلى عائدون إلى حيفا (1 - 3)

هنادي لوباني  

رواية غسان كنفاني عائد إلى حيفا

بعد عشرين عامًا يصل سعيد (س) وزوجته صفية إلى بيت كان يومًا لهما في حيفا(1). يصعدان الدرج المؤدي إلى بيتهما في الطابق الثاني. يجاهد سعيد (س) ألا ينظر إلى الأشياء الصغيرة: البوابة الحديدية الخضراء، وشبابيك المصاطب ذات الحديد المتصالب، وخربشات أقلام الرصاص على الحائط، وصندوق الكهرباء، وحاجز السلم المقوس، والدرجة الرابعة المكسورة من وسطه، والباب الخشبي المغلق المدهون حديثًا بلاقطته النحاسية، وتغير جرسه والاسم عليه. يقرعان الباب، وتدخلهما ميريام، اليهودية البولونية ومالكته الحالية. بمجرد دخوله، يستكشف سعيد (س) تحول المنزل وتفاصيله: المدخل أصغر قليلًا مما تصوره وأكثر رطوبة، صورة للقدس وسجادة شامية ما تزالان معلقتين حيث كانتا، مقعدين من أصل خمسة مقاعد من الطقم الذي كان له، الطاولة المرصعة بالصدف في محلها، خمسة أعواد من أصل سبعة من ريش الطاووس في مزهرية خشبية بدل مزهريته الزجاجية، ستائر زرقاء بدل الستائر السكرية التي اشتغلتها صفية بالصنارة. في نظرات صفية الحائرة وصمتها، يدرك سعيد (س) أنها أيضًا تجرد محتويات الغرفة، ما تبقى من أشيائهم وأعاد الإسرائيليون استخدامها، وما فُقد أو تم استبداله.

بموجب "قانون أملاك الغائبين"، الذي أقره "الكنيست" في 1950، استولى الإسرائيليون على البيوت التي تركها الفلسطينيون وقت المعارك، وأصبحت بموجب قانون حيازة الأراضي لعام 1953 من أملاك "الدولة" ويحق لها التصرف بها(2). أعطت البيوت بما فيهما من أشياء للمستوطنين الجدد: أثاث وأجهزة ونقود، كتب وألبومات صور وملابس ومجوهرات، وسجاد ومصابيح ولوحات، معدات ثقيلة وشاحنات وقطعان الماشية وحصاد. «أخذوها مفروشة»، كما يختصرها الكوميدي الفلسطيني عامر زهر، ومملوءة بالذكريات. وفي الواقع، كانت معظم هذه الأشياء والممتلكات الشخصية قد فُقدت قبل سن القانون في أعمال نهب وسرقة علنية وجماعية. يشهد "الوصي على أملاك الغائبين" في ذلك الوقت على أنه: «لم تصل الملابس، والأمتعة المنزلية، والمجوهرات والمفروشات ـ بخلاف المراتب ـ أبدًا إلى مستودعات سلطة الحراسة»(3). ويوثق صحفي إسرائيلي في العام 1949 أن جميع شرائح المجتمع الإسرائيلي شاركت في السرقة: «الرغبة في النهب والسرقة استحوذت على الجميع.. اندفع الأفراد، والجماعات والمجتمعات، الرجال والنساء والأطفال، إلى خطف الغنائم. الأبواب، والنوافذ، والعتبات، والطوب، وبلاط الأسقف، والخردة وأجزاء الآلات»(4). وتروي يهودية من سكان غربي القدس ، كانت فتاة مراهقة في تلك الفترة، عن النهب في القطمون دون أي شعور بالخجل: «في ذلك الوقت، كانت عائلتي تعيش في "رحافيا"، [حي يهودي مجاور للقطمون].. لأيام، كان بإمكانك رؤية أشخاص يمشون وهم يحملون الأشياء المنهوبة. كنت أحدق من نافذة شقتنا وأرى عشرات الأشخاص وهم يمرون ومعهم المنهوبات.. ليس الجنود فقط، وإنما المدنيين أيضًا. كانوا ينهبون مثل المجانين. كانوا يحملون حتى طاولات السفرة. وكانوا يفعلون ذلك في وضح النهار، بحيث يمكن للجميع أن يروا.. ذات ليلة أخرجني جندي ورافقني في جولة في الحي العربي المجاور. وأذهلني جمال المنازل. دخلت أحدها ـ كان جميلًا فيه بيانو وسجاد وثريات رائعة.. أراد أحد الجنود أن يُرضيني فجلب لي منديلًا وأقراطًا»(5). حتى الفلسطينيون، الذين بقوا في فلسطين بعد حرب 1948، عادوا إلى قراهم ومدنهم ليجدوا أن بيوتهم قد صودرت وأشياءهم سرقت، ووجدوا أنفسهم مجبرين على استئجارها، أو استئجار بيوت جيرانهم المهجرين من الحكومة. إذًا، قوننة هذه الممتلكات بـ"أملاك الغائبين" جاء بعد ممارسات السرقة الجماعية وبمثابة مصادقة رسمية على ثقافة السرقة الصهيونية. 

يذكرنا الأنثروبولوجي آرجون أبادوراي أن المقتنيات الشيئية العينية التي يمتلكها الأفراد لها حيواتها الاجتماعية والسياسية من لحظة إنتاجها، ثم استخدامها، إلى مرحلة تبادلها أو تداولها أو انتقالها في سياق الفعل الإنساني(6). وبالتالي، اكتسبت الأشياء التي تركها أهالينا خلفهم حيوات جديدة بسبب سرقتها وانتقالها من الاقتصادات الفلسطينية إلى الاقتصادات الإسرائيلية، لم تظل على ما كانت عليه قبل النكبة. في نظر اللاجئين، تجاوزت هذه الأشياء قيمتها ووظيفتها، واكتسبت في وعيهم المنكوب قيمة غالية الثمن وحيوات إضافية، ولكن من خلال اقتصاداتهم التمثيلية فقط وبصورة رمزية: شحنت بقيمة عاطفية كبيرة، وأصبحت أوعية للحنين والذاكرة والرغبة، ومنصة لانطلاق حكاياتهم الشخصية، والتي تقاطعت مع الرواية الفلسطينية الجماعية لتمثيل وإدراك النكبة، وتدفق المضمر وما ترسب وتراكم فيهم بشبكية تداخل فيها قطبا جدلية الماقبل والمابعد، المرئي واللامرئي، الذاتي والموضوعي، الشعور واللاشعور، البوح والصمت، العقلانية والفوضوية، الاغتصاب والهروب، الفقدان والانتماء. وجود وهوية هذه الأشياء في هذا الموقع البرزخي هو ما مكنها دائمًا من أن تتجاوز دلالاتها في ذاتها، أن تكون قابلة لأن تكون شيئًا آخر بالتمثيل، أي بتشخيص الأشياء الغائبة وابتكارها بقوة الذاكرة والخيال كحاضر في صورتها الرمزية، ودائمًا في ارتباط بما يتجاوزها في المخيال، وحدّ ارتقاء القداسة المفقودة والمفتقدة. يقول جان بول سارتر: «إن فعل الخيال.. فعل سحري. فهو دعوة موجهة إلى استظهار الموضوع الذي يفكر فيه المرء، والشيء الذي يرغب فيه، بشكل يمكنه معه امتلاكه»(7). وبفعل تموضعها بين تعيين اللامرئي والإمساك بالمرئي، صارت هذه الأشياء تورث للأجيال التي ولدت في الشتات، تؤتمن لحفيظة ذاكرتهم لا كصور التقطت لأشياء مرئية، بل كصور ذهنية، كتلك العلامات الفارقة في خانة دفتر النفوس التي توثق الجرح الأكبر في هوية صاحب الحفيظة، وتحدد مكانه في الجسد، وتشهد على الجريمة. صرنا نحن الأحفاد نجمع ونؤرشف صور هذه الأشياء في الذاكرة، وكأنها كانت معنا يومًا، وكأنها في لحظة اللقاء ستشهد على حقنا فيها.

انتقلت ملكية هذه الأشياء من الاقتصادات الفلسطينية إلى الاقتصادات الإسرائيلية؛ لم تبق هويتها كما كانت عليه من دون تغيير، بل اكتسبت حيوات أخرى جردتها من هويتها الأصلانية الفلسطينية. تحولت هذه الأشياء في منازل المستوطنين في أحسن الأحوال إلى تحف جمالية مسلوخة عن سياقها السياسي وصداها التاريخي، وبالتالي إلى تموضعها في إطار وعي مبني على "النسيان"، أو بالأحرى تناسي النكبة، ولا تثير أي شعور بالندم على الجريمة، أو الخجل من السرقة، أو أدنى إحساس متوجس من أطياف ماضيها الفلسطيني. صارت أشياؤنا أشياءهم، صارت تمتلك هوية سياسية جديدة، ومرجعية جديدة قائمة على حيواتها في الحاضر الإسرائيلي، وقادرة على أن تستوعب ذكريات إيجابية مع المحتل. صارت هويتها سطحية وفردية، في أحسن الأحوال، تُمارس فقط في السياق الاستهلاكي أو الاجتماعي أو الجمالي الذي فرغها من معانيها ودلالتها. إلا أن هذا السلخ/المحو، وإن كان يُمارَس فرديًّا ـ أي يجيء من رغبة داخلية تصبح ملزمة، فهو أيضًا إلزام خارجي بناء على طلب من سلطة معينة ـ أي نتاج سياسة مفروضة وعنف تأسيسي يمثل لب المشروع الصهيوني في محو التاريخ الفلسطيني. في حيواتها الجديدة، ألبست بعض هذه الأشياء حلة النوستالجيا والأكزوتيكا في عملية تعويض لما ينقص البيت الإسرائيلي من تاريخ. ومثل هذه الأشياء مئات المنازل والأحياء والمعالم التي محيت أصولها لمصلحة تاريخ وتراث مزعوم لليهود في فلسطين. سرقت مجموعات صهيونية حجارة مسجد قرية معلول المهجرة، ونقلتها لبناء منزل يهودي ليظهر وكأنه بناء يهودي قديم. وما زال الكيان يسرق بلاط حارات القدس القديمة وينقلها لحارة اليهود في البلدة القديمة لإبرازها وكأنها ضاربة في جذور التاريخ، لا كحي استُحدث في 1967 على أنقاض خمس حارات مقدسية دُمّرت بمعظم منازلها ومتاجرها وآثارها وبنايتها، وبعد طرد ثلاثة آلاف من سكانها الفلسطينيين. وسرقت الحجارة والعقود القديمة من منازل القرى المهجرة في أراضي 48، وتم إعادة بنائها هندسيًّا في يافا و"تل أبيب" والعفولة والخضيرة وغيرها. وخلال النكبة، استولى اليهود على العديد من القدور الفخارية العائدة لأهالي القرى المهجرة، بالإضافة للكثير من الأواني النحاسية والمعدنية، بعضها نُقل لمتاحف شيدها الكيان وعرضها منسوبة إليه، والبعض الآخر عُرض في متاحف عالمية بصفتها تراث إسرائيلي. وسرق الكيان الأزياء (الثوب والقمباز والكوفية)، ومأكولات فلسطينية (الفلافل والشكشوكة والمفتول)، وشارك بها بمعارض دولية على أنها تراث إسرائيلي. وأعلنت "إسرائيل" أن الحمّص "طبقها الوطني" وتسوقه كطبق تراثي من الماضي اليهودي.

تجنيس وتطبيع هذه الأشياء إسرائيليًّا بعث فيها حياة جديدة-قديمة من خلال عملية محو/استكتاب لإثبات "حق" و"أحقية" الوجود اليهودي في فلسطين. عملية المحو/الاستكتاب هذه ليست علاقة خطية ومستقيمة، أي بنزع ملكيتها ومحو ماضيها الفلسطيني، بل علاقة بمسار دائري مركب، من الحاضر إلى الماضي ومن الماضي إلى الحاضر، لاستملاكها زمانيًّا ومكانيًّا وبعثها صهيونيًّا. إذًا، لا يقتصر هذا المسار الدائري على مجال الملكية الفردية للأشياء واستيعاب الشعور فيها والذاكرة فحسب، بل أيضًا على مستوى استملاك الأرض الفلسطينية، بكل ما فيها، مكانيًّا وزمانيًّا، وإعادة تشكيلها وفق التخطيط والأهداف والأيديولوجية الصهيونية، كما على مستوى شروط إنتاج وممارسة الهوية القومية وتجربتها المؤسسة على استبدال شـعب بشـعب، وثقافـة بثقافـة، وتاريخ بتاريخ؛ وحتى حين تكتسب هذه الأشياء صدى تاريخيًّا، فإنه يتردد ضمن سياسة بغيضة قائمة على الاستعمار الإحلالي، أي نفي وجود شعب فلسطيني والتنكر له لإحلال حاضرـماضي صهيوني باطل تسيّجه أسطورة يهودية زائفة، ويقويه جيش إرهابي.

ولنا في دوف عبرة. تنتهي رحلة سعيد (س) وزوجته صفية لاسترداد طفلهما خلدون، الذي تركاه على مهده في بيتهما في حيفا أثناء اندلاع الحرب في العام 1948 ولاذا بالفرار، بتنكر الابن لوالديه الأصليين. خلدون صار دوف، صار ضابطًا احتياطيًّا في الجيش الإسرائيلي، بعد أن تبنته ميريام مع زوجها إيفرات كوشن بالرعاية والتربية. حين تعرف دوف على الضيفين في صالة البيت على أنهما والديه الأصليين، يتجه بحديثه لميريام أولًا: «أنا لا أعرف أمًّا غيرك، أما أبي [إفرات] فقد قتل في سيناء قبل 11 سنة، ولا أعرف غيركما»، ومن ثم يخاطب سعيد (س) وصفية قائلًا: «أنا لم أعرف أن ميريام وإيفرات ليسا والدي إلا قبل ثلاث أو أربع سنوات. منذ صغري وأنا يهودي. أذهب إلى الكنيس وإلى المدرسة اليهودية وآكل الكوشير وأدرس العبرية. وحين قالا لي ـ بعد ذلك ـ إن والدي الأصليين هما عربيان، لم يتغير أي شيء.. إن الإنسان هو في نهاية الأمر قضية» (كنفاني: 65). يضحك سعيد (س) ويقهقه وكأنه يدفع بكل ما في صدره من أسى وتوتر وخوف وفجيعة إلى الخارج، فاستنكار دوف لوالديه يأتي استكمالًا لتنكّر كل ما عاشه في ذاكرته طويلًا، والتصق في رأسه كقطع من لحمه وعظامه، وعاد لحظة دخوله لحيفا بصخب مجنون وبكل ضجيجه الراعب، وسقط عليه «حادًّا مثل سكين». قبل أن يقابل دوف، كان سعيد (س) قد استشرف النكران في أحاديثه مع صفية: «أي خلدون يا صفية؟.. انتهى الأمر. سرقوه.. ألم ينتابك ذلك الشعور الرهيب الذي انتابني وأنا أسوق سيارتي في شوارع حيفا؟ كنت أشعر أنني أعرفها وأنها تنكرني. وجاءني الشعور ذاته وأنا في البيت، هنا. هذا بيتنا!.. إنه ينكرنا!.. إنني أعتقد أن الأمر نفسه سيحدث مع خلدون وسترين!» (كنفاني: 48). قبل أن يتنكر له دوف، كان سعيد (س) قد أدرك أن ابنه، كما كل أشياءه المسروقة، وطنه ومدينته وبيته، صاروا لا يشبهونه وتنكروا له في زمانهم الصهيوني الجديد. هذا التنكر هو ما يعبر عنه الشاعر طه محمد علي في قصيدة «عنبر»:

الأرض خائنة

الأرض لا تحفظ الود

والأرض لا تؤتمن

الأرض مومس(8)

في المواجهة مع هذه الأشياء خلال رحلات الزيارة إلى هذه البيوت، نشعر بالغضب من انتقالها من الاقتصادات الفلسطينية إلى الاقتصادات الإسرائيلية، ويتملكنا السخط لملامحها المشوشة وكيف طبعها المحتلون بمسمياتهم وروائحهم وغبارهم، ونبعث في تفاصيلها ضجيج أحداث وذكريات وحكايات النكبة وآلامها وآثارها وكأننا نعيشها من جديد ـ آثار لا يمكن إزالتها من أعماق الشعب الفلسطيني، ولا بمرور الأجيال. وبدون سابق إنذار، تفجر هذه الأشياء في وجوهنا تناقضات المكان والأشياء ما بعد النكبة، فهي أوعية النوستالجيا ودلالة الفردوس المفقود في المخيال وفي الحكاية، وهي أيضًا ما لا يشبهنا، ولا بد من أن تتنكر لنا. تتكثف فيها مآسي الحضور والغياب: في بيتهما المملوك من إسرائيلية، يشعر سعيد (س) وصفية بأنهما حاضران غائبان. 

في دراستها «الاستيلاء: إسرائيل، النكبة، و"الأشياء"»، تتبع ريبيكا ل. ستاين، أستاذة الأنثروبولوجيا الثقافية، الآثار المادية والأشياء العينية التي بقيت داخل حدود "إسرائيل" وفي الحياة اليهودية الإسرائيلية اليومية، وأثرها على ممارسات الذاكرة الفردية والجماعية الإسرائيلية، وعلى المساحات والتجارب التي يتم من خلالها تعزيز الخيال القومي والسرديات التاريخية السائدة وتحديها على حد سواء. تدعي ستاين أن اهتمامها بالحياة الاجتماعية للأشياء الفلسطينية في المجتمع الإسرائيلي اليهودي يمثل تحولًا في حقل الدراسات الإسرائيلية/ الفلسطينية من التحقيق في شروط الاستيلاء على ممتلكات الفلسطينيين، إلى الطرق غير المتوقعة التي يستمر بها تاريخ الفلسطينيين وحياتهم من فترة ما قبل 1948 في استيطان "الدولة" الإسرائيلية ومطاردتها في أكثر تقاطيع الحياة يومية للأماكن والأشكال، وبالتالي تنادي بـ«الابتعاد عن مسائل "نزع الملكية" إلى تلك المتعلقة بـ"إعادة الامتلاك"» على مستوى الكيفية التي تم بها تداول هذه الأشياء وإعادة تقييمها في السياق اليهودي الإسرائيلي(9). توظف ستاين ما تسميه "الزمانية المزدوجة للذاكرة"، والتي في تلخيصها تسمح لأشكال التاريخ التي تتواجد في الأشياء نفسها أن تستحضر في أفعال ذاكرة الحاضر زمن الحادثة الأصلية المعنية وتدمجها في زمن الأعمال اليومية، على المستويين الفردي والجماعي، لاختراق أفعال النسيان(10). تخلص ستاين إلى استنتاج أن استحضار المعاني المضادة للهيمنة التي تتم إدامتها في الآثار المادية والأشياء العينية التي سرقت وبقيت داخل حدود "إسرائيل" تعني «أن "صدمة" تجريد الفلسطينيين من ممتلكاتهم هي أيضًا صدمة إسرائيلية ـ أي، قوة تأسيسية في تصنيع الدولة القومية؛ في تصنيع المواضيع والحساسيات السياسية الإسرائيلية»(11).

بالابتعاد عن مسائل نزع الملكية إلى تلك المتعلقة بإعادة الامتلاك، تنحدر ستاين بفعل التذكر نحو، ما يسميه بول ريكور، «واجب الذاكرة» بعيدًا عن سياق المستوى الأخلاقي والسياسي المتعلق بـ«عدالة الذاكرة»(12). يذكرنا بول ريكور أن الاهتمام بالذاكرة يجب أن يقوم بالأساس على مجابهة وتجاوز عقبة النسيان، وبخاصة انمحاء الأثر، وصعوبة تذكر التجارب المؤلمة أو المخزية. وإذ كان هذا يتوجب تفكيك شروط قيام وتحقيق نفي أو فقدان الذاكرة والآليات التي تحجب علاقتها بالعنف التأسيسي، فإن الهدف من فعل التذكر، ما يسميه بول ريكور بـ«عمل الذاكرة»، هو تحويل واجب الذاكرة إلى مشروع «استخراج قيمة مثالية» من الذكريات المؤلمة أو المخزية، والتوجه بالذاكرة «نحو مستقبل مرتبط بفكرة العدالة»(13). عندها فقط يجد واجب الذاكرة مغزاه ويتحرر من الإكراه والحساسية والمنفعة لمصلحة الحقيقة والعدالة ـ أي أن الذاكرة الإسرائيلية الموصومة بماضي النكبة ودلالاتها في الحاضر لن تداوى خزيها بفعل الذاكرة وواجب الذاكرة فقط (دمج زمانية حاضر الذاكرة الإسرائيلية بزمانية ماضي الذاكرة الفلسطينية)، وإنما أيضًا بما يسمح بإعادة «استملاك مستنير للماضي» مع تحمل مسؤولية عبء خزيها ضمن مشروع عدالة «يتعذر ترميمه وإصلاحه» وهو في ملكية الاستعمار الصهيوني وحيازته(14). إذًا، وبعكس ما تدعي ستاين، عدالة الذاكرة تستوجب عدم إقصاء قضية نزع الملكية من المسائل المتعلقة بإعادة الامتلاك.

إلا أن قضية العدالة في نزع الملكية تستوجب تقييم وقلب موازين القوة المادية، العسكرية والسياسية، التي تمكّن اللامساواة بين الخطابين/الذاكرتين المتحاورتين، والثقافة المعيارية، الأخلاقية والاجتماعية، التي يتم تحديد قواعدها من قبل من هم في موقع القوة. وهذا بالذات ما تغيبه ستاين من دراستها، كما ميريام التي تقترح على سعيد (س) ترك الاختيار لدوف ليقرر بنفسه في أمر أبوته وانتسابه. وتوافق صفية، الأم الغارقة في الحنين واليقين الرغبوي، على أنه "خيار عادل" لأن خلدون برأيها «لا يمكن أن يتنكر لنداء الدم واللحم»، يضحك سعيد (س) بقوة ممزوجة بمرارة الأسى والخيبة، ويسألها بما يشبه الجواب: «أي لحم ودم تتحدثين عنهما؟ وأنت تقولين إنه خيار عادل» (كنفاني: 48). والواقع أن تهكم سعيد (س) من اقتراح ميريام مرده أنه اكتشف من أول الحديث أنها وإفرات تعايشا مع ماضي النكبة وأحداثها: في مشهد ميناء حيفا الصاخب وشوارع حيفا المتوترة، «والتي كانت تدوي فيها طلقات نارية متقطعة بين الفينة والأخرى»؛ والمعارك التي يسمع إفرات أصواتها «ثم يقرأ أخبارها في "بالستاين بوست" كل صباح ، [وكأنما] تجري بين بشر وبين أشباح، ليس إلا»؛ وقصف صباح جمعة 23 نيسان 1948 حين تأكد إفرات تمامًا «أن الأمر في حيفا قد انتهى، وأن الهاغانا سيطرت على الموقف كليًّا»، ومعلوماته أن الإنجليز «مهتمون بتسليم حيفا للهاغاناه.. [و]أن البريجادير ستوكويل.. كتم الخبر عن موعد انسحابه ولم يسر به إلا للهاغاناه. فأعطاهم بذلك عنصر المفاجأة في اللحظة المناسبة»؛ وآثار الدمار التي لاحظها، وأخذت شكلًا جديدًا ومعنى آخر في نظره، «ولكنه رفض بينه وبين نفسه أن يجعل من ذلك مبعثًا جادًّا للقلق، أو حتى للتفكير» (كنفاني: 37-41). حتى ميريام التي صدمها مشهد الطفل الفلسطيني المقتول والمكسو بالدم، ورماه شابان من الهاغاناه في «شاحنة الموت كقطعة خشب رخيصة»، واستعادت فيه مشهد والدها الذي مات في أوشفيتز، ومداهمة الجنود الألمان للمنزل الذي كانت تعيش فيه مع زوجها، وإطلاق الجنود الرصاص على أخيها الصغير، استطاعت أن تتعايش مع النكبة، ودون أن تتذكر أحداثها تمامًا (كنفاني: 41). نسيان ميريام هو، في الواقع، شرط من شروط تمكين تنظيف مسرح الجريمة، والتصالح مع وجودها بلا ذنب أو عار، وتوظيف سردية الهولوكوست كمبرر أيديولوجي لرأب التنافر بين صورة الصهيونية الأسطورية القديمة، التي كان يقرأها إفرات في الكتب الدينية المسيحية الملونة المخصصة لقراءة الأطفال في أوروبا ويصر على الاحتفاظ بها في فلسطين، وبين جوهرها الدموي. صارت ميريام تزور روايتها كما زورت لدوف قصة والديه وكيف تركا ابنهما وهو في شهره الخامس وهربا.

من هنا يتضح أن ما تسميه ستاين بـ"الزمانية المزدوجة" للذاكرة الإسرائيلية ما هي في الحقيقة إلا ذاكرة ازدواجية إحلالية، قادرة على أن تتعايش مع ماضي النكبة بعد أن تقطع سيرورتها بالتناسي، وتغير دلالاتها وتزورها على مستوى الوعي والخطاب، وتطبعها وتؤسرلها بروايتها وتجاربها، وتقطع صدمة الشك بالرواية التأسيسية الإسرائيلية بيقين "الحق" و"أحقية" و"الانتصار المطلـق" لليهود فـي أرض فلسطين. «أنا أعرف أبوه، وأعرف أيضًا أنه ابننا»، تقول ميريام قبل أن تقترح بأن دوف «وحده صاحب الحق في أن يختار» (كنفاني: 48). تتحول النكبة، كما وجود سعيد (س) وصفية في بيت ميريام ودوف، إلى «مشكلة»، كما تصفها ميريام، في حاضر الذاكرة الإسرائيلية ـ مشكلة لا بد أن تنتهي حسب من يمتلك الهيمنة في ساحة الصراع، ومعيار قانونه الأخلاقي، وتحكمه بوجوه الاستدلال المتاحة ومنها موقف "الخيار الحر"، كما تتحكم ميريام بعملية "حرية" اختيار دوف ونتيجتها بما تعود عليها بمكاسب استحقتها بالحرب والسرقة والتزوير وسلطة العائلة التأديبية. 

نعرف من ميشيل فوكو أن الخطاب هو سلطة مادية وساحة صراع، وليس فقط انعكاسًا للصراعات السياسية، بل هو المسرح الذي يتم فيه استثمار الرغبة، وهو ذاته مدار الرغبة والسلطة ـ أي أنه وسيلة ساحة لممارسة هيمنة الخطاب السلطوي من جهة، وتحديه من خلال تفكيك ما يروجه كحقائق تاريخية من جهة أخرى. عند مواجهته لسردية ميريام المدعومة باستراتيجيتها الماكرة للتذكر والنسيان، يفند سعيد (س) ما توجهه ذاكرة ميريام من تلاعب واستغلال وتشويه وتزوير وتحريف ومحو، ما يسميه بول ريكور بـ«الذاكرة المعاقة» و«الذاكرة المتلاعب بها» و«الذاكرة الإلزامية»(15). يفجر سعيد (س) في وجه دوف وميريام المسكوت عنه، ويغوص في البواطن واللاشعور، ويلاحق الحقائق المستترة وراء إنكار الحق والحقوق، وفي تضاد وندية لما تسرده ميريام، وكشف عن تموضعها داخل منظومة الخطاب الصهيوني، وكتوثيق للرواية الصهيونية عن قصة هروب الفلسطينيين، ويكشف زيفها وتشويهها ومحوها لجريمة تشريد نحو 700 ألف فلسطيني صاروا لاجئين غير مسموح لهم بأن يعودوا؛ أما الذي تجرأ منهم على محاولة العودة، فواجه خطر الموت أو الطرد على يد الجيش الإسرائيلي. يتهم سعيد (س) ميريام محقًّا: «إنه يتساءل كيف يترك الأب والأم ابنهما الرضيع في السرير ويهربان.. أنت يا سيدتي لم تقولي له الحقيقة، وحين رويتها له كان الوقت قد مضى، أنحن الذين تركناه؟ أنحن الذين قتلنا ذلك الطفل قرب كنيسة بيت لحم في الهادار؟ الطفل الذي كانت جثته، كما قلت لنا، أول شيء صدمك في هذا العالم الذي يسحق العدل بحقارة كل يوم..» (كنفاني: 68). وهنا بالذات يرقى سعيد (س) بخطابه عن عمل الذاكرة من واجب الذاكرة إلى عدالة الذاكرة، والتي لا يمكن أن تستقيم سياستها إلا بإعطاء الأولوية لسردية الضحايا وروايتهم التاريخية، وتفكيك لعبة القسمة بين تاريخ وذاكرة رسمية وهوية مسموح بها، وبين تاريخ وذاكرة مرفوضة وهوية أخرى يتم نفيها أو تشويهها، وتفعيل إمكانية تقويضها من خلال مواجهة تؤسس لمشروع مستقبلي ينصف الضحايا ويسترد حقوقهم المسلوبة وأملاكهم المسروقة. 

في لحظة التماس مع الذاكرة الصهيونية ومواجهة خطابها ومنظومتها الاستعمارية الإحلالية، يتجسد ويتهيكل وعي سعيد (س) بشكل مختلف، ونحو توجيهه إلى فكرة الفاعلية (Agency). ولكن هذا يتطلب من سعيد (س) أن ينخرط أولًا في عملية نقد لسؤال الهوية والجغرافيا: «ما هو الوطن؟ أهو هذان المقعدان اللذان ظلا في هذه الغرفة عشرين سنة؟ الطاولة؟ ريش الطاووس؟ صورة القدس على الجدار؟ المزلاج النحاسي؟ شجرة البلوط؟ الشرفة؟ ما هو الوطن؟ خلدون؟ أوهامنا عنه؟ الأبوة؟ البنوة؟» (كنفاني: 70). كان سعيد (س) قد حاول إقناع صفية بالخروج من بيتهما في حيفا والإقرار بالهزيمة: «لنخرج من هنا ولنعد إلى الماضي. انتهى الأمر» (كنفاني: 49). بعد المواجهة ينقض سعيد (س) مجددًا على سؤال الهوية والجغرافيا، ويطرح استباقيًّا سؤال ميشيل فوكو في كتابه Technologies of the Self: «انطلاقًا من أي أساس سوف أعثر على هويتي؟»(16). يرفض سعيد (س) مبدأ الهوية القائم على حقيقة بيولوجية تمكن الذات من إدراك نفسها وفهمها بواسطتها: «إننا حين نقف مع الإنسان فذلك شيء لا علاقة له بالدم واللحم»، يقول سعيد (س) لدوف (كنفاني: 69). كما يرفض أي خصوصية ماضوية للهوية في الجغرافيا لأنه بهذا سيشرعن المشروع الصهيوني القائم على القومية اليهودية بوصفها خصوصية دينية توراتية وتاريخية تسعى إلى استرجاع "أرض الميعاد" التي وعدها الله لإبراهيم ونسله في سفر التكوين: «في ذلك اليوم عقد الله ميثاقًا مع أبرام قائِلًا: «سأعطي نسلك هذه الأرض من وادي العريش إلى النهر الكبير، نهر الفرات. أرض القينيين والقنزيين، والقدمونيين والْحثيين والفرزيِين والرفائِيِين والأموريين والكنعانيين والْجِرجاشِيِين واليبوسِيِين»(17). يفتش عن حقيقة فلسطين في واقعه الحاضر، فلا يجدها في البيولوجيا، ولا في تذاكر الهوية وجوازات السفر، ولا في الذكريات الماضوية، ولا في النوستالجيا لكتالوج الأشياء التي تركها في البيت، ولا في نحيب صفية على ولدها خلدون، ففلسطين «هي أكثر من ريشة طاووس، أكثر من ولد، أكثر من خرابيش قلم رصاص على جدار السلم» (كنفاني: 74). ينتقل سعيد (س) من السؤال عن الماهية إلى الكيفية: «الوطن هو ألا يحدث ذلك كله» (كنفاني: 74). وهنا يحول سعيد (س) سؤال الهوية والجغرافيا إلى منظومة القضية (الإنسان قضية)، والتي هي متصلة بممارسات في سياق تاريخي موجه بعمل السلطة الـتأديبية في الجسد الاجتماعي بصورة ميكروفيزيائية إنتاجية عبر عملية التذويت (Subjectivation)، التي يجسدها دوف: «أليس الإنسان هو ما يحقن فيه ساعة وراء ساعة ويومًا وراء يوم وسنة وراء سنة؟» (كنفاني: 69)، كما بإعادة حوكمة الذات (Governmentality)، ضمن مشروع تتحول فيه الذات إلى ذات فاعلة وقادرة أن تخضع التاريخ للتغير والتحول، وقلب موازين القوة فيه، وتعبيد الطريق لاقتصاد جديد لعلاقات المعرفة والسلطة ليس على مستوى الهوية والذاكرة والتجربة الفردية والجمعية وحسب، بل أيضًا في صلب الجغرافيا بالمعنى الجيوسياسي، والتي يجسدها ابنه خالد الفدائي: «أفتش عن فلسطين الحقيقية.. ما هي فلسطين بالنسبة لخالد؟ إنه لا يعرف المزهرية، ولا الصورة، ولا السلم ولا الحليصة ولا خلدون، ومع ذلك فهي بالنسبة له جديرة بأن يحمل المرء السلاح ويموت في سبيلها.. عشرات الألوف مثل خالد لا تستوقفهم الدموع المفلولة لرجال يبحثون في أغوار هزائمهم عن حطام الدروع وتفل الزهور، وهم إنما ينظرون للمستقبل، ولذلك هم يصححون أخطاءنا، وأخطاء العالم كله» (كنفاني: 74-75).

هذا النقد الذاتي، الجذري والجدلي، هو شرط من شروط تمكين سعيد (س) للأخذ بمعطيات الصراع وإدراك جذوره. يتجلى هذا في تَحول موقف سعيد (س) من محور الانتظار والتقاعس والعجز والإحساس العميق بالحنين والندم والعار والهزيمة إلى محور إدانة كل الذين تركوا الوطن، ثم تباكوا عليه، والشروع في صوغ مكونات وعي وسلوك وممارسات تتبنى الفعل الثوري القادر، وحده، على فتح الحاضر على مستقبل ممكن، الذي يجسده خالد وفارس اللبدة اللذان امتشقا البندقية. وفيما ترى ميريام أن الطرفين المتنازعين بحاجة أن يتحدثوا زيادة عن الموضوع، يواجهها سعيد (س) بحقيقة أنهما ليس أمام تنازع أو خلاف طارئ، بل أمام صراع جذري يحتاج إلى حرب. ينهض سعيد (س) مغادرًا وحين يصل إلى الباب، يقول لميريام ودوف: «تستطيعان البقاء مؤقتًا في بيتنا، فذلك شيء تحتاج تسويته إلى حرب» (كنفاني: 76). هذه النتيجة هي بالذات ما لا تقدر أن تصلها دراسة ستاين عن فينومينولوجيا الذاكرة في كتابة تاريخ "ما بعد" صهيونية، والتي انكشفت أجندتها الهادفة إلى تصالح اليسار الأكاديمي الإسرائيلي مـع ماضي النكبة الفلسطينية كآليـة لامتـلاك الحقيقـة الصهيونية فـي الماضـي وفـي الحاضـر عن طريق إعادة بعث ماضٍ فلسطيني مهزوم ـ أي الاعتراف بالنكبة وعنفها التأسيسي والتوليدي في إنتاج المشروع والذاكرة والهوية والكيان الصهيوني كذاكرة ماضوية، أو كفصل تعيس في الرواية التاريخية الصهيونية، وباعث على الصدمة، ولكن كتحصيـل حاصـل وتسـليم بمـا ترتـب علـى النكبة مـن وضـع استعماري بنسـخته الحصريـة اليهوديـة، وبالتالي دون إقـرار بالأسـس الإثنيـة الإحلالية لـ"لدولـة اليهوديـة"، ناهيك عن تحدي هيمنتها على أرض فلسطين، ودون ربطها بجوهر الصراع مع الصهيونية، ولا بوضع الفلسطينيين في "إسرائيل"، لا بماضيهم فحسب، بل بوضعهم الراهن أيضًا. نحن إذًا هنا بصدد فينومينولوجيا الذاكرة العجائبية في كتابة تاريخ "ما بعد" صهيونية تتقن التفكيك لمصلحة تناسي التقويض!

في آخر مشهد، يخرج سعيد (س) من بيته في حيفا ودوف منكفئًا في مقعده محتويًا رأسه بين راحتيه. والواضح أن وجود سعيد (س) وصفية لم يربك دوف، ولا اكتشافه أن ميريام زورت قصة هرب والديه الأصليين، ولا احتمال أن معركته الأولى ستكون مع أخيه الفدائي خالد. إلا أن آخر حديث وجهه سعيد (س) لدوف ردًّا على اتهامه لوالديه الأصليين/الشعب الأصلي بالعجز والجبن والتباكي قد أربك وصدم دوف وأظهره على حقيقته: متأسرل ومطبّع، حصان طراد يتخفى مهزومًا في صورة منتصر؛ فـ«ثقل الحالة الثورية»، كما يؤكد مجد كيال، يقاس «من النقطة التي استطاعت فيها أن تغير بنية [الخطاب] وشكله»، حين تستطيع ردة الفعل أن تصدم الفعل، بحيث تغير مساره، بغض النظر عن الاتجاه(18). ويتحول حضورها محوريًّا ومؤثرًا في حركة المشهد:

«زوجتي تسأل إن كان جبننا يعطيك الحق في أن تكون هكذا.. ولكن ذلك لا يبرر لك شيئًا، إن خطأ زائد خطأ لا يساويان صحًّا، ولو كان الأمر كذلك لكان ما حدث لإيفرات ولميريام في أوشفيتز صوابًا، ولكن متى تكفّون عن اعتبار ضعف الآخرين وأخطائهم مجيرة لحساب ميزاتكم؟ لقد اهترأت هذه الأقوال العتيقة، هذه المعادلات الحسابية المترعة بالأخاديع.. مرة تقولون أن أخطاءنا تبرر أخطاءكم، ومرة تقولون إن الظلم لا يصحح بظلم آخر.. تستخدمون المنطق الأول لتبرير وجودكم هنا، وتستخدمون المنطق الثاني لتتجنبوا العقاب الذي تستحقونه، ويخيل إليّ أنكم تتمتعون إلى أقصى حد بهذه اللعبة الطريفة، وها أنت تحاول مرة جديدة أن تجعل من ضعفنا حصان الطراد الذي تعتلي صهوته.. وأنا أعرف أنك ذات يوم ستدرك هذه الأشياء، وتدرك أن أكبر جريمة يمكن لأي إنسان أن يرتكبها، كائنًا من كان، هي أن يعتقد ولو للحظة أن ضعف الآخرين وأخطاءهم هي التي تشكل حقه في الوجود على حسابهم، وهي التي تبرر له أخطاءه وجرائمه.. وأنت، أتعتقد أننا سنظل نخطئ؟ وإن كففنا ذات يوم عن الخطأ، فما الذي يتبقى لديك؟» (كنفاني: 72-73). 

يواجه سعيد (س) دوف بحقيقة أن ما يدعوه الأخير حقيقة، أي الهزيمة، هي ليست نتاج عنصر أنثروبولوجي أو باثولوجي نفسي أو سوسيولوجي للشعب الفلسطيني، بل هي نتاج صراع قوى قابل أن يخضع للتغير والتحول، وقلب موازين القوة، وتصحيح خرائط الأمر الواقع. والسؤال هو: هل كان ثمة خيار متاح غير الأسرلة أمام دوف نتاج الأسرة/"الدولة" التي عاش في كنفها، والتي لم يكن قد اختارها أصلاً؟

الهوامش

(1): غسان كنفاني . عائد إلى حيفا. (بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 2004).

(2): رائف زريق. «الذات، والإخضاع، والذاتية والخضوع». مجلة الدراسات الفلسطينية، 120، (خريف، 2019).

(3): ريبيكا ل. ستاين. «الاستيلاء: إسرائيل، النكبة، و"الأشياء" 1/3». ترجمة: علاء الدين أبو زينة. صحيفة الغد (أيار، 2012).

(4): المصدر السابق.

(5): المصدر السابق.

(6): Arjun Appardurai. The Social Life of Things: Commodities in Cultural Perspective. (Cambridge: Cambridge University Press, 1986).

(7): جان بول سارتر. التخيل. ترجمة: نظمي لوقا. (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1982).

(8): طه محمد علي. الأعمال الكاملة. (حيفا: دار راية للنشر، 2011)، صـ 47.

(9): الاستيلاء: «إسرائيل، النكبة، و"الأشياء" 3/3». ترجمة: علاء الدين أبو زينة. صحيفة الغد (أيار، 2012).

(10): الاستيلاء: إسرائيل، النكبة، و"الأشياء" 1/3». مصدر سبق ذكره.

(11): الاستيلاء: إسرائيل، النكبة، و"الأشياء" 3/3». مصدر سبق ذكره.

(12): بول ريكور. الذاكرة، التاريخ، النسيان. ترجمة: جورج زيتاني. (بيروت: دار الكتاب الجديد)، صـ 144.

(13): المصدر السابق.

(14): المصدر السابق. صـ 149.

(15): المصدر السابق. صـ 140.

(16): Michele Foucault. Technologies of the Self. edited by Luther Martin et al. (Amherst: Massachusetts University Press, 1988).

(17): التكوين 13: 14-17.

(18): مجد كيال. «سمات إسرائيل المختنقة». السفير، 13201. (22 تشرين الأول، 2015)، صـ 15.