Menu

تقريرسد النهضة: صناعة الصراع باسم التنمية

سد النهضة

خاص بوابة الهدف

مع بدء إثيوبيا في المرحلة الثانية من ملء سد النهضة، صعَّدت مصر والسودان من حراكهما الدبلوماسي ضد الخطوات الإثيوبيّة المنفردة والتي ترى فيها مصر والسودان مسًا في أمنهما المائي.

فقد توجهت كل من مصر والسودان من خلال العضوية التونسية المؤقتة في مجلس الأمن، لاستصدار قرار من المجلس يلزم إثيوبيا بوقف خطواتها الأحادية ويدعو للالتزام بالوصول لاتفاق خلال ٦ أشهر من صدور القرار، ولكن هذا المشروع لم يمر، اذ اكتفى مجلس الأمن ببيانٍ عام يدعو للوصول لتسوية وعدم اتخاذ اجراءات أحادية من أطراف الأزمة.

هذه المخاوف المصرية والسودانية بشأن الأمن المائي لا تبدو حديثة فغالبًا ما حاولت كل من مصر والسودان إلزام دول المنبع باتفاقيات وأطر تضبط سلوكها تجاه شريان الحياة الأساسي لكل من مصر والسودان وأبرزها اتفاق العام ١٩٢٩، واتفاق العام ١٩٥٩ والذي جاء كمكملٍ له.

سد النهضة.. الجشع في التفاصيل

في الشق الفني لا يمكن فهم الأزمة المرتبطة بالسد الاثيوبي "سد النهضة الكبير" القابض على أهم منابع النيل، دون إجراء مقارنة ضروريّة مع غيره من السدود في العالم والأهم بينها على نهر النيل وهو السد العالي.

التصنيف

السد العالي

سد النهضة الإثيوبي الكبير

الارتفاع

١١١ متر

١٨٠ متر

انتاج الطاقة الكهربائية

٢١٠٠ ميجاوات

16 153 جيغاوات/ساعة

سعة التخزين المائي

١٦٢ مليار متر مكعب

٧٤ مليار متر مكعب

مساحة البحيرة

 ٥٢٥٠ كم مربع

 ٢٥٥ كم مربع

التدفق المائي

١١ ألف متر مكعب في الثانية

٥٠ مليون متر مكعب في السنة

تصنيفات

أبرز مشروع هندسي في القرن العشرين

الأعلى افريقيا من حيث توليد الطاقة الكهرمائية

تأسس السد العالي كمشروعٍ هندسي بدعمٍ سوفيتي دشن الصداقة المصرية السوفيتية، كجزءٍ من مشروع سياسي اجتماعي قرر الاستثمار في الإنسان المصري وتطوير أنماط حياته وإنتاجه، ففي تفاصيله الفنية يعمل السد العالي كأداة لحماية المصريين من أخطار الفيضان وتأمين احتياجاتهم المائية، كما ينصب تصميمه الهندسي على توفير أعلى درجة ممكنة من الحماية من مخاطر السد نفسه، حيث اختار مصمموه في كل تفاصيله الإجراءات الأكثر حمائية وأمنًا على حساب تلك الأكثر توفيرًا أو ربحية، سواء باختيارهم للسعة السطحية الكبيرة لبحيرة السد، أو الارتفاع المتوسط للسد، منعًا لمخاطر الضغط الزائد أو الانهيار، فيما يبدو المشروع الإثيوبي متناقض إلى حدٍ ما مع الشعارات المرتبطة به، وأكثر انحيازًا لفلسفة الشركات الغربية التي تنفذه مما هو للمواطنين الإثيوبيين الذين دفعوا الجزء الأكبر من تمويله من جيوبهم، إنّه مشروع يستهدف ويتمحور حول انتاج أكبر كمية من الكهرباء بأرخص كلفة متخيلة، وهو ما حدد شكل السد وموضعه أكثر من الاعتبارات التنموية طويلة الأجل، إذ ينتصب السد كعملاقٍ حجري بطول ١٨٠ متر معرض لتهديدات خطيرة نتيجة للمبالغة في ارتفاعه، ومهددًا بدوره بإغراق معظم الحواضر السودانية في حال انهياره خصوصًا في ضوء اختيار موقعه على ارتفاع يتجاوز ٥٠٠ متر فوق سطح البحر، كما لا بد من الاشارة لتجاهل السلطات الاثيوبية لآراء غالبية من الخبراء تؤكّد أفضلية السدود الصغيرة في إنتاج الطاقة الكهرومائية الموزعة على المشروع المضخم مثل سد النهضة الذي سيعاني فقد كبير في الطاقة المنتجة، بفعل عوامل متعددة تتضافر لجانب المخاطر الأخرى في تظهير إشكالية في فهم دور المشروع.

في الفهم السياسي للتنمية

لا يجادل أقصى المنحازين لمفهوم الأمن القومي العربي في حق الشعب الحبشي بصناعة مصيره ومسار تنميته وتحقيق أقصى استفادة ممكنة من موارده الطبيعية، ولكن إصرار الحكومة الإثيوبية على المنحى الصراعي فيما يتعلق ببناء السد أو عمليات الملء يعطي مؤشرات مهمة حول ما يجري، فبجوانب متعددة تعتبر مشاريع الاستثمار في الموارد الطبيعيّة الهائلة في القارة الإفريقية، تعبير عن انحياز سياسي يتعلق بالنظرة لهذا العالم والانحياز لأحد أطراف معادلات الصراع فيه، ففي أفريقيا الفقيرة لا تعتبر التنمية وفقًا لمفهوم البنك الدولي-الذي رفض تمويل السد العالي خمسينات القرن الماضي- ومحركات الاقتصاد الرأسمالي أكثر من وصفة لصناعة الصراعات ومواصلة عملية النهب لمصلحة المركز الاستعماري، فيما تبدو هناك حاجة لاكتشاف القدرة على بناء الشراكات بين شعوب المنطقة.

واحدة من المسارات المطروحة للتعاون في التنمية المشتركة لمصلحة شعوب القارة يتمثل في مشروع الربط النهري بين عمق القارة والبحر المتوسط من خلال نهر النيل، وهو مشروع يسمح لإثيوبيا الدولة الحبيسة والتي لا تملك أي سواحل بحرية بالاتصال ملاحيًا مع البحر المتوسط، كما ينتج خطًا تنمويًا لا يقتصر دوره على الملاحة، وهو مشروع مصري- أفريقي قديم، كثيرًا ما استحضرته نوبات التقارب السياسي.

مخاطر المفهوم

يلخص الخبراء العرب وبعض من المختصين دوليًا مخاطر مشروع السد الإثيوبي في ثلاثة جوانب رئيسية:

     احتمالات انهيار السد أو حدوث خلل فيه بما يتسبب بموجة مائية كارثية في تأثيراتها على السودان خصوصًا وقد يطال بعضها مصر.

     التأثير على الحصص المائية لمصر والسودان بما يقود لمخاطر الجفاف والتصحّر وتقليص القدرة الانتاجية الزراعية للبلدين.

     استخدام السد كأداة ابتزاز وهيمنة إثيوبيّة من خلال التحكّم بالحصص المائيّة لكل من مصر والسودان.

ولعل الخطر الأبرز الذي لم تشر له معظم الآراء المعنية بكثير من الاهتمام، يتمثل بفقدان الدور الريادي لمصر في قيادة عملية التنمية الأفريقيّة، بل وهيمنة أطراف مُعادية على هذه العملية تضع مصر ومصالحها في موقع النقيض لها، بما يعنيه ذلك من خلق لتنافر خطر مع دور مصر التاريخي تجاه شعوب القارة والذي عمقته الجمهوريّة المصريّة بعد ثورة يوليو.

أمَّا الجانب الآخر فيتعلّق بموقفٍ متزايد يدعو لمفهوم ضيق وخطير يصدر قضية تنمية أفريقيا والنهوض بها لمصلحة شعوبها كما لو كانت صراعًا على حصص مائية، فلا اشكالية في كم الموارد الطبيعيّة وخصوصّا المائية في القارة، ولكن الاشكالية في مقاربة هذه الموارد بمنطق الصراع، وحرمان شعوب القارة من فرصة مضافرة الجهود، ومشاركة الموارد باتجاه يمنحها مستقبل أفضل.

تستحق منطقة القرن الأفريقي وتستطيع التحوّل لبقعةٍ تنمويّة رياديّة، من خلال موقعها الاستراتيجي ومواردها الاستثنائيّة، والقدرات الكبيرة التي تختزنها شعوبها، وإذا كان ثمة ضرورة سياسيّة ومصيريّة اليوم فهي وضع حد للتدخّل الاستعماري والرأسمالي في صناعة سياقات صراعيّة في هذه المنطقة، بل إن الأوجب هو تحصيل تعويض عن الحقوق والموارد المسلوبة تاريخيًا من قبل المستعمر من شعوب هذه المنطقة.