Menu

الهجرة اليهودية إلى فلسطين.. أرقام ودلالات

مهدي عقيل

نقلا عن موقع "180Post"

منذ اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية بالتزامن مع الإنسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، إستحوذ قياس معدلات الهجرة اليهودية إلى فلسطين المحتلة والهجرة المعاكسة، على إهتمام الباحثين المهتمين برصد التطور الديموغرافي للدولة العبرية.

لطالما تفوق عدد الوافدين اليهود إلى فلسطين المحتلة بفارق كبير على عدد المغادرين منها، خصوصًا خلال العشرية الأخيرة من القرن العشرين التي شهدت أعلى نسبة نزوح يهودي إلى فلسطين، ذلك أن إسرائيل إستفادت من مناخات إبرام “إتفاق أوسلو” مع السلطة الفلسطينية و”اتفاق وادي عربة” مع الأردن، وحصر تأثير المواجهة مع حزب الله داخل الأراضي اللبنانية في منطقة الشريط الحدودي المحتل في جنوب لبنان. بعد العام 2000 وتسجيل أول انسحاب إسرائيلي من أرض عربية محتلة بلا قيد أو شرط، وإتساع شرارة الانتفاضة الفلسطينية الثانية في الداخل الفلسطيني، صار العامل الأمني يشكل كابوسًا دائمًا للإسرائيليين، لا سيما على طول الحدود الشمالية كما في الضفة الغربية وغلاف قطاع غزة، ما دفع بالبعض من المهاجرين للعودة من حيث أتوا أو إلى أماكن أخرى في العالم. ومن العام 2001 إلى العام 2004، حصل إنهيار ملفت للإنتباه في عدد المهاجرين إلى إسرائيل. ففي العام 2001 وصل الى اسرائيل اكثر بقليل من 43 الف مهاجر وانخفض العدد في العام 2002 الى اكثر من 33 الفا، وفي العام 2003 الى 23 الفا، والعام 2004 الى اقل بقليل من 21 الفا. ومع سيطرة حركة حماس على غزة عام 2005، وإخفاق إسرائيل في هزيمة المقاومة اللبنانية في حرب تموز/يوليو 2006، ولا سيما عجزها عن وضع حد لمئات الصليات الصاروخية التي غطت أكثر من نصف مساحة فلسطين التاريخية، ما اضطر آلاف العائلات الإسرائيلية للنزوح من الشمال إلى العمق الإسرائيلي، فإن أكثر من دراسة إحصائية إسرائيلية وعربية أشارت إلى ارتفاع نسبة الهجرة المعاكسة على الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وظل الأمر على هذا الحال حتى العام 2009 تقريباً. وأعيدت الكرة عام 2018، حيث كشفت دراسات إسرائيلية، عن تسجيل ما وُصف بأنه “ميزان هجرة سلبي” للمرة الأولى منذ عام 2009، إذ فاق عدد اليهود الذين تركوا فلسطين المحتلة أعداد من هاجروا إليها. علماً أنه سبق لصحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، أن قالت إن عدد اليهود الذين غادروا إسرائيل عام 2015 فاق عدد الذين عادوا اليها. وذكرت أن قرابة 16700 إسرائيلي غادروا عام 2015، للعيش خارجها لفترة طويلة، عاد منهم 8500 فقط، بعد العيش في الخارج لمدة عام على الأقل. ونشرت الصحيفة نفسها تقريراً إستند إلى أرقام رسمية (وزارة الإستيعاب) في مطلع تموز/يوليو الحالي أشار إلى ارتفاع ملحوظ في أرقام المهاجرين إلى إسرائيل، في النصف الأول من العام 2021، حيث وصل إلى إسرائيل 11824 مهاجراً بين كانون الثاني/يناير وحزيران/ يونيو 2021، أي بزيادة 13% مقارنة بالفترة عينها من العام الماضي. حصل ذلك على وقع “اتفاقات إبراهام” التي عقدتها إسرائيل مع الإمارات والبحرين والسودان والمغرب، وقبل حصول حرب غزة الأخيرة التي قلبت قواعد الاشتباك في الداخل بربط الساحات، لا سيما بين غزة و القدس (الضفة) وباقي المناطق المحتلة منذ العام 1948.

وعلى جاري عادتها تكتفي دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية بنشر أرقام الهجرة إلى إسرائيل (وليس منها)، بينما يقول تقرير “معهد سياسة الشعب اليهودي” التابع للوكالة اليهودية، إنه منذ العام 2000 وحتى العام 2018، هاجر إلى إسرائيل 209400 يهودي من دول العالم، بينما هاجر من إسرائيل في ذات الفترة حوالي 192 ألف شخص. واللافت حسب التقرير المذكور أن حركة الهجرة من وإلى إسرائيل توقفت خلال الأشهر التسعة الأخيرة من العام 2020، وذلك بسبب جائحة كورونا. ويوضح تقرير “المعهد اليهودي” أن عدد اليهود في العالم يتراجع بسبب عوامل عديدة أبرزها الزواج المختلط من أديان أخرى (بحسب الديانة اليهودية، فإن اليهودي هو فقط من أمه يهودية). ووفق التقرير نفسه بلغ عدد اليهود في العالم بما في ذلك إسرائيل ما بين 14.5 إلى 14.8 مليون نسمة بينهم 6.77 مليون يهودي في إسرائيل (2019). وتحتل الولايات المتحدة المرتبة الثانية (5.4 مليون)، فرنسا (455 ألفا)، كندا (391 ألفا)، بريطانيا (290 ألفا)، الأرجنتين (181 ألفا)، روسيا (172 ألفا)، ألمانيا (116 ألفا)، أستراليا (113 ألفا)، البرازيل (93 ألفا)، جنوب أفريقيا (69 ألفا)، أوكرانيا (50 ألفا)، هنغاريا (47 ألفا)، المكسيك (40 ألفا)، هولندا (30 ألفا)، بلجيكا (29 ألفا)، إيطاليا (27500)، سويسرا (18600)، تشيلي (18300)، الأورغواي (16700). وينتشر 194 ألفا في دول مختلفة، في الشرق الأقصى وأفريقيا، حسب تقرير المعهد اليهودي (المصدر: موقع مدار).

وإذا تشير أبحاث إسرائيلية إلى أن الفجوة بين نسبة تكاثر اليهود والعرب ستتراجع خلال عقد من الزمن (مطلع العقد المقبل) في حال إستمر تراجع معدل الولادات العربية وإستمر تدفق اليهود فضلا عن زيادة نسبة ولاداتهم، فإن ذلك ينسجم مع سياسة عمرها من عمر الكيان، وحسب تعبير ديفيد بن غوريون، فإن انتصار إسرائيل النهائي “سيتحقق عن طريق الهجرة المكثفة” إليها.

وحسب معطيات دائرة الاحصاء الاسرائيلية (موقع مدار)، فإن اسرائيل شهدت موجتي هجرة ضخمتين، مقارنة مع سنوات أخرى، الأولى بين العامين 1948 و1951 (688 ألف مهاجر)؛ والثانية بين العامين 1990 و2000 (حوالي مليون مهاجر)، بينما كانت اضعف هجرة بين سنوات 1980 و1989. من الواضح أن إسرائيل تتعامل مع أرقام الهجرة المعاكسة بوصفها قضية تمس أمنها القومي، فتتكتم على الأرقام الحقيقية، ذلك أن أي دراسة تشير إلى تفوق الهجرة المعاكسة ستترك أثرًا سلبيًا كبيرًا على الجمهور الإسرائيلي خصوصاً أن معظم الذين هاجروا إلى دولة الاحتلال لم يستغنوا عن جنسياتهم الأصلية، وكان قدومهم إلى إسرائيل لتحسين ظروفهم المعيشية والاقتصادية، وليس لديهم ارتباط بالأرض أو الهوية الإسرائيلية التي طالما اشتغلت عليها الجمعيات الصهيونية، بدءًا من “الأب الروحي للدولة اليهودية” تيودور هرتزل الذي لخص أفكاره في كتاب أصدره عام 1896 وحمل عنوان “الدولة اليهودية”، ورسم عبره خارطة طريق لتشجيع تهجير اليهود إلى فلسطين سعيًا خلف فكرة إقامة الدولة اليهودية.

وبرغم التحفظ الإسرائيلي على الأرقام، يمكن تدعيم الإستنتاج القائل بإرتفاع الهجرة المعاكسة ربطًا بأمور عدة أبرزها الآتي: أولًا، قيام الكنيست بتوسعة “قانون العودة” إلى إسرائيل الذي يسمح لأي يهودي في العالم بالقدوم إلى فلسطين التاريخية، والحصول على المواطنة الإسرائيلية إلى جانب الامتيازات والتسهيلات بالسكن والعمل والمساعدات المالية التي تمكنه من الاندماج في المجتمع الإسرائيلي، ليشمل الحق بالهجرة أيضًا لكل ولد وكل حفيد، وليس فقط للمولود لأم يهودية بغرض توسيع دائرة استيعاب المهاجرين، وإن أخلّ ذلك في الحفاظ على العرق اليهودي. ثانياً، قبول السلطات الإسرائيلية باستقدام عدد كبير من أصول يهودية لكنهم لا يدينون بالديانة اليهودية، برغم معارضة الحاخامات وطائفة الحريديم لهذا الإجراء. ثالثاً، تقديم رزم من الحوافز لمناسبات عدة مثل ستينية أو سبعينية الكيان، لأجل إغراء “الشباب اليهودي” بالهجرة إلى إسرائيل، ولكن هذه كلها وغيرها لم تفعل الفعل المطلوب. لم تعد أساليب الترغيب والترهيب التقليدية تصلح لإستقطاب أكبر التجمعات اليهودية خصوصا في الدول الغنية، وعليه، سيستمر التركيز على “إغراء” وجذب كتلة كبيرة من يهود الأرجنتين وأميركا اللاتينية وجنوب أفريقيا وأثيوبيا والهند وأوروبا الشرقية، لتوطينهم في فلسطين التاريخية (ثمة إشكالية دائمة بين من يتم توطينهم في المركز مثل القدس وتل أبيب ومعظم هؤلاء من الأغنياء وبين من يتم توطينهم في الأطراف شمالا وجنوبا مثل يهود أثيوبيا والسودان وأوروبا الشرقية ومعظم هؤلاء من الفقراء). ثمة أزمة هوية في الكيان الإسرائيلي. أحد تعبيراتها حالة الفوضى السياسية التي تشهدها مع مطلع العقد الجديد وأدت إلى إجراء أربع دورات إنتخابية في أقل من سنتين وسقوط “أسطورة” بنيامين نتنياهو. الأمر الآخر يتصل بالمخاطر الأمنية التي تهدد الكيان وهذه المرة ليس من شمال فلسطين المحتلة وحسب (حزب الله) ولا من جنوبها (حماس والجهاد) بل من النهر إلى البحر. الصواريخ التي أطلقتها المقاومة في حرب غزة الأخيرة تدشن ليس مرحلة جديدة في الصراع بل إشارة واضحة إلى أن الكثير من عناصر الإطمئنان التي كان يشعر بها المهاجرون تكاد تصبح شبه معدومة.