Menu

شبح الحرب الباردة من جديد

موفق محادين

نشر في العدد الأخير من مجلة الهدف الرقمية

أيًا كانت حدود التبريد والمجاملة في لقاء جنيف الذي جمع الرئيس الروسي؛ بوتين، مع الرئيس  الأمريكي؛ بايدن، فإن أجواء المؤتمرين اللذين سبقا هذا اللقاء، وهما مؤتمر الناتو، ومؤتمر الدول السبع (الأوروبية وأمريكا وكندا) هي الأجواء التي تعكس الواقع الحقيقي للسياسة الأمريكية المقبلة، إزاء روسيا والصين معًا، وهي السياسة التي ظهرت في البيانات الختامية للمؤتمرين وكشفت مغزى الاهتمام الأمريكي بترميم الناتو والتأكيد على الاتحاد الأوروبي، وعبرت عن خلفيات عدائية نابعة من حسابات اقتصادية وسياسية تتعلق بصعود الصين وروسيا، وتقدمهما في المشهد الدولي.

نعرف أنه في عصرنا الراهن؛ شكّلت حقبة ما بعد الثورة الصناعية واقتصادات المعرفة، والثورة المعلوماتية الرابعة والخامسة، العامل الحاسم في تسريع الوتائر الأخرى، لنشوء الإمبراطوريات وأزماتها، بالأخصّ المتروبولات والإمبرياليات الكبرى مثل الولايات المتحدة، يُضاف إلى ذلك في الحال الأميركي، دور الدولار والدولرة في النظام النقدي العالمي.

في كتابه “رأس المال” وتحديداً فيما يخصّ التركيب العضوي لرأس المال، لاحظ ماركس أنّ من سمات الرأسمالية، الثورة التقنية المتواصلة التي تعمّق التناقضات الرأسمالية في الوقت ذاته.

مع كلّ تقدمٍ تكنولوجيّ، وصولاً إلى الاقتصاد المعرفي والرقمي، تقذف الرأسمالية بالملايين خارج سوق العمل، سواء الياقات الزرقاء أو البيضاء أو أصحاب المهن، إضافةً إلى أنّ المتروبولات تفضّل العمالة الرخيصة المهاجرة على العمالة البيضاء.

وهنا، بدلاً من أن تعترف الرأسمالية بأزمتها المستعصية، غالبًا ما تواصل الإنكار وتزعم أنّ الرأسمالية قادرةٌ على تصحيح نفسها (كتابات هايك وميلتون)، كما تلجأ إلى تحميل العمالة المهاجرة مسؤولية ذلك، عبر إنتاج خطابٍ نازيٍّ وتأجيجه بين الحين والحين، من هتلر الألماني إلى ترامب الأميركي.

هكذا، تتّسع العنصرية والمالثوسية والداروينية الاجتماعية جنبًا إلى جنب مع الأزمة الدورية المتفاقمة للرأسمالية، وتؤسس بالتدريج لحفر قبرها التاريخي، بحسب ماركس، ويبدأ العدّ العكسي لأفولها التاريخي على عتبة فوضى كونيّة حذّرت منها روزا لوكسمبورغ.

وفي الحالة الأميركية، يبرز العامل الإضافي، دولرة النظام النقدي العالمي، ويدفعها باضطراد إلى تسميم العلاقات الدولية وإعادة إنتاج الحرب الباردة واختلاق حروبٍ عدوانيّةٍ عسكرية، للحفاظ على هذه المواقع، مما يجعل من النازية الجديدة ظاهرة معولمة في الشمال الرأسمالي العالمي (همجيات عليا) بحسب تعبير الفيلسوف الألماني، شبنغلر، والتي تجد صداها في همجيّاتٍ دنيا تكفيرية جنوب العالم.

لا يتوقّف الأمر عند هذا الحدّ، فالشيخوخة الإمبريالية بحسب نظرية المركز والمحيط وتبادل الأماكن بينهما، بحسب قراءة مدرسة فكّ التبعيّة (والرشتاين وسمير أمين)، يقابلها صعودٌ تدريجيٌّ لقوى جديدة تولد من قلب هذه التداعيات، مثل الصين. وثمة بعد آخر يزداد أهمية في صعود القوى الدولية، هو الجيوبولتيك كما تعبر عنه روسيا الأوراسية، هكذا راحت الصين وروسيا معًا، تشكل (تهديدًا) حقيقيًا للإمبريالية في أزمنتها الراهنة.

أولًا، روسيا الأوراسية:

إن الاهتمام الأمريكي بـ أوراسيا هو اهتمام بساحة الصراع الرئيسية الجديدة في العالم ويستدعي ويعني إدارة هذا الصراع من زوايا مختلفة بينها الشرق الأوسط وبينها أمريكا اللاتينية، أما لماذا أوراسيا؟ وماذا تعني في هذا الصراع؟ فذلك وفقًا للمعطيات التالية:

  1.  كما تشكلت خرائط العالم في مرات سابقة  في أوراسيا  فهي تعاود تشكلها اليوم من هناك وتؤكد ما قاله مؤسسو نظرية (أوراسيا) البريطاني ماكندر والأمريكي سبيكمان، من أن من يسيطر على أوراسيا أو قلب العالم (هارت لاند) يسيطر على العالم.
  2.  تشكل أوراسيا قلب الخرائط الكبرى الخاصة بخطوط وموانيء النفط والغاز والأسواق الكبرى وطريق الحرير الجديد (روسيا والصين والهند).
  3.  الصراع على أوراسيا يجعل أمريكا أقرب إلى المجالات الحيوية الروسية والصينية، وهي القوى الدولية الصاعدة.
  4.  حسب بريجنسكي في كتابه (خطة لعب) الذي يتوقع فيه الانسحاب الأمريكي إلى أوراسيا، فإن أوكرانيا تحتل أهمية  كبيرة في الحسابات الأمريكية لعدة أسباب منها التركيبة السكانية  لغرب أوكرانيا وتقاليد العداء لموسكو، سواء الاشتراك في الثورة المضادة لثورة أكتوبر أو خلال الحرب العالمية الثانية. كما يولي بريجنسكي أهمية خاصة لدور أوكرانيا في عزل روسيا عن أوروبا والاتحاد الأوروبي وتوفير قواعد متقدمة للأطلسي.
  5.  من القوى الإقليمية الهامة التي يمكن استخدامها في هذا الصراع هي تركيا، ولكن ليس تركيا الأطلسية العلمانية، بل تركيا الأطلسية الإسلامية، وذلك لتوظيف الاحتقانات الطائفية ضد روسيا والصين.

وتأتي أهمية تركيا من نفوذها في المناطق الإسلامية المحاذية  لحدود أوراسيا، وهو نفوذ قد يكون قوميًا، حيث تعيش  جماعات واسعة من أصول تركية، وقد يكون مذهبيًا، وهو ما يعني أن ثمن أية تفاهمات مع تركيا، يتطلب انسحاب الاخيرة من لعبة الرقص على الحبلين والعودة مجددًا إلى الحضن الأمريكي، سواء من خلال انعطافة اردوغانية أو من خلال بدائله الجاهزة مثل بابان وأوغلو.

ثانيًا، الصين:

تشكل الصين منذ ستينيات القرن الماضي عقدة العقد للسياسات الإمبريالية الأمريكية، بالنظر إلى دورها الاقتصادي المتصاعد في العالم كله ناهيك عن آسيا، وإذا كان كيسنجر قد بلور سياسة الاستيعاب القديمة المعروفة، فإن إدارة بايدن تذهب إلى خيارات أخرى، في ضوء الأزمة البنيوية للاقتصاد الأمريكي، كما تحت ضغط الصعود الكبير للصين وسيطرتها على أسواق ومجالات حيوية في آسيا وإفريقيا وغيرها كانت حتى وقت قريب تحت السيطرة الإمبريالية.

يضاف إلى ذلك، المشاريع العملاقة التي تعمل عليها الصين، من طريق الحرير واللؤلؤة إلى حرب الموانئ وتطوير أسطول بحري دولي يتخطى حدود بحر الصين الجنوبي. وقد أرفقت هذه السياسة، بالبحث عن نظائر دولية وإقليمية منافسة للصين مثل اليابان وكوريا الجنوبية أو عن خاصرات للعمل ضدها مثل تايوان، كما بحملات أيديولوجية مباشرة وغير مباشرة:

الأولى: عبر عنها هنتغتون وكتابه عن صراع الحضارات الذي خص الكوفوشية الصينية بنصيب وافر من حقده إلى جانب بقية الثقافات الشرقية.

 الثانية بصورة غير مباشرة عبر خطابين باسم الدين: الأول؛ خطاب الجماعات الأصولية التكفيرية التي انخرطت في معركة المخابرات الأمريكية، عبر الدعوة إلى مقاطعة الصين بذريعة ما يقال عن أقلية الإيغور، والثاني خطاب الاصوليات البوذية في التبت .