Menu

كتاب: الوعي القومي _ قسطنطين زريق والنهضة القومية العربية

قسطنطين زريق

محمد علي سليمان

بعد الحرب العالمية الأولى، وسقوط الإمبراطورية العثمانية، أسقطت معها الدعوة إلى الجامعة العثمانية، وتراجعت الدعوة إلى الجامعة الإسلامية. وتقدمت الدعوة إلى القومية العربية. وقد قاد الدعوة إلى القومية العربية، علمانياً، المفكر ساطع الحصري، الذي وهب حياته لتكوين فكر قومي عربي، وحارب الدعوات الإقليمية على اعتبار أن العرب أمة واحدة تشكلت عبر تاريخ مشترك، وتجزأت بفعل الاستعمار، ومن الضروري استعادة وحدة العرب، وهذا لن يتم إلا عبر تكوين وعي قومي عربي معاصر. وقد شهدت مرحلة الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين ظهور عدد من المفكرين المهتمين بالمشروع القومي العربي، ومن أبرزهم الدكتور قسطنطين زريق الذي ساهم مع ساطع الحصري تكوين وعي قومي عربي عبر كتابه " الوعي القومي _ نظرات من الحياة القومية المتفتحة في الشرق العربي ". ولقد أوقف الدكتور قسطنطين حياته على نشر مشروعه القومي الذي بدا متبلوراً في كتابه المذكور، وحاول في كتبه الأخرى (نحن والتاريخ، نحن والمستقبل، في معركة الحضارة، مطالب المستقبل العربي) أن يقرأ المجتمع العربي من خلال ذلك الوعي القومي، مؤمناً بأن مستقبل العرب يعتمد على تكوين وعي قومي يكون مرشداً لهم في معركة النهضة والإصلاح، معركة التحرر والتنمية والإبداع.
أن إصلاح المجتمع العربي عند الدكتور قسطنطين ينقسم إلى قسمين:
1 -إصلاح الأنظمة:
حركات سياسية _ اجتماعية، تغيير بنيوي.
2 _ إصلاح الأشخاص:
إصلاح التربية والدين، إصلاح تربوي.
ويعتبر الدكتور قسطنطين أن إصلاح الأشخاص كان الأسبق في التاريخ من الجهد لإصلاح الأنظمة. أي أن إصلاح الأنظمة مرتبط ارتباطاً وثيقاً بإصلاح الأشخاص، ومن خير النضال لإصلاح الأنظمة ومن خير الشعب الذي يقوم بهذا النضال أن يجري في ظل القانون والقضاء المستقل، وفي جو احترام حقوق الإنسان والمواطن. ورغم أنه في كتابه " نحن والمستقبل " يرى " أن إصلاح الأنظمة مرتبط ارتباطاً وثيقاً بإصلاح الأشخاص، وأنه مهما تكن نظرتنا إلى هذا أو ذاك من حيث الأولوية والفاعلية، فلا جدال في أنهما متداخلان ومتفاعلان يعزز أحدهما الآخر أو يعطله، وان النضال في سبيلهما يجب أن يكون نضالاً مشتركاً ". فأن الدكتور قسطنطين لا يؤمن بالثورة، ولكنه يؤمن بالتغيير البنيوي التدريجي عبر إصلاح المجتمع عن طريق إصلاح الأشخاص على أمل أن يؤدي التغيير التربوي إلى تغيير في البنية الاجتماعية. والتربية عند الدكتور هي وعي حضاري، وعي قومي بظروف المجتمع العربي، وضرورة تجاوز هذا الواقع إلى تحقيق تغير بنيوي داخل المجتمع يقوده إلى المستقبل، و" أعني بالتربية القومية ذلك التهذيب الذي يكتسبه السواد الأعظم من أهل البلاد، وينتج عنه شعور الفرد منهم بأنه عضو في جسم الأمة، فيدفعه هذا الشعور إلى القيام بواجبه نحو أمته على الوجه الأكمل. ففي هذا التهذيب إذن عنصران لا يتم بدون أي منهما: الشعور القومي، ثم القيام بالواجب الذي يفرضه هذا الشعور". وشروط هذه التربية القومية هي أن تكون مستمدة من فلسفة قومية، وأن تكون هي وفلسفتها القومية مستمدتين من الحياة الواقعية. وليس غريباً أن يركز الدكتور قسطنطين على التربية والتعليم، ذلك أن ثقافة علمانية هي القادرة على هضم الأفكار التنويرية وهي التي تجعل المجتمع مفتوحاً فكرياً على تلك الأفكار التنويرية والتي تجعل الاجتهاد (حتى بالمعنى الديني) يطال كافة مجال الحياة الاجتماعية بحيث ينتج مجتمعاً ديناميكياً يعمل على إحياء قوى الأمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية.
أن الدكتور قسطنطين لا يجد العدو في الخارج _ الآخر الإمبريالي، دون التقليل من خطر هذا العدو الخارجي، بقدر ما يراه في الداخل الذات. المرض هو داخل الإنسان العربي الذي يبتعد عن واقعه، ويهرب من تحمل مسؤولياته التاريخية تجاه هذا الواقع المتخلف. وكان هدفه من كتابه " الوعي القومي " هو إيضاح العقيدة القومية إيضاحاً وافياً، وإشاعتها في عقول العرب وقلوبهم، وجعلها أساساً صالحاً للعمل القوي المنظم وانبعاث النهضة الجديدة. ذلك أن الثورية الأولى الضامنة لسواها هي الثورية الداخلية، وأن غاية جهودنا البانية، الفردية والقومية، يجب أن تكون خلق الإنسان العربي المتحضر الفاعل.
يبدأ الدكتور قسطنطين كتابه " الوعي القومي " بمقولة إنه ليس من أمل للنهضة القومية العربية ما لم تكن مستمدة من فلسفة قومية تصور روحها وتحدد اتجاهها، وتعين لها السبل والوسائل. أو بمعنى آخر لا بد من " إنشاء فلسفة شاملة واضحة منظمة " ذلك أنه " ما من نهضة قومية تحررية قامت في العالم إلا وسبقتها أو لازمتها نهضة فكرية مهدت لها الطريق ورسمت أمامها الغاية، وأوضحت لها المعالم والحدود " وبعد إنشاء هذه الفلسفة القومية يجب أن تعصر في عقيدة قومية تمتزج بعاطفة أبناء الأمة. وحين ينجز رجال الفكر العربي تحويل الفلسفة القومية إلى عقيدة قومية يأتي دور العاملون في الحقل القومي من أجل " تنظيم " الأمة تحت راية هذه العقيدة القومية. أي إن النهضة العربية يجب أن تقوم على ثلاثة أركان " الفلسفة القومية والعقيدة القومية والتنظيم ". وبالتالي فإن تكوين نهضة عربية حديثة تكون بالعمل المنظم عبر عقيدة قومية تخرج العواطف القومية من حيز الشعور إلى حيز العقل، ويسود الوعي القومي الذي هو منبع كل نهضة قومية صحيحة. ولكن على ماذا يقوم هذا الوعي القومي؟
يقوم الوعي القومي عند الدكتور قسطنطين على " معرفة ماضي الأمة معرفة صحيحة، وفهم العوامل الطبيعية والتاريخية التي كونتها حتى جعلتها في حالتها الحاضرة، والكشف عن مصادر قواها الروحية الخاصة التي تمتاز بها عن غيرها من الأمم ". فالإنسان الواعي قومياً عليه أن يعرف أصل الجنس العربي، ثم عليه أن يعرف لغته، من أين نشأت وكيف انتشرت، وفهم القوى الخاصة التي تمثلها اللغة كي تستغل في تنظيم الحاضر وبناء المستقبل، وعبر اللغة عليه أن يعرف ثقافته التي تكون القسم الأهم والأبرز من الشخصية العربية. كما يتطلب الوعي القومي أن نلمس روح التاريخ العربي، ونتصل بالعوامل التي كونت هذا التاريخ، وأن ندرك أن حياتنا الحاضرة هي " وليدة عاملين رئيسيين يتفاعلان فيما بينهما هما: الشخصية العربية كما تكونت عم محيط هذه البلاد الطبيعي وميراثها الاجتماعي والثقافي، والحضارة الغربية السائدة على المجتمع الحديث ". إنها أيضاً إشكالية الأصالة والمعاصرة التي هي قدر المجتمع العربي منذ فجر النهضة الحديثة.
إن الشخصية الداخلية للأمة العربية، برأي الدكتور، لم تقدر حق قدرها، ولم يتم معرفة عوامل الضعف في الشخصية العربية والتخلص منها. أما بالنسبة للغرب فيرى أنه لم يفهم حق الفهم، أي في العمق، بل أن إدراكنا له لم يتجاوز المظاهر الخارجية، وأنه يجب معرفة القوة الحقيقية التي تفعل فعلها في الغرب والتي أوصلته إلى ازدهاره الحاضر. ويرى أن وراء تلك الانجازات الحضارية " نظام اقتصادي متشابك خلقته الثورة الصناعية الحديثة يرمي إلى استغلال موارد الطبيعة ومواهب الإنسان وقابلية الآلة الحديثة في سبيل زيادة الإنتاج وتنظيمه ". و" وراء اقتصاد الغرب علم الغرب ". ويعني الدكتور بالعلم تلك الطريقة من التفكير، وذلك الأسلوب في التحليل الذي يثبت في العقل ويشيع في النفس عندما يعاني المرء من التدريب العلمي الصحيح، إنه البحث الدائم عن الحقيقة، والشك اليقظ فيما لا يوافق العقل والاستنتاج الصحيح والمنطق السليم. ولذلك يحسن بنا أن نقبل على علم الغرب بقلوب متواضعة ونفوس ظمأى نروي عقولنا من منابعه النقية.
ويحذر الدكتور قسطنطين من الطغيان الأدبي الذي يسود الحياة العقلية العربية، ويحمل لنا من شتات أسماء الأدباء في الغرب وفتات أرائهم ومذاهبهم فنتهالك عليها ونتجادل ونختصم فيها، ونلهو عن القوى العقلية الكبرى التي تهيمن على الحاضرة: وهي قوة العلم المنصرفة إلى مجابهة مشاكل الإنسان في الطبيعة والاجتماع. كما أن " وراء علم الغرب فلسفة الغرب ". إن الفلسفة الغربية التي على الفكر العربي أن ينشدها هي " تلك المعرفة التي تخترق بها أذهاننا إلى قلب التفكير الفلسفي، وتلتهب بالروح الفلسفية المنبعثة منه ". و" النظام الاقتصادي، ومن ورائه العلم، ومن ورائهما الفلسفة: تلك هي، من وجهة نظري، العناصر الرئيسية التي تتألف منها حقيقة الغرب "، وخليق بمن أشرقت نفسه بالوعي القومي الواضح أن يفهم هذه العناصر الثلاثة فهما صحيحا فيلمس بذلك روح الحضارة الغربية المقبلة علينا. وعليه يبني الدكتور برنامج عمل للأمة العربية، ويقول " إن عمل الأمة العربية سيكون في المستقبل كما كان في الماضي: فكما أن العرب استطاعوا في العصور الغابرة أن يهضموا مدنيات اليونان والرومان والفرس والهند، ويمتصوها بعقولهم النشطة ونفوسهم الظمأى ثم يخرجوها إلى العالم وحدة منسجمة غنية بالمادة باهرة اللون، كذلك ستكون مهمة العرب في الأعصر الآتية أن يتشربوا علم الغرب بحيث يتغلغل في بنية المجتمع ويأخذ مجراه بشكل طبيعي، ويجمعوا إليه العناصر المختلفة التي تنشأ في الغرب والشرق كرد فعل له، ويؤلفوا بينها كلها في وحدة جديدة تكون عنوان الحياة المقبلة و يفيض بها العرب على العالم كما أفاضوا عليه بمدنيتهم الباهرة في القرون الماضية ". ولكن حتى يصل المجتمع العربي إلى هذه المرحلة (مرحلة أن يكون له رسالة، وأن يعمل من أجل تحقيقها) لا بد من أساس فكري قومي يمكن الوقوف عليه. لا بد، في مرحلة انتقالية، من معالجة المعضلة الأساسية في حياة العرب الحاضرة، المعضلة الروحية الداخلية. ذلك المشكلة السياسية والأزمة الاقتصادية، برأي الدكتور، ما كانت أي منهما لتتعقد وتستعصي لولا هذه الأزمة الداخلية التي تفسخ جسم الأمة وتضعضع قواها. ولا بد لنا من بناء هذه الروح عبر المرأة، والمدرسة، ووسائل الإعلام، والمنظمات المهنية عبر مؤسسات المجتمع المدني، كمقدمة للمسألة الأعظم والأخطر، مهمة التربية القومية التي تهيئ الأمة من أجل تأدية رسالتها التاريخية. حيث لن يتاح للأمة العربية في الحاضر إلا بإحياء قواها الروحية وتوجيهها نحو المثل العليا.
إن الوطن العربي يعيش في فوضى فكرية عظيمة الخطر. ويرد الدكتور قسطنطين هذه الفوضى الفكرية خارجياً إلى العصر الحاضر الذي هو عصر اضطراب فكري وفوضى عقلية، وداخلياً إلى أن المجتمع العربي يعيش مرحلة انتقال من القديم إلى الجديد، والسبب الثالث عام، وهو تعدد الثقافات والأنظمة التربوية. وللخروج من هذه الأزمة التي تعصف بالأمة العربية يعتمد الدكتور في المقام الأول على التربية والثقافة، ويقترح عدة حلول أهمها: حفظ التراث العربي القديم من الضياع حرصاً على الروابط المتينة التي تصلنا به، وعلى الثروة العقلية التي نستمدها منه لبناء شخصيتنا الجديدة. ذلك أن كل استقلال خارجي لا يقوم على الأسس الروحية الثابتة لن يكتب له البقاء. ويؤكد على ضرورة إحياء ذلك التراث بنقله بلغة العصر وأسلوبه وطريقة تفكيره، وكمثال يشير إلى كتاب الدكتور طه حسين " على هامش السيرة " الذي كتب بالاعتماد على كتب السيرة النبوية. كما يطالب بنشر النصوص التراثية بشكلها التام، ذلك أن واحدنا لا يتوفق إلى تفهم عصر من العصور الماضية إلا إذا عاش جوه الخاص المنبعث من لغته وأساليب تفكيره التي يمتاز بها عن غيره من العصور. ذلك أن الكتب المختارة من التراث، أو المختارات من كتب التراث، وهذا ما تحاول كل طبقة اجتماعية مسيطرة أن تقوم به مبعدة كل فكر نقدي من كتب التراث الذي يقوض سلطتها الزمنية والروحية. ويشير الدكتور إلى ضآلة الثقافة العلمية عند العرب وسطوة الثقافة الأدبية، كما يقترح أن نأخذ بما يدعوه " الأدب التوجيهي "، وهو ذلك النوع من الأدب الذي يوضح أمامنا الأهداف، ويوجه قوانا الفكرية إليها. ويمتاز هذا الأدب بالعمق والشمول والاتصال بالحياة، ويجب أن يطبق في كافة الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية، بحيث يعمل هذا الأدب على توجيه قوى الأمة نحو فكرة صائبة أو عقيدة واضحة. وهذه العقيدة الواضحة مهمة عند الدكتور، ولا يمل التركيز عليها وتأكيد أهميتها مرة بعد أخرى ضرورية لمواجهة الأزمة الروحية التي تعصف بالعرب، ويقول إنه " لو كان لنا مال الأرض وعلم السماء ولم تكن لنا عقيدة صحيحة، فلن ننال الحرية، ولن نتذوق الكرامة ".
وكان من الطبيعي أن يهتم الدكتور قسطنطين بالعلاقة بين القومية والدين، وهل يقدر مشروع فكري أن يقفز فوق هذه القضية الإشكالية، ويعتبر أن إشكالية هذه العلاقة ناتجة عن قلة التمييز بين الروح الدينية والعصبية الطائفية " فالقومية الحقيقية لا يمكنها بحال من الأحوال أن تناقض الدين الصحيح، إذ ليست في جوهرها سوى حركة روحية ترمي إلى بعث قوى الأمة الداخلية، وتحقيق قابلياتها العقلية والنفسية، لكي تقدم الأمة قسطها من تمدن العالم وحضارته "، وإذا عارضت فليس هو الروح الدينية، وإنما هو العصبية الهدامة التي تجعل من الرابطة الطائفية أقوى من الرابطة القومية، وتأبى أن تذيب نفسها في بوتقة الوطن الجامعة، بل كثيراً ما تستغل الشعور الديني البريء في سبيل أهوائها الخاصة وأطماعها الحزبية ". ثم يتوقف الدكتور عند علاقة النبي محمد بالقومية العربية ورسالته إليها، وهو لا يريد استعادة الماضي، ولكنه يستعيد الروح التي جعلت ذلك الماضي عظيماً، ويعتبر أن:
_ " النبي محمد، أولاً، نبي الإسلام " وإننا لن نستطيع اليوم أن نفهم تراثنا العربي القديم إلا بعد درس عميق لنصوص الدين الإسلامي وأحكامه وتفهم لروحه ونظامه.
_ " والنبي محمد، هو من ناحية ثانية، موحد العرب وجامع شملهم"، وإننا إذا راعينا ظروف الحياة الفكرية في القرون الوسطى، عندما كانت العاطفة الدينية ساطية على كل شيء، وجدنا في هذه الظاهرة بذورا صالحة للقومية العربية.
_ " والنبي محمد، هو من ناحية ثالثة، مثال لرجل العقيدة "، وأن الوطن العربي وقد عصفت به الأهواء الشخصية والمنازعات الحزبية أحوج ما يكون، في معركة القومية، إلى زعماء يقتبسون من شخصية النبي العربي قوة العقيدة وعزم الإيمان فيخرجون للنضال في سبيل مبادئهم القومية.
ويمكن الإشارة إلى رأي الحسين بن علي المغربي في مؤلفه " كتاب في السياسة "، فهو يعرف السياسات على أنها ثلاث " السياسات ثلاث: سياسة السلطان لنفسه. وسياسته لخاصته. والثالثة لرعيته. فالسائس الفاضل إنما يصلح لنفسه أولاً. ثم يصلح بسياستها خاصته، وما يحملها عليه من الآداب الصالحة لرعيته. فينشأ الصلاح على تدريج، وتسود الاستقامة على تدريج ". وعليه فإن نظرية الدكتور قسطنطين يمكن أن نجد جذورها في علم السياسة العربي، فهي تعتمد في النهاية على السائس الفاضل. ويلاحظ أن ميشيل عفلق في مواجهة جفاف الشخصية العربية استعاد شخصية الرسول الكريم كمثال في محاضرة بعنوان " ذكرى الرسول العربي " حيث يعتبر فيها: إن كل عربي، في الوقت الحاضر، يستطيع أن يحيا حياة الرسول العربي ولو بصورة جزئية ما دام ينتسب إلى الأمة التي أنجبت محمداً.. كان محمد كل العرب، فليكن كل العرب اليوم محمداً.. ولقد كان محمد موحد الأمة العربية ولن يبلغ العرب هذه الوحدة المفقودة إلا بتجدد التجربة الأخلاقية والروحية لحياة محمد في هذا العصر. بل أن عفلق يربط القومية بالإسلام " ولئن وجدت شعوب تنشد الانعتاق من الدين، فالأمة العربية تجد حريتها في الفهم المتجدد للإسلام.. وسوف يجيء يوم يجد فيه القوميون أنفسهم المدافعين الوحيدين عن الإسلام، ويضطرون لأن يبعثوا فيه معانيه الخاصة إذا أرادوا أن يبقى لأمة العربية سبب وجيه للبقاء ". وتكتسب هذه الدعوة إلى تنوير أخلاق الفضيلة أهميتها من حالة التوحش التي أصابت المجتمع العربي بعد تدهور " الزلزال العربي " إلى الحروب الأهلية على أساس ديني مذهبي طائفي، وخاصة تلك الممارسات الوحشية التي تقوم بها القوى الدينية الإسلامية الراديكالية _ داعش وأخواتها. ولا بد من القول إن ميشيل عفلق وقسطنطين زريق، كمفكرين علمانيين، ربطا القومية العربية بالإسلام كقوة تحررية، ولكنهما لم يربطا بين الدولة القومية والشريعة الإسلامية، وهذا ما فعلته القوى القومية عندما وصلت إلى السلطة السياسية، فقد أسلمت الدولة، وحتى أنها حاولت أن تأسلم المجتمع المدني، وجعلت الإسلام مصدر التشريع، وبذلك ساهمت بشكل رئيسي في أسلمة المجتمع السياسي والمجتمع المدني، وكان أن أصبح الطريق ممهداً للقوى الدينية الراديكالية التي حاربت المجتمع المدني والتعايش السلمي ثم انتقلت إلى محاربة الدولة العربية _ النظام العربي الرسمي مما أدى إلى الخراب الاجتماعي: تدمير البلاد بكل مكوناتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية.
ويمكن أن نستطرد حول نشوء القومية عند المفكرين المسيحيين العرب، ذلك أن استقلالهم الذاتي ضمن الدولة العثمانية، حيث سمح لكل ملة أن تكون قوانينها الخاصة، سمح لهم بتكوين وعي سياسي قومي يقوم على فك الارتباط مع الدولة العثمانية. ومن ناحية المبدأ لا خلاف على ما يطرحه الدكتور قسطنطين زريق كمشروع فكري لنهضة الآمة العربية، وقد عرضنا أهم أركانه، خاصة وأن المجتمع العربي أصبحت تسيطر عليه الدعوات ال قطر ية والطائفية والمذهبية، ووجود القوى الدينية التكفيرية وخاصة تلك التي أعلنت دولة الخلافة في العراق والشام، وبدأت تهدد وجود العالم العربي ككيان اجتماعي. ولكن اعتبار معركة النهضة معركة روحية، تربوية بالدرجة الأولى يتطلب استطراداً. ولا أحد ينكر أهمية أن يتخلص الإنسان العربي من القيود التي تكبل روحه، قيود الجهل والتعصب والمادة والأنانية التي تجعله يعيش في أزمة نفسية، ويغلب عليه التراضي والتشاؤم وإيثار المصلحة الشخصية على المصلحة العامة، وبالتالي أهمية بناء الإنسان العربي الذي يشعر بالمسؤولية تجاه بنفسه ووطنه، الإنسان الحر الذي يتمسك بالنظام والقانون، ومن هنا أهمية استعادة سيرة النبي محمد، وخاصة في ظل دولة الخلافة الإسلامية في العراق والشام وفتاوى التكفير والإبادة الدينية والمذهبية والإثنية. ولكن هذه العملية التاريخية ليست نتاج الإصلاح الروحي فقط، وهل النهضة العربية في العصر الحديث إلا عملية إصلاح روحي بلا جدوى، وقد تكرست هذه اللاجدوى في ظل نظام العولمة. إن النهضة العربية لن تتم إلا بتغيير بنيوي يبدأ من البنية التحتية _ الاقتصادية يطال التشكيلة الاجتماعية الكولونيالية، ويأخذ العلم والعقل وأخلاق الفضيلة والحرية السياسية طريقهم إلى المجتمع عبر مجرى عملية اجتماعية نهضوية تقوم بها قوى اجتماعية مهيمنة اجتماعياً في المجتمع المدني، ومن موقع السيطرة السياسية في المجتمع السياسي، ذلك أن التفاعل بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي من أهم عوامل النهضة. إن التوجه نحو تحقيق نهضة بالإصلاح الروحي، التربوي هو طريق أضعف الإيمان، ولكن إذا كان تغيير البنية الكولونيالية خارج تفاؤل الإرادة، فإن إصلاح الأشخاص هو خارج تشاؤم العقل، ويأمل المفكرون العرب عبر إصلاح الشخصية العربية خلق الأسس الفكرية لبناء المجتمع العربي الحديث.
إن الدكتور قسطنطين يتكلم عن إصلاح الأنظمة والأشخاص (الأفراد)، ولكنه يربط إصلاح الأنظمة بإصلاح الأشخاص، ولكن إصلاح الأشخاص ليس هو إصلاح المجتمع، ذلك أن هذا الشخص مرتبط بالمجتمع، وإصلاح الأشخاص يجب أن يرتبط مع إصلاح المجتمع، مع إصلاح الوسط الاجتماعي الذي يعيشون فيه، ومجتمع فاسد لا يمكن أن ينتج الأشخاص الصالحين، قد ينتج شخصاً صالحاً على المستوى الفردي لكن لا ينتج إصلاحاً اجتماعياً، وهنا يأتي دور الثورة التي تتجاوز الإصلاح إلى التغيير الاجتماعي، ومهمة هذه الثورة هي إزالة البنية الاجتماعية التقليدية (الكولونيالية) وخلق بنية اجتماعية رأسمالية أو اشتراكية عن طريق قوى اجتماعية مهيمنة. وهذه القوى الاجتماعية المهيمنة هي التي تخلق المجتمع الصالح عبر خلق مجتمع تقوم فيه أخلاق الفضيلة الاجتماعية التي تحترم حقوق الإنسان.